١٦-باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض

٦٠ فقرة، ج ٢ ص ١٠٣

الصفحة ١ من ٢

  1. خرج فيهِ:
  2. ٣١٧ - حديث: هشام، عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة - فذكرت الحديث.

    ج ٢ ص ١٠٣
  3. وفيه:
  4. وكنت أنا ممن أهل بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي

    - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالَ: ((دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهل بحج) ) ففعلت - وذكرت بقية الحديث.

  5. [هَذا الحديث] قَد استنبط البخاري - رحمه الله - منهُ حكمين، عقد لهما بابين:

    أحدهما: امتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض.

  6. والثاني: نقضها شعرها عند غسلها مِن المحيض.

  7. وهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد مِن الأمرين؛ فإن غسل عائشة الذِي أمرها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهِ لَم يكن مِن الحيض، بل كانت مِن حائضاً، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل.

    ج ٢ ص ١٠٤
  8. وقد ذكر ابن ماجه في ((كتابه) ) : ((باب: الحائض كيف تغتسل) ) ، ثُمَّ قالَ: حدثنا أبو بكر بنِ أبي شيبة وعلي بنِ محمد، قالا: ثنا وكيع، عَن هشام ابن عروة، عَن أبيه، عَن عائشة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ لها - وكانت حائضاً -: ((انقضي شعرك

    واغتسلي)) .

    قالَ علي في حديثه: ((انقضي رأسك) ) .

  9. وهذا - أيضاً - يوهم أنَّهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها مِن الحيض، وهذا مختصر مِن حديث عائشة الذِي خرجه البخاري.

  10. وقد ذكر هَذا الحديث المختصر للإمام أحمد، عن وكيع، فأنكره. قيل لَهُ: كأنه اختصره مِن حديث الحج؟ قالَ: ويحل لَهُ أن يختصر؟ ! -: نقله

    ج ٢ ص ١٠٥عَنهُ المروذي.

  11. ونقل عَنهُ إسحاق بن هانئ، أنَّهُ قالَ: هَذا باطل.

    قَالَ أبو بكر الخلال: إ نما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى، لا أصل اختصار الحديث ٠قَالَ: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى -: هذا معنى ما قاله الخلال.

  12. وقد تبين برواية ابن ماجه أن الطنافسي رواه عن وكيع، كما رواه ابن أبي شيبة عنه، ورواه –أيضا - إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ((كتاب الطهور) ) له عن وكيع –أيضا -، فلعل وكيعا اختصره. والله أعلم.

  13. وقد يحمل مراد البخاري – رحمه الله – على وجه صحيح، وهو أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للاحرام: لأن غَسَلَ الإحرام لايتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفا س يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر.

  14. وقد تكلم بعض العلماء في لفظة: ((أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عائشة بنقص رأسها وامتشاطها) ) ، وقالوا: هي وهم من هشام، وكذلك قالوا في روايته: أن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لها: ((دعي العمرة) ) .

  15. ولكن؛ قد: رواهما – أيضا -، الزهري، عن عروة.

  16. ولهشام في هذا الحديث وهم آخر، وهو أنه قَالَ: ((ولم يكن هدي ولا

    ج ٢ ص ١٠٦صيام ولا صدقة)) ، وقد ثبت عن عائشة أن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذبح عن نسائه البقر، فإنها إن كانت قد صارت قارنة فالقارن عليهِ هدي، وإن كانت قد رفضت عمرتها لزمها دم لذلك، عندَ من يقول به.

  17. وفي ((صحيح مسلم) ) عن جابر، أن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر عائشة أن تغتسل وتهل

    بالحج.

  18. ولم يذكر نقض الشعر ولا تسريحه، فإن عائشة كانت محرمة بعمرة كما رواه عروة عنها، وإن كانَ القاسم قد روى عنها أنها كانت محرمة بحجة، إلا أن رواية عروة أصح، كذا قاله الإمام أحمد وغيره.

  19. وقد قيل: إنها أحرمت من الميقات بحجة، ثُمَّ فسخت ذَلكَ إلى عمرة لما أمروا بالفسخ، ثُمَّ حاضت بعد ذَلكَ قبل دخول مكة.

  20. وفي هذا نظر؛ فإنه روي مايدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات، والحائض إذا كانت محرمة بعمرة، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفة، وخشيت فوات إداك الحج فإنها تحرم بالحج مع العمرة، وتبقى قارنة عندَ أكثر العلماء، كمالك والشافعي، وأحمد، ويكفيها عندهم طوا ف واحد وسعي واحد لما بعد التعريف للحج والعمرة.

