١٦١-باب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز، وصفوفهم

١٠٦ فقرة، ج ٨ ص ٢٠

الصفحة ٢ من ٣

  1. الحديث الثاني:

    ٨٥٨ -

    ج ٨ ص ٢٦ثنا علي بن عبد الله: ثنا سفيان: حدثني صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ) .

    ج ٨ ص ٢٦
  2. مراده بهذا الحديث هاهنا: الاستدلال به على أن الغسل الواجب لا يجب إلا على من بلغ الحلم، وهو المراد بالمحتلم في هذا الحديث، كما أن قوله: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمارٍ) ) ، إنما أراد به من بلغت

    ج ٨ ص ٢٧المحيض.

  3. وقد اختلف العلماء في معنى الوجوب في هذا الحديث: هل هو على ظاهره، أم المراد به التأكيد؟ وفيه خلاف يأتي في موضع آخر –إن شاء الله سبحانه وتعالى.

  4. فإن قيل: أنه علي ظاهره، وإنه يأثم بتركه، فإن هذا الوجوب يختص بالبالغ ولا يدخل فيه الصبي، اللهم، إلا على رأي من أوجب الصلاة على من بلغ عشراً من الصبيان، كما هو قول طائفةٍ من أصحابنا، فإنهم اختلفوا في وجوب الجمعة عليه، ولهم فيه وجهان، أصحهما: لا يجب.

  5. فإن قيل بوجوبها عليه توجه وجوب الغسل عليه – أيضاً -، وهو ضعيف لأنه مبطلٌ فائدة تخصيص الوجوب في هذا الحديث بالمحتلم.

    ج ٨ ص ٢٨
  6. وإن قيل: أن الوجوب في الحديث إنما أريد به تأكيد الاستحباب، فهل يدخل فيه الصبي؟

  7. لا يخلو الصبي، إما أن لا يريد حضور الجمعة، فلا يؤمر بالغسل لها، وإما أن يريد حضورها مع الرجال، ففي استحباب الغسل له وجهان لأصحابنا.

  8. وينبغي أن لا يتأكد الاستحباب في حقه كتاكيده على الرجال؛ لئلا تبطل فائدة تخصيص الوجوب بالمحتلم في الحديث.

  9. ومذهب مالك؛ أنه يغتسل إذا أراد شهود الجمعة.

  10. وأما وجوب الغسل على الصبي إذا وجد منه ما يوجب الغسل على البالغ، مثل أن يطأ ويولج في فرج امرأة، أو تكون الزوجة الموطأة صغيرةً لم تبلغ، فيطؤها الرجل، فهل يجب عليها وعلى الصبي الواطء - بغير إنزال – الغسل؟ فيه قولان مشهوران

  11. للفقهاء:
  12. أحدهما: يجب، وهو نص أحمد، واختيار ابن شاقلا وغيره من أصحابنا، وهو قول إسحاق بن راهويه.

    وقالت الشافعية: يصير بذلك جنباً، ويمنع مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل، ويلزم وليه أن لا يمكنه مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل.

  13. ولم يقولوا: أن غسله واجبٌ، لئلا يتوهم

    ج ٨ ص ٢٩أنه مكلف به.

  14. والثاني: لا يجب، بل يستحب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأبي ثور، وأصحابنا؛ لأن الغسل عبادة بدنية، فلا تلزم الصبي، كالصوم والصلاة.

    قال المحققون من أصحابنا: وهذا لا يصح؛ لأنه ليس المعني بوجوبه تأثيمه بتركه لينافيه الصغر، بل فائدته اشتراطه لصحة صلاته وطوافه، وتمكينه من مس المصحف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وإلزامه به إذا بلغ، وتغسيلنا له يشبه ما لو قتل شهيداً قبل أن يغتسل، وغير ذلك من الأحكام، والصغر لا ينافي ذلك، كما لم يناف إيجاب الوضوء عليه بموجباته بهذا المعنى –أيضاً.

  15. ولا نعلم خلافاً أن الصبي المميز تصح طهارته ويرتفع حدثه، ولو بلغ بعد أن توضأ لجاز أن يصلي بذلك الوضوء الفرض، ولا نعلم في ذلك خلافاً، إلا وجهاً شاذاً للشافعية، لا تعويل عليه.

  16. ولكن؛ هل يوصف وضوؤه قبل بلوغه بالوجوب؟ فيه لأصحابنا وجهان.

