٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير

٣٤٤ فقرة، ج ٦ ص ٣٧٢

الصفحة ١ من ٩

  1. ٧٤٣ - حَدَّثَنَا حفص بْن عُمَر: نا شعبة، عَن قتادة، عَن أَنَس بْن مَالِك، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

    ج ٦ ص ٣٧٢
  2. ٧٤٤ - حَدَّثَنَا موسى بن إِسْمَاعِيل: ثنا عَبْد الواحد بن زياد: ثنا عمارة بن القعقاع: ثنا أبو زُرْعَة: ثنا أبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسكت بَيْن التكبير وبين القراءة إسكاتة - قَالَ: أحسبه قَالَ: هنية -، فَقُلْت: بأبي وأمي يَا رَسُول الله، إسكاتك بَيْن التكبير وبين القراءة، مَا تَقُول: ((أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد) ) .

    قَالَ الخطابي: قوله: ((إسكاتة) ) وزن إفعالة، من السكوت، ومعناه: سكوت يقتضي بعده كلاماً، أو قراءة مَعَ قصر المدة فِيهِ، وإنما أراد ترك رفع الصوت، ألا تراه يَقُول: مَا تَقُول فِي إسكاتك.

    ج ٦ ص ٣٧٣قَالَ: وقوله: ((اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد) ) ، فإنها أمثال، ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد التوكيد فِي التطهير، والثلج والبرد ماءان، لَمْ تمسهما الأيدي، ولم يمرس ولم يمتهن.

    قَالَ: وفيه مستدل لمن منع من الماء المستعمل؛ لأنه يَقُول: إن منزلة الخطايا المغسولة بالماء بمنزلة الأوضار الحالة فِي الماء والغسولات المانعة من التطهير.

    قَالَ: وعندي فِي قوله: ((اغسل خطاياي) ) عجائب. انتهى مَا ذكره.

    ج ٦ ص ٣٧٢
  3. وكأنه يشير إلى مسألة العصمة، ولا حاجة إلى ذكرها.

  4. ولما كَانَتْ الذنوب تؤثر فِي القلب دنساً، وَهُوَ المذكور فِي قوله تعالى: {كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:١٤] وتوجب للقلب احترافاً؛ طلب فِي هَذَا الدعاء المباعدة بينه وبينها عَلَى أقصى وجوه المباعدة، والمراد: المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيوية والأخروية.

  5. وربما دَخَلَ فِيهِ المباعدة بَيْن مَا قدر مِنْهَا ولم يعلمه بعد، فطلب مباعدته مِنْهُ، عَلَى نحو قوله: ((أعوذ بك من شر مَا عملت وما لَمْ أعمل) ) .

  6. وطلب - أَيْضاً - أن ينقي قلبه من دنسها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

  7. وطلب - أَيْضاً - إطفاء حرارتها وحريقها للقلب بأعظم مَا يوجد فِي الدنيا إنقاء وتبريداً، وَهُوَ الماء والثلج والبرد.

  8. وفي حَدِيْث عَائِشَة، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُول فِي دعائه: ((اللهم اغسل

    ج ٦ ص ٣٧٤خطاياي بالثلج والبرد، وأنق قلبي من الخطايا كما أنقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب)) .

  9. وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر، وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً.

  10. وإنما كَانَ يدعو فِي افتتاح الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم -؛ لأن الصلوات الخمس تكفر الذنوب والخطايا، كما قَالَ تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤] ، فإقامة الصلوات المفروضات عَلَى وجهها يوجب مباعدة الذنوب، ويوجب - أَيْضاً - إنقاءها وتطهيرها؛ فإن

    ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار، يغتسل فِيهِ كل يوم خمس مرات) ) وقد تقدم الحَدِيْث فِي ذَلِكَ، ويوجب - أَيْضاً - تبريد الحريق الَّذِي تكسبه الذنوب وإطفاءه.

  11. وخرج الطبراني من حَدِيْث ابن مَسْعُود - مرفوعاً -: ((تحترقون [تحترقون] حَتَّى إذا صليتم الفجر غسلتها، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم الظهر غسلتها، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم العصر غسلتها، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها) ) .

  12. وقد روي موقوفاً، وَهُوَ أشبه.

    ج ٦ ص ٣٧٥
  13. وخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث أَنَس - مرفوعاً -: ((إن الله ملكاً ينادي عِنْدَ كل صلاة ك يَا بني آدم، قوموا إلى نيرانكم الَّتِيْ أوقدتموها عَلَى أنفسكم فأطفئوها) ) .

  14. وخرج الإسماعيلي من حَدِيْث عُمَر بْن الخَطَّاب - مرفوعاً -: ((يجرقون، فإذا صلوا الصبح غسلت الصلاة مَا كَانَ قبلها) ) حَتَّى ذكر الصلوات الخمس.

  15. ولما كَانَتْ الصلاة صلة بَيْن العبد وربه، وكان المصلي يناجي ربه، وربه يقربه مِنْهُ، لَمْ يصلح للدخول فِي الصلاة إلا من كَانَ طاهراً فِي ظاهره وباطنه؛ ولذلك شرع للمصلي أن يتطهر بالماء، فيكفر ذنوبه بالوضوء، ثُمَّ يمشي إلى المساجد فيكفر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء كفرته الصلاة.

    قَالَ سُلَيْمَان الفارسي: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذَلِكَ، والصلاة تكفر أكثر من ذَلِكَ.

  16. خرجه مُحَمَّد بْن نصر المروزي وغيره.

