٨-باب الاستحاضة

١٥٢ فقرة، ج ٢ ص ٥١

الصفحة ٣ من ٤

  1. وحكي عنه رواية: أنها تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل وتصلي. ورواية ثالثة: أنها تجلس عادة نسائها وأقاربها، ثم تغتسل وتصلي.

    ج ٢ ص ٦٢
  2. وأما المبتدأة إذا استحيضت، فإذا كانت مميزة، فإنها تُرد إلى تمييزها عندَ الشافعي وأحمد وإسحاق.

  3. وإن لم يكن لها تمييز، فعن أحمد فيها أربع روايات: إحداهن: تجلس أقل

    الحيض. والثانية: أكثره. والثالثة: غالبه، وهو ست أو سبع. والرابعة: عادة

    نسائها.

  4. وللشافعي قولان: أحدهما: تجلس أقله، والثاني: غالبه.

    وقال أبو حنيفة: تجلس أكثر الحيض، بخلاف قوله في الناسية.

  5. وعن مالك روايات: إحداهن: تجلس أكثر الحيض. والثانية: تجلس عادة لداتها وأقرانها. والثالثة: تجلس عادتهن وتستطهر بعدها بثلاث.

  6. وحكي عنه رواية أخرى: أنها لا تجلس شيئاً أصلاً.

  7. هذا في أول شهر، فأما ما بعده فلا تجلس فيهِ أصلاً، بل تغتسل وتصلي أبداً، إذا لم يكن لها التمييز.

    ج ٢ ص ٦٣وقال عطاء والأوزاعي والثوري - في المشهور عنه -: تجلس عادة نسائها

    وأقاربها، فإن لم يكن لها أقارب جلست غالب حيض النساء: ستاً أو سبعاً.

  8. وقد ورد حديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رد المستحاضة إلى غالب حيض الحُيض: من رواية حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استفتيه - فذكرت الحديث، إلى أن قالت - قالَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما ذَلِكَ من الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله - عز وجل -، ثم اغتسلي) ) - وذكر الحديث.

  9. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

  10. وفي رواية لأبي داود: ((وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، وكما يطهرن) ) .

    وقال الترمذي: حسن صحيح. قالَ: وسألت محمداً - يعني: البخاري -

    عنه، فقالَ: هوَ حديث حسن، وكذا قالَ أحمد بن حنبل: هوَ حسن صحيح -:

    ج ٢ ص ٦٤هذا ما ذكره الترمذي.

  11. ونقل حرب، عن أحمد، [أنه] قالَ: نذهب إليه، ما أحسنه من حديث.

  12. واحتج به إسحاق وأبو عبيد، وأخذا به.

  13. وضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن منْده، ونقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل؛ فإنه تفرد بروايته.

  14. والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به، وقال: ليس بشيء. وقال - مرة -: ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسناداً. وقال - مرة -: في نفسي منه شيء.

  15. ولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به. والله أعلم.

  16. وقد اختلف الناس في حمنة: هل كانت مبتدأة، أو كانت معتادة ناسية لعادتها، أو معتادةً ذاكرةً لعادتها؟

    ج ٢ ص ٦٥
  17. فمنهم من قالَ: كانت مبتدأةً، ورجحه الخطابي وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم، وضعفه الإمام أحمد بأن حمنة كانت امرأةً كبيرة، لم تكن صغيرة.

  18. ومنهم من قالَ: كانت ناسيةً لعادتها ولا تمييز لها، وعلى هذا حمله الإمام أحمد على رواية أخذه بالحديث، وأصحابه الذين أخذوا به كأبي بكر الخلال وصاحبه أبي بكر ابن جعفر.

  19. ومنهم: من حمله على أنها كانت معتادةً عالمة بالعادة، وهو اختيار الشافعي في ((الأم) ) .

  20. واختلف أصحابه نعلى هذا: كيف ردها إلى ست أو سبع؟

  21. فمنهم من قالَ: إنما ردها إلى ما تذكره من عادتها من الست أو السبع.

  22. ومنهم من قالَ: كانت عادتها في الشهور مختلفة، ففي بعضها كانت تحيض

    ستاً، وفي بعضها سبعاً، فردها إلى عادتها في ذَلِكَ.

