١٦٠-باب ما جاء في الثوم النئ والبصل والكراث

٨٤ فقرة، ج ٨ ص ٥

الصفحة ٢ من ٣

  1. وقد ذكر البخاري: أن قصة إتيانه بقدرٍ أو بدرٍ لم يذكرها في هذا إلا ابن وهبٍ عن يونسَ، وأن الليث بن سعدٍ وأبا صفوان –وهو: عبدُ الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان –رويا عن يونس أول الحديث دون هذه القصةِ الآخرة، وأن ذلك يوجب التوقفَ في أن هذه القصةَ: هل هي من تمام حديثِ جابرٍ، أو مدرجةٌ من كلامِ الزهري؛ فإن الزهريَ كان كثيراً ما يروي الحديث، ثم يدرجُ فيه أشياءَ، بعضها مراسيلُ، وبعضها من رأيه وكلامه.

    ج ٨ ص ١٢
  2. وقد خرّج البخاري في ((الأطعمةِ) ) الحديث من رواية أبي صفوان، عن يونس، مقتصراً على أول الحديثِ.

  3. وخرّج البخاري في ((الأطعمةِ) ) الحديثَ عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، وفي حديثه: ((ببدر) ) ، وذكر مخالفة سعيد بن عفيرٍ له، وأنه قال: ((بقدرٍ) ) .

  4. وأما حديث أنسٍ:

    فقال:

    ٨٥٦ -

    ج ٨ ص ١٣حدثنا أبو معمرٍ: ثنا عبدُ الوارثِ، عن عبد العزيز، قال: سأل رجلٌ أنساً: ما سمعتَ نبيَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الثوم؟ فقال: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلين معنا) ) .

    ج ٨ ص ١٣
  5. وخَّرجه في موضع آخر، وقال: ((فلا يقرَبنَّ مسجدنا) ) .

  6. وفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس: دليلٌ على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها، ولكن حضوره مجامع الناسِ للصلاةِ والذكر ومجالسته لأهل العلمِ والدين أشد كراهةً من حضوره الأسواق ومجالسته الفساق.

  7. ولهذا في حديث جابر المتقدم: ((وليقعد في بيته) ) .

  8. وفي ((صحيح مسلمٍ) ) من حديث أبي سعيدٍ الخدريَ، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر على زراعة بصل هو وأصحابه، فنزلَ ناسٌ منهم، فأكلوا منه، ولم يأكل اخرون، فرحنا إليهِ، فدعا الذين لم يأكلوا البصلَ، وأخر الاخرينَ، حتى ذهب ريحها.

  9. وقد روي عن عمرَ، أنه قال: من أكل البصل والكراث فلا يأكله عند قراءة القرآن، ولا عند حضورِ المساجد.

    ج ٨ ص ١٤
  10. خرّجه عثمان الدارمي في ((كتاب الأطعمةِ) ) .

  11. ومن أغرب ما روي في هذا الباب: ما خَّرجه أبو داود وابن حبان في

    ((صحيحه) ) من حديث حذيفةَ –بالشكَّ في رفعه -: ((من أكل منهذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثاً) ) .

  12. وهذا مشكوك في رفعه.

  13. وقدرواه جماعةٌ من الثقات، فوقفوه على حذيفة بغير شك، وهو الأظهر والله أعلم.

  14. ويحتمل أن في الكلام حذفاً، تقديره: قالها ثلاثاً. يعني: أنه اعاد هذه الكلمة ثلاث مراتٍ.

  15. وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرمٍ في الجملة، وإنما ينهى من أكله عن دخولِ المسجدِ حتى يذهبَ ريحه، وعلى هذا جمهور العلماءِ.

  16. وذهب إلى تحريمِ أكله طائفةٌ قليلةٌ من أهل الظاهرِ. وروي عن بعض المتقدمين –أيضاً -، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ برد هذا الكلامِ.

  17. وأما كراهةٌ أكل ذلك، فمن العلماء من كره أكله نيئاً حتى يُطبخ، منهم: عمر وابن عمر والنخعي، وهو قول أحمد، وقال: الثوم أشدُّ.

    ج ٨ ص ١٥
  18. وروي عنه روايةٌ، أنه قال: لا أحب أكل الثوم خاصة، وإن طبخ، لأنه لا يذهب ريحه إذا طبخ، قال: وإن أكله من علةٍ فلا بأس، وقال: الذي يأكلها يتجنب المسجد، وكل ما له ريحٌ، مثلُ البصلِ والثومِ والكراثِ والفجلِ فإنما أكرهه لمكانِ الصلاةِ.