  17. وهذا الخلاف يشبه الخلاف في تسمية غسله واجباً، على ما سبق.

    ج ٨ ص ٣٠
  18. ويشبه تخريج هذا الخلاف في تسميته واجباً عليه بدون إرادة الصلاة، على الخلاف في أن الموجب للطهارة، هل هو الحدث، أو إرادة الصلاة؟ وفيه اختلافٌ مشهورٌ.

  19. ويمكن أخذه من اختلاف الروايتين عن أحمد في غسل الحائض للجنابة في حال حيضها.

  20. وأما أن الصبي ممنوعٌ من الصلاة بدون الطهارة، فمتفقٌ عليه.

  21. نعم؛ في جواز تمكين الصبي من مس لوحه الذي يكتب فيه القرآن روايتان عن أحمد، ومن أصحابنا من حكى الخلاف في مسهم لمصاحفهم.

  22. ووجه عدم اشتراطه: أن حاجتهم إلى ذلك داعيةٌ، ويشق منعهم منه بدون طهارة، لتكرره، ووضوؤهم لا يحتفظ غالباً.

  23. وهو - أيضاً – قول الحنفية، وأصح الوجهين للشافعية؛ لهذا المعنى.

  24. وهذا كله في حق الصبي المميز، فأما من لا تميز له فلا طهارة له ولا صلاة، ولو توضأ لم يؤثر استعماله في الماء شيئاً.

  25. وأما المميز إذا توضأ بالماء، فهل يصير مستعملاً؟ فيه لأصحابنا وجهان.

  26. ويحسن بناؤها على أن وضوءه: هل يوصف بالوجوب، أو بالاستحباب؟

  27. والأظهر: أنه يصير مستعملاً، لأنه قد رفع حدثه، وأزال منعه من

    ج ٨ ص ٣١الصلاة.

  28. وهو – أيضاً – أصح الوجهين للشافعية.

  29. والثاني لهم: ليس بمستعمل، لأنه لم يؤدَّ به فرضاً.

    قالوا: والصحيح: أنه مستعمل؛ لأن المراد بفرض الطهارة ما لا تجوز الصلاة ونحوها إلا به، لا ما يأثم بتركه.

  30. الحديث الثالث:
  31. ٨٥٩ - حديث ابن عباس: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما كان في بعض الليل قام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتوضأ من شنَّ معلقٍ، وضوءا خفيفا، ثم قام يصلي، فقمت فتوضأت نحواً مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فحولني فجعلني عن يمينه، ثم صلى –وذكر الحديث.

    ج ٨ ص ٣١
  32. وقد تقدم في أوائل ((كتاب الوضوء) ) بهذا الاسناد والسياق الذي خرَّجه في هذا الباب.

  33. والمقصود منه هاهنا: أن ابن عباسٍ توضأ كما توضأ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قام إلى جانب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي معه، وأنه لما قام عن يساره ولم يكن موقفاً للمأموم حوله عن يمينه إلى موقف المأموم، فهذا يدل على صحة طهارة الصبي وصلاته، وإئتمامه بالإمام،

    ج ٨ ص ٣٢ومصافته للإمام، فإن ابن عباس كان إذ ذاك صبياً، كما سبق ذكره.

  34. وقد تقدم الكلام على انعقاد الجماعة بالصبي، وعلى أن من وقف مع صبي، فهل هو فذٌ، أم لا؟

  35. الحديث الرابع:

    ٨٦١ -

    ج ٨ ص ٣٢حديث ابن عباس: أقبلت راكباً على حمارٍ أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بالناس بمنىً إلى غير جدارٍ، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحدٌ.

  36. قد سبق هذا الحديث في ((باب: سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه) ) من طريق مالك، خرَّجه هناك عن عبد الله بن يوسف، عن مالكٍ، وخرَّجه هنا عن عبد الله بن مسلمة –هو: القعنبي -، عن مالكٍ.

  37. والمراد بتخريجه هاهنا: الاستدلال على صحة صلاة النبي، وأنه يدخل في صف الرجال ويقف معهم.

  38. وقد استدل بهذا مالكٌ على أن الأفضل أن يجعل في الصف بين كل رجلين صبياً؛ ليتعلم أدب الصلاة وخشوعها.

  39. وهو أحد الوجهين للشافعية.

  40. والثاني لهم: يقف الصبيان إذا كثروا صفاً خلف الرجال.