١٦٠-باب ما جاء في الثوم النئ والبصل والكراث
٨٤ فقرة، ج ٨ ص ٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ٨ ص ٥
وقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((من أكل الثوم والبصل، من الجوع أو غيره، فلا يقربن مسجدنا) ) .
-
خرّج فيه: عن ابن عمر، وجابر، وأنسٍ:
فاما حديث ابن عمر:
فقال:
٨٥٣ -
ج ٨ ص ٥ثنا مسددٌ: ثنا يحيى، عن عبيد الله: حدثني نافعٌ، عن ابن عمر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال – في غزوة خيبر -: ((من أكل من هذه الشجرة –يعني: الثوم – فلا يقربن مسجدنا) ) .
-
وخَّرجه مسلم، ولفظه: ((فلا يقربن المساجد) ) .
-
وهذا صريحٌ بعموم المساجد، والسياق يدل عليه؛ فإنه لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها.
-
وقد روي، أنه أتخذ بها مسجداً، والظاهر: أنه نصب احجاراً في مكان، فكان يصلي بالناس فيه، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم.
- ج ٨ ص ٦
يدل عليه: ما خَّرجه مسلمٌ من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: لم نعد أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تلك البقلة الثوم، والناس جياعٌ، فاكلنا منها أكلاً شديداً، فوجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الريح، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد) ) ، فقال الناس: حرمت، حرمت. فبلغ ذلك
النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: ((يأيها الناس، إنه ليس بي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرةٌ أكره ريحها) ) .
-
وخرّج الإمام أحمد من حديث معقل بن يسار، قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مسيرٍ له، فنزلنا في مكان كثير الثوم، وإن أناساً من المسلمين أصابوا منه، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنهاهم عنها، صم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى، فوجد ريحها
منهم، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا) ) .
-
وأما حديث جابرٍ، فمن طريقين:
- أحدهما:
- ج ٨ ص ٦
٨٥٤ - حدثنا عبد الله بن محمد: ثنا أبو عاصمٍ: أنا ابن جريجٍ: أخبرني عطاءٌ، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((من أكل من هذه الشجرة –يريد: الثوم – فلا يغشانا في مساجدنا) ) .
قلت: ما يعنى به؟ قال: ما أراه يعني إلا نيئه.
وقال مخلد بن يزيد، عن ابن جريجٍ: إلا نتنه.
- ج ٨ ص ٧
وهذه الرواية –أيضاً - صريحة بعموم المساجد، والمسئول والمجيب لعله عطاءٌ وفي أبي عاصم.
-
((نيئه) ) ، بالهمز، ويقال بالتشديد بدون همزة، والمراد به: ما ليس بمطبوخٍ، فإنه قد ورد في المطبوخ رخصةٌ، لزوال بعض ريحه بالطبخ.
-
وقد قال عمر –رضي الله عنه – في خطبته -: إنكم تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به وأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا.
-
خَّرجه مسلمٌ.
-
وخرّج أبو داود والنسائي من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: ((من أكلهما فلا يقربن مسجدنا) ) وقال: ((إن كنتم لابد آكلوهما، فاميتوهما طبخاً) ) .
قال: يعني: البصل والثوم.
-
وقال البخاري –فيما نقله عنه الترمذي في ((علله) ) -: حديثٌ حسنٌ.
-
وخرّج الطبراني معناه من حديث أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال فيه: ((فإن كنتم لابد آكلوهما فاقتلوهما بالنار قتلاً) ) .
- ج ٨ ص ٨
وخرّج أبو داود من حديث علي، قال: نهي عن أكل الثوم، إلا مطبوخاً.
-
خَّرجه الترمذي.
-
ثم خَّرجه - موقوفاً - عن علي، أنه كره أكله إلا مطبوخاً.
-
وخرّج ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأصحابه: ((لا تأكلوا البصل) ) ، ثم قال كلمة خفية: ((النئ) ) .
-
وأما رواية مخلد بن يزيد الحراني، عن ابن جريج، التي ذكرها البخاري –تعليقاً -، فمعناها: نتن ريحه، ولأجلها كره دخول المسجد لآكله.
-
وخرّج مسلم حديث جابر هذا من رواية يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، ولفظه: ((من أكل من هذه البقلة: الثوم) ) –وقال مرةٍ -: ((من أكل من البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم) ) .
