من الدين الفرار من الفتن
٣١١ فقرة، ج ١ ص ١٠٥
الصفحة ٥ من ٨
- ج ١ ص ١٦٣
وأما من أحسن عمله وأتقنه وعمله على الحضور والمراقبة، فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك العمل بعينه على وجه السهو والغفلة. ولهذا روي في حديث عمار المرفوع: " إن الرجل ينصرف من صلاته وما كتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى بلغ العشر (٢) ؛ فليس ثواب من كتب له عشر عمله كثواب من كتب له نصف ولا ثواب من كتب له نصف عمله كثواب من كتب له عمله كله، والله أعلم
- ٣٢ - فصل (١)
- خرج البخاري ومسلم (٢) من حديث:
- ج ١ ص ١٦٤
٤٣ - عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها وعندها امرأة فقال: " من هذه " فقالت (١) : فلانة – تذكر من صلاتها – فقال (٢) : " مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا " . وكان أحب الدين إليه: مادام عليه صاحبه.
-
وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها: الحولاء بنت تويت (٣) (٢٠٣ – أ / ف) وأن عائشة قالت عنها: زعموا أنها لا تنام الليل " (٤) . وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مه " زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل وأمر لها بالكف عما قالته في حقها؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها؛ حيث كانت المرأة حاضرة، ويحتمل – وهو الأظهر وعليه يدل سياق الحديث – أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف
ج ١ ص ١٦٥للشرع ينهى عن ذكره على وجه التمدح به والثناء به على فاعله، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الدين يسر " (١) .
-
فإن المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل. وقد روي ذلك في حديث آخر. وكذلك كان حال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عمله ديمة، وكان إذا عمل عملا أثبته. وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه، كما قال لعبد الله بن عمرو " لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل " (٢) . وقوله " إن الله لا يمل حتى تملوا " (٣) . وفي رواية: " لا يسأم حتى تسأموا " (٤) . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم.
-
كما قال الحسن: إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء فتقول له الملائكة: ما شأنك يا فلان؟ فيقول: إن
ج ١ ص ١٦٦صاحبي فتر، قال الحسن: أمدوهم – رحمكم الله – بالنفقة. وأيضا – فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه.
-
وقد صح هذا المعنى في الدعاء وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، فيدع الدعاء، فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب وإن قطعه واستحسر منع إجابته وسمي هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته، كما قال تعالى {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له. هذا أظهر ماقيل في هذا. ويشهد له: أنه قد روي من حديث عائشة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل " . خرجه بقي بن مخلد؛ وفي إسناده: موسى بن عبيدة. وقد قيل: إن " حتى " هاهنا بمعنى واو العطف؛ ولكن لا يصح دعوى كون " حتى " عاطفة؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل، هذا هو المعروف عند النحويين، وخالف فيه بعضهم. وقيل: إن " حتى " فيه بمعنى " حين " ، وهذا غير معروف. وزعم ابن قتيبة أن المعنى: " لا يمل إذا مللتم " ، وزعم أن هذا
ج ١ ص ١٦٧الاستعمال معروف في كلام العرب، وقد يقال: إن " حتى " بمعنى لام التعليل، وأن المراد أن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل. وفيه بعد – أيضا. ولو كان كذلك لقال: حتى لا تملوا، ويكون التعليل – حينئذ – بإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا (٢٠٣ – ب / ف) لمدوامتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم.
-
وقد يقال: إنما يدل هذا الكلام عل نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية. ومن يقول: إنه لا مفهوم لها فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية. ومن يقول ذلك بالمفهوم فإنه يقول: متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام. وقد دلت الأدلة عل انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى، ومن جملة ذلك: لحوق السآمة والملل له.
-
ولكن بعض (١) أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق؛ بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما يعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره. فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
- ج ١ ص ١٦٨
فصل (١)
قال البخاري:
ج ١ ص ١٦٨٣٣ - باب
زيادة الإيمان ونقصانه. وقول الله تعالى {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: ١٣] ، {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: ٣١] وقال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: ٣] فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص.
-
استدل البخاري على زيادة الإيمان ونقصانه بقول الله عز وجل {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} وفي زيادة الهدى إيمان آخر كقوله تعالى {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: ٧٦] ، ويفسر هذا الهدى بما في القلوب من الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك.
-
ويفسر بزيادة ما يترتب على ذلك من الأعمال الصالحة، إما القائمة بالقلوب كالخشية لله ومحبته ورجائه والرضا بقضائه والتوكل عليه ونحو ذلك، أو المفعولة بالجوارح كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، وكل ذلك داخل في مسمى الإيمان عند السلف وأهل الحديث ومن وافقهم - كما سبق ذكره.
-
واستدل - أيضا - بقوله تعالى {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: ٣١]
- ج ١ ص ١٦٩
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: ٢] وقوله {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: ١٢٤] . ويفسر الإيمان في هذه الآيات بمثل ما فسر به الهدى في الآيات المتقدمة. واستدل – أيضا – بقول الله عز وجل { {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: ٣] فدل على أن الدين ذو أجزاء يكمل بكمالها وينقص بفوات بعضها، وهذه الآية نزلت في آخر حياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع، وقد قيل: إنه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام – كما قال السدي (١) وغيره
وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: بعث الله نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل الله لهم دينهم فقال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} (٢) [المائدة: ٣] .
