٨-باب الاستحاضة
١٥٢ فقرة، ج ٢ ص ٥١
الصفحة ١ من ٤
- ج ٢ ص ٥١
٣٠٦ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا رسول الله! إني لا أطهرُ؛ أفأدع الصلاة؟ ، فقالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما ذَلِكَ عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصَّلاة، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي) ) .
-
هذا الحديث خرجه البخاري في مواضع متعددة من ((كتاب الحيض) ) ، وفي بعضها: أنها قالت: ((إني أستحاض فلا أطهر) ) ، وفي بعضها: ((إذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلي) ) ، وفي بعضها: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضينَ فيها، ثُمَّ اغتسلي وصلي) ) .
-
وكل هذه الألفاظ من رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة.
-
وخرج - أيضاً - من رواية ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة - وعن
عمرة -، عن عائشة: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذَلِكَ، فأمرها أن تغتسل، فقالَ: ((هذا عرق) ) ، فكانت تغتسل لكل صلاة.
-
المستحاضة: هي من اختلط دم حيضها بدم غير الحيض، هوَ دم فاسد
ج ٢ ص ٥٢غير طبيعي، بل عارض لمرض، فدم الحيض هوَ دم جبلةٍ وطبيعةٍ، يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة، وسمي حيضاً لأنه يسيل، ويقال: حاض الوادي إذا سال.
-
وقد فرق النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين دم الحيض والاستحاضة بأن دم الاستحاضة عرق، وهذا يدل على أن دم الحيض ليس دم عرق؛ فإنه دم طبيعي، يرخيه الرحم فيخرج من قعره، ودم الاستحاضة يخرج من عرق ينفجر، [ومنه] الذي يسيل في أدنى الرحم دون قعره.
-
وفي ((سنن أبي داود) ) من حديث أسماء بنت عميس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قالَ: ((هذا من الشيطان) ) يعني: دم الاستحاضة.
-
وخرج النسائي من حديث عمرة، عن عائشة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ في المستحاضة: ((ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم) ) .
-
ومن حديث القاسم، عن عائشة: أن امرأة مستحاضة على عهد النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قيل لها: إنه عرق عاندٌ.
-
وفي حديثه حمنة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قالَ: ((إنما هوَ ركضةٌ من الشيطان) ) .
-
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي.
- ج ٢ ص ٥٣
وفي حديث عثمان بن سعد، عن ابن أبي مليكةَ، عن فاطمة بنت أبي حبيشٍ، عن عائشة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: ((إنما هوَ عرق انقطع، أو داءٌ عرض، أو ركضةٌ من الشيطان) ) .
-
وروى أبو عبيد في ((غريبه) ) : نا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أنه سئل عن المستحاضة؟ فقالَ: ذَلِكَ العاذل يغذو.
قالَ أبو عبيد: ((العاذل) ) : اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة.
-
وقوله: ((يغذو) ) - يعني: يسيل.
قالَ: ونا أبو النضر، عن شعبة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إنه عرق عاند، أو ركضة من الشيطان.
قالَ: وقوله: ((عاند) ) - يعني: أنه عندَ وبغي كالإنسان يعاند عن القصد فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته. والركضة: الدفعة.
-
وقد اختلف العلماء في تفسير الاستحاضة، على حسب اختلافهم في حد أكثر الحيض.
-
فمن قالَ: لهُ حد محدود، قالَ: المستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض، وهذا قول الأكثرين منهم.
-
وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في ذَلِكَ - فيما بعد -، ويأتي الكلام فيهِ في موضعه - إن شاء الله تعالى.
-
ومن قالَ: ليس لأكثره حد محدود، وإنما يرجع إلى عادة المرأة، فإنه يرى أن عادتها إذا زاد الدم عليها مدة طويلة كانَ ذَلِكَ استحاضة.
- ج ٢ ص ٥٤
وقد ذكر أبو داود في ((سننه) ) ، قالَ: روى يونس، عن الحسن في الحائض إذا مد بها الدم: تمسك بعد حيضها يوماً أو يومين، فهي مستحاضة.
وقال التيمي، عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل.
قالَ التيمي: فجعلت أُنقص حتى بلغت يومين، فقالَ: إذا كانَ يومين فهوَ من حيضها.
-
وسئل عنه ابن سيرين، فقالَ: النساء أعلم بذلك.