-
وخرّج معناه من حديث أبي الزبير، عن جابر –أيضاً.
-
وخرّج مسلم –أيضاً - من حديث الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن
ج ٨ ص ٩مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم)) .
-
فدل هذا الحديث – مع الذي قبله – على أن علة المنع من قربان المسجد تأذى من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة.
-
وفي عامة هذه الأحاديث: تسمية الثوم شجرةً.
قال الخطابي: فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر، والعامة انما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون غيره.
-
وعند العرب: أن كل ما بقيت له أرومة في الأرض تخلف ما قطع فهو شجر، وما لا أرومة له فهو نجمٌ، فالقطن شجرٌ، يبقى في كثير من البلدان سنين، وكذلك الباذنجان، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر، فلو حلف رجل على شيء من الأشجار فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على له ذكرت، وفي العرف ما تعارفه الناس. انتهى.
-
وأما قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات:١٤٦] ، فلا يرد على ذكره؛ فإنها شجرة مقيدة بكونها من يقطين، وكلامه إنما هوَ في اطلاق اسم
الشجر.
-
وقد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول الخضروات ونحوهما: هل هو ملتحق بالشجر، أو بالزرع؟ وفيه وجهان، ينبني
ج ٨ ص ١٠عليهما مسائل متعددة، قد ذكرناها في ((كتاب القواعد في الفقه) ) .
- الطريق الثاني:
- ج ٨ ص ١٠
٨٥٥ - ثنا سعيد بن عفير: ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: زعم عطاء، أن جابر بن عبد الله زعم، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا – أو قال: فلعتزل مسجدنا -، وليقعد في بيته) ) .
-
وأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى بقدر فيه خضروات من بقول، فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: ((قربوها) ) –الي بعض أصحابه كان معه -، فلما رأه كره أكلها. قال: ((كل، فإني أناجي من لا تناجي) ) .
وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب: ((أُتي بِبَدرٍ) ) .
قال ابن وهب: يعني: طبقاً فيه خضرواتٌ.
-
ولم يذكر الليث وأبو صفوان، عن يونس قصةَ القدرِ، فلا أدري: هو من قول الزهري، أو في الحديث؟
قالَ الخطابي: قول ابن شهاب: ((زعم عطاء، أن جابراً زعمَ) ) ليس على معنى التهمة لهما، ولكن لما كان أمراً مختلفاً فيه حكىعنهم بالزعم، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب به، ويقال: في قولِ فلانٍ مزاعمٌ، إذا لميكن موثوقاً به.
-
وذكر: أن رواية ((القدر) ) تصحيفٌ، إنما الصواب ((ببدرٍ) ) وهو الطبق،
ج ٨ ص ١١كما قاله ابن وهب، وسمي بدراً لاستدارئه وحسن اتساقه، تشبيهاً بالقمر.
قال: وإن لم يكن ((القدر) ) تصحيفاً، فلعله كان مطبوخاً، ولذلك لم يكره أكله لأصحابه، ثم بين أن كراهته لا تبلغُ التحريمَ لقوله: ((أناجي من لا تناجي) ) ، يريد: الملك. انتهى.
-
وخرج ابن جرير الطبري بإسناد فيه ضعفٌ من حديث أبي أيوب الأنصاري، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال –لما امتنعَ من أكل الطعام الذي أرسله إليه -: ((إن فيها هذه البقلةَ: الثومَ، وأنا رجلٌ أقربُ الناسَ وأناجيهم، فأكره أن يجدُوا مني ريحهُ، ولكن مُر أهلكَ أن يأكلوها) ) .
-
وهذه الرواية: تدلُ على أنه كره أكلها لكثرةِ مخالطتهِ للناس وتعليمهم القرآن والعلمَ، فيستفاد من ذلك: أن من كان على هذه الصفة، فإنه يكره ذلك من ذلك ما لا يكره لمن لم يكن مثلَ حاله.
-
ولكن؛ روى مالكٌ، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، قالَ: كانَ
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه، مِن أجل أنه يكلم جبريل عليه السلام.
- ج ٨ ص ١٢
وهذا مرسلٌ.
-
ولا ينافي التعليلُ بمناجاتِ الملك التعليلَ بمناجاةِ بني آدم، كما وردً تعليلٌ النهي عن قربانِ أكل الثومِ للمساجد بالعلتين جميعاً، كما سبق ذكرُه.