  21. وقد روى ذَلكَ جابر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في قصة عائشة صريحا.

  22. خرجه مسلم ٠ وتأولوا قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة: ((دعي عمرتك) ) على أنه أراد: اتركيها

    ج ٢ ص ١٠٧بحالها، وأدخلي عليها إحرام الحج.

    وقال أحمد: من رواه ((انقضي عمرتك) ) فقد أخطأ، ورواه بالمعنى الذي

    فهمه.

    وقال أبو حنيفة والكوفيون: ترفض العمرة، ثُمَّ تحرم بالحج، ثُمَّ تقضي العمرة بعد الحج، وتأولوا حديث عائشة على ذَلكَ.

    وقالت طائفة: إنما أمرها أن تنقض رأسها وتمتشط؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حل لهُ كل شيء إلا النساء، كالحاج إذا رمى الجمرة.

  23. وقد روي هذا عن عائشة، ولعلها أخذته من روايتها هذه، وهو قول عائشة بنت طلحة، وعطاء.

  24. وقد أخذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميموني عنه، وهي رواية غريبة عنه.

  25. ووهم الخطابي في هذا الحديث حيث قَالَ: أشبه الأمور: ماذهب إليه أحمد بن حنبل: وهو أنه فسخ عليها عمرتها؛ لأن مذهبه أن فسخ الحج عام غير خاص.

  26. وهذا وهم على أحمد؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل أن يقف بعرفة، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فوات الحج، وتأولوا حديث عائشة عليهِ.

  27. والعجب ممن جوز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل، ومنع من فسخ الحج إلى العمرة، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل؛ بمجرد دعوى النسخ أو الاختصاص، ولم يثبت حديث

    ج ٢ ص ١٠٨واحد يدل على شيء من ذَلكَ، وسيأتي القول في هذا مستوفى في موضعه من ((الحج) ) - إن شاء الله تعالى.

  28. فإن المقصود هنا: هو نقض الشعر وتسريحه عند الغسل من الحيض، وممن أمر به في الحيض دون الجنابة: طاوس والحسن، وهو قول وكيع وأحمد.

  29. واختلف أصحابنا: هل ذَلكَ واجب، أو مستحب؟ على وجهين، وظاهر كلام الخرقي وجوبه.

  30. وقد ورد حديث صريح بالنقض في غَسَلَ الحيض دون الجنابة من رواية سلمة بن صبيح، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها، وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت رأسها الماء وعصرته) ) .

  31. خرجه الطبراني، وأبو عبد الله مجمد بن عبد الواحد المقدسي في ((صحيحه) ) المسمى ((بالمختارة) ) .

  32. وخرجه الدارقطني في ((الأفراد) )

  33. وعنده: ((مسلم بن صبيح) ) ، وقال: تفرد به عن حماد.

    ج ٢ ص ١٠٩
  34. وكذا ذكره أبو بكر الخطيب، وقال: هو مسلم بن صبيح، بصري يكنى أبا عثمان، وكذا ذكره ابن ماكولا وغيره، ومع هذا فليس بالمشهور.

  35. وأما مانقله مهنا عن أحمد، أن المرأة لاتنقض شعرها من الجنابة، بل تفيض عليه الماء؛ لحديث أم سلمة، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والحائض تنقضه.

    قَالَ مهنا: قلت لهُ: كيف تنقضه من الحيضة ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال: حديث أسماء، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((تنقضه) ) .

    قلت: من أسماء؟ قَالَ: أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -.

  36. فهذا لعله وهم من مهنا، أو ممن روى عنه، ولا يعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديث بالكلية، إنما حديثها في غَسَلَ دم الحيض من الثوب، وقد تقدم.

  37. ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن غَسَلَ الحيض، وليس فيه أنه أمرها بالنقص، بل أمرها بدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها، ولم يأمرها بنقضه.

  38. وفي الحديث: أنها سألته عن غَسَلَ الجنابة، فأمرها بمثل ذَلكَ، غير أنه لم يقل: ((دلكا شديدا) ) .

  39. وقد خرجه مسلم، كما تقدم.

  40. وأسماء هذه، وقع في ((صحيح

    ج ٢ ص ١١٠مسلم)) أنها: ((بنت شكل) ) ، وذكر أبو بكر الخطيب أنها أسماء بنت يزيد بن السكن، وخرج الحديث من رواية يوسف القاضي، من طريق شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر بالإسناد الذي خرجه مسلم، وفيه: أن أسماء بنت يزيد سألت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن غَسَلَ الحيض – فذكره.