-
وقد ذكر البخاري قول ابن سيرين هذا فيما بعد تعليقاً، ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.
-
روى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هوَ: ابن راهويه -: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن، في امرأة كانَ أقراؤها سبعة أيام قبل أن تتزوج، فلما تزوجت ارتفعت إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر؟ قالَ: تنظر تلك الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تتزوج، فإذا مضت اغتسلت كل يوم عندَ صلاة الظهر إلى مثلها، وتوضأت عندَ كل صلاة، وتتنظف، وتصلي.
قالَ: ونا إسحاق: نا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قالَ: قلت لمحمد ابن سيرين: المرأة تحيض فتزيد على ذَلِكَ خمسة أيام؟ قالَ: تصلي، قلت: يومين؟ قالَ: ذَلِكَ من حيضتها.
-
وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، في المرأة تمكث في حيضها سبعة
ج ٢ ص ٥٥أيام ثم ترى بعد السبعة دماً؟ قالَ: إن شاءت استظهرت بيوم، ثم تغتسل وتصلي.
-
ومذهب أحمد وأصحابه: أن الحائض إذا كانَ لها عادةٌ مستمرة فإنها تجلس أيام عادتها.
-
وهل تثبت عنده العادة بمرتين، أو ثلاث مرار؟ على روايتين عنه.
-
فإن لم يكن لها عادة، مثل أن تكون مبتدأةً، فإنها لا تزيد على أن تقعد أقل الحيض عنده، وهو يوم وليلة، ثم تغتسل وتصلي حتى تثبت لها عادة بمرتين أو ثلاث فتنتقل إليها. هذا هوَ الصحيح عنده.
-
وكذلك إذا كانت معتادة، فزادت عادتها، فإنها تغتسل عندَ انقضاء عادتها وتصلي، فإن انقطع لأكثر الحيض فما دونه على قدر واحد مرتين أو ثلاثاً -، على اختلاف الروايتين عنه - صار عادة بائنة منتقلة، وانتقلت إليه.
-
وتمسك لذلك بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المستحاضة بأن تدع الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيها، وهذا رد إلى العادة المعتادة المستمرة.
-
وأما مذهب مالك فيمن لها عادة فزادت عليها، فعنه فيها روايتان:
إحداهما: تجلس ما تراه من أول مرة؛ ما لم يزد على أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يوماً.
-
والثانية: أنها تستطهر على عادتها بثلاثة أيام، ما لم تجاوز خمسة عشر يوماً، تغتسل وتصلي، وهي التي رجع إليها مالك، وعليها المصريون من أصحابه، وهي قول الليث بن سعد.
-
وإذا استحيضت هذه فإنها تستطهر على أكثر أيام عادتها ما لم تجاوز خمسة عشر - أيضاً -، وفيه عنه خلاف
ج ٢ ص ٥٦يأتي ذكره فيما بعد.
-
ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض، سواء اتفقت عادتها، أو اختلفت، ولا عبرة بالعادة فيما يمكن أن يكون
حيضاً.
-
وأما قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) ) - وفي رواية: ((فإذا أدبرت) ) . فقد اختلف العلماء في تأويله:
فتأوله الأكثرون، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزاً، بعضه أسود وبعضه غير ذَلِكَ، فردها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذَلِكَ الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء دم غيره فإنها تغتسل وتصلي.
-
وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى من طريق محمد بن أبي عدي، عن محمد بن عمرو عن علقمة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض، فقالَ لها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا كانَ دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كانَ ذَلِكَ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كانَ الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هوَ عرق) ) .
-
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما) ) والحاكم.
وقال: صحيح على شرط مسلم.
-
وقال
ج ٢ ص ٥٧الدارقطني: رواته كلهم ثقات.
-
وقد تكلم فيهِ آخرون:
قالَ النسائي: روى هذا الحديث غير واحد، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن عدي.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقالَ: لم يتابع محمد ابن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر.
-
وأيضاً؛ فقد اختلف على ابن أبي عدي في إسناده، فقيل: عنه كما ذكرنا. وقيل عنه في إسناده: عن عروة، عن عائشة.
-
وقيل: إن روايته عن عروة، عن فاطمة أصح؛ لأنها في كتابه كذلك.
-
وقد اختلف في سماع عروة من فاطمة.