٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
٣٤٤ فقرة، ج ٦ ص ٣٧٢
الصفحة ٢ من ٩
- ج ٦ ص ٣٨٦
والمنكر لهذا هُوَ من يَقُول من الكوفيين: إنه لا يجوز الدعاء فِي الصلاة إلا بلفظ القرآن، فأما الثناء عَلَى الله فمتفق عَلَى جوازه فِي الصلاة.
-
وهذا مِمَّا يرجح
ج ٦ ص ٣٨٧بِهِ الاستفتاح بـ ((سبحانك اللهم وبحمدك) ) ؛ لاشتماله عَلَى أفضل الكلام، فإنه إذا جمع مَعَ التكبير صار متضمناً لقول: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ) ، وقد قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيهن: ((إنهن أفضل الكلام بعد القرآن) ) .
-
وذهبت طائفة قليلة: إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته، منهم: ابن بطة وغيره من أصحابنا، وربما حكي رِوَايَة عَن أحمد.
وَقَالَ الحكم: إذا قَالَ: سبحان الله حِينَ يفتتح الصلاة والحمد لله أجزأه.
-
وهذا يشعر بوجوبه.
وَقَالَ إِسْحَاق: إن تركه عمداً فهو مسيء، ولا يتبين لِي إيجاب الإعادة؛ لما ذكر فِي غير حَدِيْث، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذا كبر قرأ فاتحة الكتاب.
-
وحكي الترمذي عَن بعض أهل الكوفة: أن حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب يعمل بِهِ فِي التطوع دون الفريضة.
-
وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ((أبواب قيام الليل) ) .
وَقَالَ أحمد - فِي رِوَايَة ابن منصور -: أنا أذهب إلى قَوْلِ ابن عُمَر، وإن قَالَ كما روي عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا بأس، وعامة مَا قَالَ فِي صلاة الليل.
وَقَالَ الوليد بْن مُسْلِم: ذكرت ذَلِكَ لسعيد بْن عَبْد العزيز، فأخبرني
ج ٦ ص ٣٨٨عَن المشيخة، أنهم كانوا يقولون: هؤلاء الكلمات حِينَ يقبلون بوجوههم إلى القبلة، قَبْلَ تكبيرة الاستفتاح - يعني: ((وجهت وجهي) ) - قَالَ: ثُمَّ يتبعون تكبيرة الاستفتاح بـ ((سبحانك وبحمدك) ) إلى آخره.
-
وذهب مَالِك إلى أَنَّهُ لا يشرع الاستفتاح فِي الصلاة، بل يتبع التكبير بقراءة الفاتحة.
-
وحكاه الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - عَن ابن مَسْعُود وأصحابه.
-
وهذا غريب.
-
واستدل لمن ذهب إلى هَذَا القول بظاهر حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري هاهنا فِي أول الباب.
-
وقد تقدم عَن إِسْحَاق، أَنَّهُ استدل بِهِ عَلَى أن الاستفتاح غير واجب.
-
وحمله آخرون عَلَى أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يتركه أحياناً؛ ليبين أَنَّهُ غير واجب.
-
وحمله آخرون عَلَى أن المراد بِهِ: أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يبدأ بقراءة الفاتحة قَبْلَ السورة، ولم يرد بِهِ نفي الاستفتاح والتعوذ، فالمراد بِهِ - حينئذ - استفتاح قراءة الصلاة بالفاتحة.
-
وعلى هَذَا حمله الشَّافِعِيّ وأصحابه.
-
ويدل عَلِيهِ: أن الترمذي خرج هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَبِي عوانة، عَن قتادة، عَن أَنَس، قَالَ: كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بَكْر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بـ
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، ولو كَانَتْ رِوَايَة شعبة الَّتِيْ خرجها البخاري عَلَى ظاهرها فِي افتتاح الصلاة لذلت عَلَى أن الصلاة
ج ٦ ص ٣٨٩تفتتح بكلمة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} دون التكبير، ولم يقل أحد: إن هَذَا هُوَ المراد من هَذَا الحَدِيْث.
وَقَالَ آخرون: المراد من حَدِيْث أَنَس: أن القراءة فِي الصلاة الجهرية تفتتح بكلمة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} دون البسملة.
