١٨-باب المشي إلى الجمعة
٨٦ فقرة، ج ٨ ص ١٩٠
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٨ ص ١٩٥
وهذا يدل على أن القبض عند شرط لانعقاد الصرف، فلا يتم العقد الا به، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا –أيضاً.
-
وأما ما ذكره عن عطاءٍ، أنه تحرم الصناعات حينئذ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع؛ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر الله والصلاة، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها، حتى الاكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك، وهذا قول الشافعية وغيرهم –أيضاً.
-
لكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان، فإن وقوعها بعد النداء نادر، بخلاف البيع، فإنه غالب، فلو لم يبطل لادى إلى الاشتغال عن الجمعة به، فتفوت الجمعة غالباً.
-
وأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك، وفيه نظرٌ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه.
-
وقد روي عن زيد بن أسلم، قال: لم يأمرهم الله أن يذروا شيئاً غيره، حرم البيع، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا.
-
وهذا ضعيف جدا؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي عن السعي، فيشاركه في المعنى كل شاغل.
-
وأستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة، وقال: قد أمر به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يخطب.
- ج ٨ ص ١٩٦
وهذا لا يصح؛ فإن الصدقة قربة وطاعة، وإذا وقعت في المسجد حيث لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها.
-
فإن الحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجهاً، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح، وهو ابن عقيل.
-
وعن أحمد روايةٍ: إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب، وهو زوال الشمس.
-
وقد سبق مثله عن الحسن، وعطاء، والضحاك، وهو - أيضاً - قول مسروق، ومسلم بن يسارٍ، والثوري، وإسحاق.
-
وقياس قولهم: إنه يجب السعي بالزوال، ويحرم حينئذ كل شاغلٍ يشغل عنه.
-
والجمهور: على أنه لا يحرم بدون النداء.
-
ثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه.
-
وفي ((صحيح الإسماعيلي) ) من حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خَّرج الإمام، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر.
-
وعن أحمد روايةٌ: أنه حرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول.
-
وهو قول مقاتل بن حيان، قال: وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس.
-
ونقله ابن منصورٍ، عن إسحاق بن راهويه –صريحاً.
-
وعن أحمد، أنه قال: أخاف أن يحرم البيع، وإن أذن قبل الوقت.
-
ومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية؛
- ج ٨ ص ١٩٧
لأنه صار نداءً مشروعاً مسنوناً سنة الخلفاء الراشدين.
قال أصحابنا: ولو اقتصر عليه اجزأ، وسقط فرض الأذان.
-
وعند أصحاب الشافعي: يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي
الإمام، إذا كان قاطعاً عن السعي، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم.
-
وهذا بعيد، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان؛ لزمانه ومكانه، فهو أولى بالتحريم.
- المسألة الرابعة:
-
حكى عن الزهري: أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة، فعليه أن يشهدها، وقد سبق ذكر ذلك عنه، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاءٍ: أن عليه شهودها، سمع الأذان أو لم يسمعه، وأن الجمهور على خلاف ذلك.
-
وهل للمسافر أن يبيع ويشتري بعد سماع النداء؟ فيهِ اختلاف بين أصحابنا، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر، كالمريض: هل لهُ أن يبيع بعد النداء، أم
لا؟ فيه روايتان عن أحمد.
-
وأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية، كالمرأة، فلها البيع والشراء بغير خلاف، وكذا العبد، إذا قلنا: لا يجب عليه الجمعة.
-
خَّرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
- ج ٨ ص ١٩٨
ثنا علي بن عبد الله: ثنا الوليد بن مسلمٍ: ثنا يزيد بن أبي مريم: ثنا عباية بن رفاعة، قال: أدركني أبو عبسٍ وأنا اذهب إلى الجمعة، فقال: سمعت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ((من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) ) .
-
((يزيد بن أبي مريم) ) ، هو: الأنصاري الشامي، وهو بالياء المثناة من تحت، وبالزاي.
-
وأما: بريد بن أبي مريم –بالباء الموحدة، والراء المهملة -، فبصري، لم يخرج له البخاري في ((صحيحه) ) شيئاً.
-
وخرّج الإسماعيلي في ((صحيحه) ) هذا الحديث بسياق تام، ولفظه: عن يزيد بن أبي مريم: بينما أنا رائحٌ إلى الجمعة إذ لحقني عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج
الأنصاري، وهو راكب وأنا ماشٍ، فقال: احتسب خطاك هذه في سبيل الله، فاني سمعت أبا عبس بن جبر الأنصاري يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار) ) .
-
وخرّجه الترمذي والنسائي –بمعناه.
-
ففي هذه الرواية أن هذه القصة جرت ليزيد مع عباية، وفي روايةٍ البخاري أنها جرت لعباية مع أبي عبس، وقد يكون كلاهما محفوظاً. والله أعلم.
- ج ٨ ص ١٩٩
وليس عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث ذكر المشي إلى الجمعة، إنما فيه فضل المشي في سبيل الله، فأدخل الرواي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل، وجعله شاملاً له
وللجهاد.
-
والأظهر في اطلاق سبيل الله: الجهاد، وقد يؤخذ بعموم اللفظ، كما أذن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن جعل بعيره في سبيل الله أن يحج عليه، وقال: ((الحج من سبيل الله) ) ، وقد ذكرناه في موضع آخر.
-
وقد كان كثير من السلف يختارون المشي إلى الجمعة، كما سبق من غير واحدٍ من الصحابة.
-
وقد روي عن عبد الله بن رواحة –رضي الله عنه -، أنه كان يبكر إلى الجمعة، ويخلع نعليه، ويمشي حافياً، ويقصر في مشيه.
-
خرّجه الأثرم بإسناد منقطع.
-
الحديث الثاني:
٩٠٨ -
ج ٨ ص ١٩٩حديث: أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاتموا) ) .