  17. فإذا قام المصلي بَيْن يدي ربه فِي الصلاة وشرع فِي مناجاته، شرع لَهُ أول مَا يناجي ربه أن يسأل ربه أن يباعد بينه وبين مَا يوجب لَهُ البعد من ربه، وَهُوَ الذنوب، وأن يطهره مِنْهَا؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة،

    ج ٦ ص ٣٧٦فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها من المعرفة والأنس والمحبة والخشية، فتصير صلاته ناهية لَهُ عَن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاة النافعة.

  18. وقد روي، أَنَّهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يستعيذ من صلاة لا تنفع.

  19. خرجه أبو داود.

  20. وخرجه البزار فِي ((مسنده) ) بإسناد فِيهِ ضعف، عَن سمرة بْن جندب، أن رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُول لنا: ((إذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بيني وبين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني وجهك يوم القيامة، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أحيني مسلماً وتوفني مسلماً) ) .

  21. وهذا حَدِيْث غريب.

  22. والاستعاذة من الإعراض مناسبة لهذا المقام؛ فإن المصلي قائم بَيْن يدي الله

    لمناجاته، فيحسن أن يستعيذ بِهِ من أن يعرض بوجهه عَنْهُ.

  23. وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ جواز التفدية بالأبوين، وفيه كلام يذكر فِي موضع آخر ذو القعدة إن شاء الله تعالى.

  24. وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ استدل بِهِ من يَقُول: إنه يستحب استفتاح [الصلاة] بذكر قَبْلَ الشروع فِي القراءة، وَهُوَ قَوْلِ أكثر العلماء، ثُمَّ اختلفوا:

    فَقَالَ كثير منهم: يستحب استفتاح الصلاة بقول:

    ج ٦ ص ٣٧٧((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ) .

  25. صح هَذَا عَن عُمَر بْن الخَطَّاب، روي عَنْهُ من وجوه كثيرة، وعن ابن مَسْعُود، وروي عَن أَبِي بَكْر الصديق وعثمان بْن عَفَّانَ، وعن الْحَسَن وقتادة والنخعي، وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق - فِي رِوَايَة.

  26. وقد روي فِي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة من وجوه متعددة، أجودها: من حَدِيْث أَبِي سَعِيد وعائشة.

    ج ٦ ص ٣٨٤وَقَالَ الإمام أحمد: نذهب فِيهِ إلى حَدِيْث [عُمَر] ، وقد روي فِيهِ من وجوه ليست بذاك - فذكر حَدِيْث عَائِشَة وأبي هُرَيْرَةَ.

  27. فصرح بأن الأحاديث المرفوعة

    ج ٦ ص ٣٨٥ليست قوية، وأن الاعتماد عَلَى الموقوف عَن الصَّحَابَة؛ لصحة مَا روي عَن عُمَر.

  28. وروي عَن أَبِي إِسْحَاق، عَن عَبْد الله بْن أَبِي الخليل، قالَ: سَمِعْت علياً حِينَ افتتح الصلاة قَالَ: لا إله إلا أنت سبحانك إني قَدْ ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، فاغفر ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

  29. وروي عَن ابن عُمَر، أَنَّهُ افتتح الصلاة، فَقَالَ: الله أكبر كبيراً، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً، اللهم اجعلك أحب شيء إلي، واخشى شيء عندي. وذهب طائفة إلى الاستفتاح بقول: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً) ) - الآيات، وما بعده من الدعاء.

  30. وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يستفتح بذلك، خرجه فِي ((أبواب: صلاة الليل) ) .

  31. وخرجه الترمذي، وعنده: أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يستفتح بِهِ فِي الصلاة المكتوبة.

  32. وفي إسناده مقال.

  33. وخرجه الطبراني من وجه آخر كذلك.

  34. وخرجه النسائي من رِوَايَة مُحَمَّد بْن مسلمة، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذا قام يصلي تطوعاً يَقُول ذَلِكَ.

  35. وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا: الشَّافِعِيّ وأصحابه وإسحاق - فِي رِوَايَة.

    ج ٦ ص ٣٨٦
  36. وروي عَن عَلِيّ، أَنَّهُ كَانَ يستفتح بِهِ من وجه منقطع.

  37. وظاهر كلام الشَّافِعِيّ وبعض أصحابه: أَنَّهُ يستفتح بِهِ كله الإمام وغيره.

    وَقَالَ كثير من أصحابه: يقتصر الإمام عَلَى قوله: ((وأنا من المُسْلِمِين) ) .

    وقالت طائفة: يجمع بَيْن قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك) ) وقوله: ((وجهت وجهي) ) .

  38. وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف وإسحاق - فِي رِوَايَة - وطائفة من الشافعية، ومنهم: أبو إِسْحَاق المروزي، وطائفة قليلة من أصحابنا.

  39. وقد ورد فِي الجمع بَيْنَهُمَا أحاديث غير قوية الأسانيد.

  40. وكل هَذَا عَلَى وجه الاستحباب، فلو لَمْ يستفتح الصلاة بذكر، بل بدأ بالقراءة صحت صلاته، ولو استفتح بشيء مِمَّا ورد حصلت بِهِ سَنَة الاستفتاح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره من العلماء، ولو كَانَ الأفضل عِنْدَ بعضهم غيره.

    وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَة الميموني: مَا أحسن حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاستفتاح - يعني: الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري هاهنا - فَقِيلَ لَهُ: فإن بعض النَّاس يَقُول: هَذَا كلام؟ فَقَالَ - متعجباً -: وهل الدعاء إلا كلام فِي الصلاة ويجوز.