  23. وقد حمل طائفة من أصحابنا حديث حمنة على مثل ذَلِكَ، بناءً على أن المبتدأةً والناسية لا تجلسان أكثر من أقل الحيض، ولكن المنصوص عن

    ج ٢ ص ٦٦أحمد - وهو قول أبي بكر وغيره -: إنا لا نقول: إن الناسية تجلس أقل الحيض إلا لتضعيفنا إسناد حديث حمنة، لا لتأويله.

  24. وممن رجح تأويله ابن أبي موسى في ((شرح الخرقي) ) ، وقال: نحمله على أن الست كانت عادتها، وشكت في اليوم السابع، فردها إلى عادتها المتيقنة، وردها في اليوم المشكوك فيهِ إلى التحري فيهِ والاجتهاد.

  25. وأما قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((فإذا أدبرت) ) ، أو ((فإذا ذهب قدرها - فاغسلي عنك الدم وصلي) ) . وفي رواية أخرى: ((فاغتسلي وصلي) ) ,، فإنه يجمع بين الروايتين ويؤخذ بهما في وجوب غسل الدم والاغتسال عندَ ذهاب الحيض.

  26. وقد جاء ذَلِكَ مصرحاً به في رواية خرجها النسائي من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس من [بني] أسد قريش، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قالَ لها: ((اغتسلي، واغسلي عنك الدم، وصلي) ) .

    قالَ الطبراني: فاطمة بنت قيس هذه هي بنت أبي

    ج ٢ ص ٦٧حبيش، واسمه: قيس. قالَ: وليست فاطمة بنت قيس الفهرية التي روت قصة طلاقها.

  27. وقال الدارقطني في ((علله) ) . وهم الأوزاعي في قوله: ((بنت قيس) ) ، إنما هي بنت أبي حبيش.

  28. وكذلك رواه أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ لفاطمة: ((فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي) ) .

  29. ورواه حماد بن سلمة، عن هشام، وقال فيهِ: ((فاغسلي عنك الدم، وتطهري، وصلي) ) .

  30. والغسل عندَ انقضاء حيض المستحاضة المحكوم به لا بد منه، كما لو طهرت من الحيض.

  31. وقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة: ((اغسلي عنك الدم وصلي) ) ، وقال: لا غُسل عليها، إنما عليها أن تغسل الدم وتصلي.

  32. وقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد، ولم يسم من قاله. فإنكره

    ج ٢ ص ٦٨الإمام أحمد، وقال: الغسل لا بد منه.

  33. وفسر سفيان الثوري قوله: ((اغسلي عنك الدم) ) : أنها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنه حيضها، ثم رأت دماً، فإنها تغسل الدم [وتصلي] ؛ فإنه دم استحاضة لا يمنع الصلاة ,، وإنما تغسله وتتحفظ منه فقط.

  34. ففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب. والمراد به: التلجم بالثوب والتحفظ به.

  35. وقد اختلف العلماء: هل يجب الغسل عليها لكل صلاة؟ على قولين، وأكثر العلماء: على أن ذَلِكَ ليس بواجب. وربما تذكر المسألة مستوفاةً فيما بعد - إن شاء الله تعالى.

  36. وكذلك اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، هما روايتان عن أحمد.

  37. وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أن الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور.

  38. لكن الأصح هنا: أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإن الأمر الاغتسال، وغسل الدم إنما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عندَ إدبار كل حيضة فقط.

  39. وقوله: ((وصلي) ) أمر بالصلاة بعد إدبار الحيضة حيث نهاها عن

    ج ٢ ص ٦٩الصلاة في وقت إقبالها، والأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كانَ عليهِ، عندَ كثير من الفقهاء: وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض، فكذلك بعدها.

  40. وأما على قول من يقول: لا يقتضي غير الإباحة، فقد يقال: إن هذا الأمر اقتضى إطلاق الصلاة والإذن فيها بعد حظرها، فصارت الصلاة مباحة بعد حظرها، فإن كانت نافلة فهي غير محظورة، وإن كانت مفروضة اكتفي في الاستدلال على فرضيتها بالأدلة العامة الدالة على افتراض الصلاة على كل مسلم.