١٢٩-باب فضل السجود

٨١ فقرة، ج ٧ ص ٢٢٦

الصفحة ١ من ٣

  1. ٨٠٦ - حدثنا أبو اليمان: نا شعيب، عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبرهما، أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: ((هل تمارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟) ) قالوا: لا يا رسول الله. قال: ((هل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟) ) قالوا: لا، قال: ((فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فياتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فاذا جاء ربنا عرفناه، فياتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، ويضرب

    ج ٧ ص ٢٢٧الصراط بين ظهرأني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بامته، ولا يتكلم يومئذٍ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رايتم شوك السعدان؟)) قالوا، نعم. قالَ: ((فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثُمَّ ينجو، حتَّى إذا أراد الله رحمة من اراد من أهل النار، أمر الله عز وجل الملائكة أن يخرجوا من النار من كانَ يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله عز وجل على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا اثر السجود، فيخرجون من النار قد امنحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل

    السيل)) .

    ج ٧ ص ٢٢٦
  2. وذكر بقية الحديث في آخر من يدخل الجنة، وقد خرَّجه بتمامه – أيضاً - في

    ((كتاب التوحيد) ) ، ويأتي في موضعه - أن شاء الله سبحانه وتعالى -، فإن هذا القدر من الحديث فيه

    ج ٧ ص ٢٢٨ها هنا كفاية.

  3. فأما ما يتعلق برؤية الله عز وجل يوم القيامة من اول الحديث، فقد سبق الكلام على ألفاظه ومعانيه في ((مواقيت الصلاة) ) في ((باب: فضل صلاة العصر) ) ، وفي

    ((باب: فضل صلاة الفجر) ) ، فلا حاجة إلى أعادتها هاهنا.

  4. وفي الحديث: دليل على أن المشركين الذين كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله ألهة يتبعون ألهتهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة، فيردنهم النار، كما قال تعإلى في حق فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ?} [هود:٩٨] .

  5. ويبقى من كان يعبد الله وحده ظاهراً، مؤمناً كان أو منافقاً، فهؤلاء ينظرون من كانوا يعبدونه في الدنيا، وهو الله وحده لا شريك له.

  6. ففي هذا الحديث: أن الله يأتيهم أول مرة فلا يعرفونه، ثم يأتيهم في المرة الثانية فيعرفونه.

  7. وفي الحديث السابق اختصار، وقد ساقه في مواضع أخر بتمامه.

  8. وقد دل القرآن على ما دل عليه هذا الحديث في مواضع، كقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ?} [البقرة:٢١٠] . وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام:

    ١٥٨] ،

    ج ٧ ص ٢٢٨وقال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ} [الفجر:٢٢] .

  9. ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئاً من ذلك، ولا أخرجوه عن مدلوله، بل روي عنهم؛ يدل على تقريره والإيمان به وامراره كما جاء.؟

  10. وقد روي عن الإمام أحمد، أنه قال في مجيئه: هو مجيء أمره.

    ج ٧ ص ٢٢٩
  11. وهذا مما تفرد به حنبل عنه.

  12. فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه.

  13. وكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل، عن أحمد رواية.

  14. ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما.

  15. ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزاماً لمن ناظره في القرآن، فأنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن، فقال: إنما يجيء ثوابه، كقوله: {وجاء ربك} ، أي: كما تقولون أنتم في مجيء الله، أنه مجيء أمره.

  16. وهذا أصح المسالك في هذا المروي.

  17. وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق:
  18. فمنهم من يثبت المجيء والإتيان، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه.

  19. ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره.

  20. ومنهم من يقر ذلك، ويمره كما جاء، ولا يفسره، ويقول: هومجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه.

    ج ٧ ص ٢٣٠
  21. وهذا هو الصحيح عن أحمد، ومن قبله من السلف، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة.

  22. وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية؛ لأن جهماً وأصحابه أول من أشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم، وردوا مادلت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم.

  23. وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله اسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله.

  24. وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك – مع كثرته وأنتشاره – من باب التوسع والتجوز، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنةوالنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملهم نصوص الامروالنهي على مثل ذلك،

    ج ٧ ص ٢٣١وهذا كله مروق عن دين الإسلام.

  25. ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه، إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالاحكام العملية ويدعون نصيحتمهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل.

    قال أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن جابر السلمي يقول: سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول: جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام، فقال: أني أكره هذا، بل أنهي عنه، كما نهى عنه الشافعي؛ فإني سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقالَ مالك: محال أن يظن بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه علم أمته الإستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، فالتوحيد ما قاله النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

  26. ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
  27. لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم)) ، فما عصم الدم والمال فهو حقيقة التوحيد. أنتهى.

    ج ٧ ص ٢٣٢
  28. وقد استوفينا الكلام على ذلك في أوائل ((كتاب العلم) ) في الكلام على أول الواجبات.

  29. وقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من أستنكر شيئاً من هذه النصوص، وزعم أن الله منزه عما تدل عليه:

    فروى عبد الرزاق في ((كتابه) ) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة: ((تحاجت الجنة والنار) ) ، وفيه:

    ((فلا تمتلي حتى يضع رجله) ) –أو قال: ((قدمه – فيها) ) .

    قال: فقام رجل فانتفض، فقال ابن عباس: ما فرق هؤلاء، يجدون رقة عند محكمة، ويهلكون عند متشابهه.

  30. وخَّرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده) ) عن عبد الرزاق.

  31. ولو كان لذلك عنده تأويل لذكره للناس ولم يسعه كتمانه.

  32. وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون، فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية، وردوا على النفاة، ووسعوا القول في ذلك،

    ج ٧ ص ٢٣٣وبينوا أن لازم النفي التعطيل

    المحض.

  33. وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الامة: فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها والتمثيل.

  34. وقد قال الخطابي في ((الأعلام) ) : مذهب السلف في أحاديث الصفات:

    الإيمان، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها.

  35. ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران: ظاهر يليق ببالمخلوقين ويختص بهم، فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل.

  36. ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية، الذي يحسن به الظن المتكلمون: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني، والمعاني محدثة كالأجسام، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات.

  37. وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول.

  38. وأما أهل العلم والايمأن، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مماجاء به الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه، وأنه ليس في

    ج ٧ ص ٢٣٤كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهرة كفر أو تشبيه، أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، فإنه حق وصدقٍ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته.

  39. وما أشكل فهمه من ذلك، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم، أنهم يقولون عند المتشابهات: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا?} [آل عمران:٧] .

  40. وما أمر به رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في متشابه الكتاب، أنه يرد إلى عالمه، والله يقول الحق ويهدي السبيل.