  19. وسئل عن أكل ذلك بالليلِ؟ فقال: أليس يتأذى به الملكُ.

  20. وظاهرُ هذا: يدل على كراهةِ أكل ما له ريحٌ كريهةٌ، وان كان وحده.

  21. وقد روي عن سعد بن أبي وقاصٍ، أنه كان إذا اراد أن ياكل الثوم بدا –يعني: خرج إلى البادية.

  22. وعن عكرمة، قال: كنا نأكله ونخرجُ من الكعبةِ.

  23. خَّرجه ابن جريرٍ الطبريُ.

  24. ولو أكله، ثم دخل المسجد كُره له ذلكَ.

  25. وظاهر كلامِ أحمد: أنه يحرمُ، فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد: إن أكل وحضر المسجدَ أثمَ.

  26. وهو قولَ ابن جرير – أيضاً - وأهل الظاهر وغيرهم.

    قال ابنُ جرير: وإذا وجد منه ريحةً في المسجد، فإن السلطان يتقدم اليه بالنهي عن معاودة ذلك، فإن خالف وعاد، أمر بإخراجه من البلد إلى أن تذهب منه الرائحة. واستدل بحديث عمر –رضي الله عنه -، وقد سبق

    ج ٨ ص ١٦ذكره.

  27. وقد استدل قومٌ من العلماء بأحاديث هذا الباب على أن حضور الجماعة في المساجد ليست فرضاً؛ لأنها لو كانت فرضاً لم يرخص في أكل الثوم وينهى من أكله عن حضور المسجد، وجعلوا أكل هذهِ البقولِ التي لها ريحٌ خبيثةٌ عذراً يبيح ترك الجماعةِ.

  28. ورد عليهم آخرون:
  29. قال الخطابي: قد توهم هذا بعضُ الناس؛ قال: وإنما هو – يعني: النهي عن دخول المسجد – توبيخٌ له وعقوبةٌ على فعله إذ حرم فضيلة الجماعةَ.

  30. ونقل ابن منصورٍ، عن إسحاق، قال: إن أكل الثوم من علةٍ حادثةٍ به فإن ذلك مباح، وان لم يكن علة لا يسعه أكله، لكي لا يترك الجماعةَ.

    وهذا مجمولٌ على ما إذا أكله بقربِ حضورٍ الصلاة ويعلم [ ... ] فريضة.

  31. ودخولُ المسجد مع بقاء ريح الثوم محرمٌ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا وابن جرير وغيرهم من العلماء.

  32. ويشهدُ لهذا: أن الخمر قبل أن تحرم بالكلية كانت محرمة عند حضور الصلاةِ، كيلا يمنع من الصلاةِ، حيث كان الله قد انزل فيها {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:٤٣] ، فكان منادي

    ج ٨ ص ١٧النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينادي: ((لا يقرب الصلاة سكرانٌ) ) . وفي ضمن ذلك، النهي عن السكر بقرب وقت الصلاة، ثم حرمت بعد ذلك على الإطلاق بالآية التي في سورة المائدة.

  33. وقد تقدم نص أحمد بإنه قال: أكرهه في وقت الصلاة، لمكانِ المسجدِ.

  34. وهذا يحتملُ كراهة التنزيه، وكراهة التحريم.

  35. وروى ابن وهب، عن مالك، أنه سئل عن أكل الثوم يوم الجمعة؟ فقال: بئسما صنع حين أكل الثوم وهو ممن يجب عليه حضورُ الجمعة.

  36. وقد ذكرنا: أن هذ الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحةٌ كريهةٌ، كالفجل وغيره، وأن أحمد نص عليه.

  37. وكذلك قال مالكٌ: الكراثُ كالثوم، إذا وجدت ريحهما يؤذي.

  38. وألحق أصحاب مالكٍ به: كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها، كالحراث والحوات.

  39. وفيه نظر، فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ، وصاحبه مخحتاج اليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة.

  40. وذكر ابن عبد البر عن بعض شيوخه، أنه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من اذاه لهم بلسانه ويده، لسفهه عليهم وإضراره بهم، وأنه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك، وهذا حسنٌ.

    ج ٨ ص ١٨