-
ومعلوم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه لم يحجوا حجة الفرض إلا ذلك العام، فلما حجوا حجة الإسلام كمل لهم الدين بتكميلهم أركان
ج ١ ص ١٧٠الإسلام – حينئذ – ولم يكن الدين قبل ذلك ناقصا كنقص من ترك شيئا من واجبات دينه؛ بل كان الدين في كل زمان كاملا بالنسبة إلى ذلك الزمان بما فيه من الشرائع والأحكام ما لم يكن قبل ذلك، كما يقال: إن شريعة الإسلام أكمل من شريعة موسى وعيسى، وإن القرآن أكمل من التوراة (٢٠٤ – أ / ف) والإنجيل، وهذا كما سمى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء ناقصات دين وفسر نقصان دينهن بترك الصلاة والصيام في زمن حيضهن مع أنها قائمة في تلك الحال بما وجب عليها من غير الصلاة؛ ولكن نقصان دينها بالنسبة إلى من هي طاهرة تصلي وتصوم. وهذا مبني على أن الدين هو الإسلام بكماله – كما تقدم ذكره – والبخاري عنده أن الإسلام والإيمان واحد – كما تقدم ذكره.
-
وقد احتج سفيان بن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بهذه الآية على تفاضل الإيمان (١) ، قال أبو عبيد: قد أخبر الله أنه أكمل الدين في حجة الوداع في آخر الإسلام، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة في أول نزول الوحي، قال: وقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال: الإيمان ليس هو مجموع الدين؛ ولكن الدين ثلاثة أجزاء، فالإيمان جزء، والفرائض جزء، والنوافل جزء. قال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به الكتاب؛ فإن الله أخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين. انتهى.
-
فالمرجئة عندنهم: الإيمان: التصديق، ولا يدخل فيه الأعمال، وأما
ج ١ ص ١٧١الدين: فأكثرهم أدخل الأعمال في مسماه، وبعضهم خالف في ذلك – أيضا -، والآية نص في رد ذلك، والله أعلم.
-
ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين: أحدهما: حديث:
ج ١ ص ١٧١٤٤ - هشام الدستوائي: ثنا قتادة، عن أنس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه (١) وزن برة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " .
-
خرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام به، ثم قال: قال أبان: ثنا قتادة: ثنا أنس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " من إيمان " مكان " خير " (٢) ففي هذه الرواية التي ذكرها تعليقا صريحا بتفاوت الإيمان الذي في القلوب – وأيضا – فيها التصريح بسماع قتادة له من أنس، فزال ما كان يتوهم من تدليس قتادة. وقد خرج البخاري هذه اللفظة في حديث أنس في أواخر كتابه مسنده من رواية معبد بن هلال العنزي، عن أنس (٣) . وخرج حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا المعنى – فبما تقدم من كتابه (٤) – باختلاف لفظ الخير والإيمان كاختلاف حديث أنس.
- ج ١ ص ١٧٢
والحديث نص في تفاوت الإيمان الذي في القلوب، وقد سبق القول في تفاوت المعرفة وتفاضلها – فيما تقدم (١) .
- الحديث الثاني الذي خرجه في هذا الباب: حديث:
- ج ١ ص ١٧٢
٤٥ - طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣] ، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نزلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو واقف بعرفة يوم الجمعة.
-
وقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١) من وجه آخر عن عمر، وزاد فيه أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
-
وخرج الترمذي، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة (٢) . (٢٠٤ – ب / ف)
-
فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا؛ إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لما تضمنت
ج ١ ص ١٧٣إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين:
أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة.
-
والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: أنه يوم الحج الأكبر.
-
وقد جاء تسمية عيدا من حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب " (١) .
-
وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم. هذا قول جمهور العلماء.
وقال عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها. وقول الجمهور أصح.
- ج ١ ص ١٧٤
ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا استدلالا بصيام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاشوراء لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا، وبقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: " ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه " (١) .
-
فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يتجاوز بها شرعه الله لرسوله وشرعه الرسول لأمته. والأعياد: هي مواسم الفرح والسرور؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته، كما قال تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: ٥٨] فشرع لهم عيدين في سنة وعيدا في كل أسبوع، فأما عيدا السنة:
فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد (٢) شكرا لذلك.
-
والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه، فجعل الله عقب ذلك عيدا؛ بل هو العيد الأكبر، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه
ج ١ ص ١٧٥تفثهم ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة، لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، بخلاف الصيام ويكون شكر (١) عند أهل الأمصار: الصلاة والنحر، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر؛ ولهذا أمر الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم.
-
وأما (٢٠٥ ٠ أ / ف) عيد الأسبوع: فهو يوم الجمعة، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها – وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة – عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة، وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم وحثا لهم على شكرها، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام. وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر. خرجه الإمام أحمد في " مسنده " (٢) ، وقال مجاهد وغيره. وروي أنه حج المساكين (٣) ، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين. وقال ابن المسيب: الجمعة أحب إلي من حج التطوع.
- ج ١ ص ١٧٦
وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشا، ثم كالمهدي دجاجة. ثم كالمهدي بيضة. ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة. وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عموما يشارك الرجال فيها النساء. فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عموما.
-
وأما خواص المؤمنين: فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين. وروي عن الحرم (١) : كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد. ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا. وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا (٢) .
-
ولهذا المعنى – والله أعلم – لما ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرؤية في حديث جرير ابن عبد الله البجلي (٣) أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله
ج ١ ص ١٧٧في الجنة في وقتهما.
-
فتبين بهذا: أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج؛ فأما الزكاة: فليس لها زمان معين تكمل فيه، وأما الشهادتان: فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما. وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة، والله أعلم.
- ٣٠ - فصل (١)
- خرج البخاري ومسلم (٢) من حديث:
- ج ١ ص ١٧٨
٤٠ - أبي إسحاق، عن البراء أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده – أو قال: أخواله – من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه (١) أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود (٢) أعجبهم إذ كان يصلي (٢٠٥ – ب / ف) قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهته قبل البيت أنكروا ذلك. قال زهير: ثنا أبو إسحاق، عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم} [البقرة: ١٤٣] ْ قال البخاري: يعني صلاتكم (٣) .