-
واستدلوا لذلك بما خرجه مُسْلِم فِي ((صحيحه) ) من طريق غندر، عَن شعبة، قَالَ: سَمِعْت قتادة يحدث، عَن أَنَس، قَالَ: صليت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بَكْر وعمر وعثمان فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم) ) .
-
وخرجه - أَيْضاً - من طريق أَبِي داود، عَن شعبة، وزاد: قَالَ شعبة: فَقُلْت لقتادة: أسمعته من أنس؟ قَالَ: نَعَمْ، نحن سألناه عَنْهُ.
-
ففي هذه الرواية: تصريح قتادة بسماعه لَهُ من أَنَس، فبطل بذلك [تخيل] من أعل الحَدِيْث بتدليس قتادة.
-
وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً - من طريق الأوزاعي، عَن عبدة، أن عُمَر بْن الخَطَّاب كَانَ يجهر بهؤلاء الكلمات، يَقُول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
-
وعن قتادة، أَنَّهُ كتب إليه يخبره عَن أَنَس بْن مَالِك، أَنَّهُ حدثه، قَالَ: صليت خلف النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بَكْر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لا يذكرون ((بسم الله الرحمن الرحيم) ) ، لا فِي أول قراءة ولا آخرها.
- ج ٦ ص ٣٩٠
وعن الأوزاعي، قَالَ: أخبرني إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يذكر ذَلِكَ.
-
فهذه الرواية صحيحة، متصلة الإسناد بالسماع المُتَّصِل عَن قتادة، وإسحاق عَن أَنَس.
-
وقد روي حَدِيْث شعبة، عَن قتادة بالفاظ آخر.
-
فرواه وكيع، عَن شعبة، عَن قتادة، عَن أَنَس، قَالَ: صليت خلف النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخلف أَبِي بَكْر وعمر وعثمان، فكانوا لا يجهرون بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم) ) .
-
خرجه الإمام أحمد، عَن وكيع.
-
وخرجه الدارقطني من طرق، عَن شعبة - بنحوه.
-
ومن طريق شيبان وهمام عَن قتادة - أَيْضاً - بنحوه.
-
ومن طريق زيد بْن الحباب، عَن شعبة، وَقَالَ فِي حديثه: فَلَمْ أسمع ـحد منهم يجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم) ) .
-
وكذا رواه سَعِيد بْن أَبِي عروبة وحجاج، عَن قتادة، عَن أَنَس.
-
وخرجه النسائي من رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عروبة وشعبة، كلاهما عَن قتادة، ولفظه: فَلَمْ أسمع أحداً منهم يجهر بِهَا.
-
وخرجه أبو يعلى الموصلي من طريق غندر، عَن شعبة، ولفظه: لَمْ يكونوا يستفتحون الصلاة بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم) ) . قُلتُ لقتادة:
ج ٦ ص ٣٩١أسمعته من أَنَس؟ قَالَ: نَعَمْ، ونحن سألناه عَنْهُ.
-
ورواه الأعمش، عَن شعبة، فَقَالَ: عَن ثابت، عَن أَنَس - بنحو هَذَا اللفظ.
-
وأخطأ فر قوله: ((ثابت) ) ، إنما هُوَ: ((عَن قتادة) ) -: قاله أبو حاتم الرَّازِي والترمذي فِي ((كِتَاب العلل) ) .
-
وقيل: إن الخطأ من عمار بْن رزيق، رِوَايَة عَن الأعمش.
-
وقد روي عَن شعبة، عَن قتادة وحميد وثابت، عَن أنس من وجه آخر فِيهِ نظر.
-
ورواه يزيد بْن هارون، عَن حماد، عَن قتادة وثابت، عَن أَنَس.
-
وخرجه الإمام أحمد عَن أَبِي كامل، عَن حماد بْن سَلَمَة، عَن ثابت وقتادة وحميد، عَن أَنَس، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
-
ورواه حماد بْن سَلَمَة فِي ((كتابه) ) كذلك، [إلا] أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يذكر حميد فِي روايته: النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
يعني: أن حميداً وحده وقفه، ولم يرفعه.
-
وقد رواه مَالِك فِي ((الموطإ) ) عَن حميد، عَن أَنَس، قَالَ: قمت وراء أَبِي بَكْر وعمر وعثمان، فكلهم لا يقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم) )