٥- باب التيمم للوجه والكفين
١٠٠ فقرة، ج ٢ ص ٢٤١
الصفحة ٣ من ٣
- ج ٢ ص ٢٥٤
واستدلوا - أيضا -: بان الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين، فينصرف إطلاقهما في
ج ٢ ص ٢٥٥التيمم إلى تقييدهما في
الوضوء، لا سيما وذلك في آية واحدة، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين.
-
وأجاب من خالفهم: بان المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الأخر.
-
ويدل على ذلك: أن أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند نزول أية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها، بل تيمموا إلى المناكب والآباط، وهم أعلم الناس بلغة العرب، ثم بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن التيمم للوجه والكفين، وهو - أيضا - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها.
-
وذهب آخرون: إلى أن التيمم يمسح فيه الكفان خاصة.
-
والثاني: بن المنذر لأهل هذه المقالة قولين: أحدهما يمسح الكفين إلى الرسغين، وحكاه عن علي. والثاني: يمسح الكفين مطلقا. قال: هو قول عطاء، ومكحول، والشعبي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
قال: وبهذا نقول للثابت عن نبي الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال ((التيمم ضربة للوجه
والكفين)) .
قلت: هذا يوهم أن من قال بسمح الوجه والكفين، أنه لا ينتهي مسحهما إلى الكوعين، وهذا كما حكاه ابن عطية عن الشعبي، كما سبق عنه، وليس هذا قول الأئمة المشهورين.
- ج ٢ ص ٢٥٦
وقد روى داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه سئل عن التيمم، فقال: أن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:٦] ، وقال في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة ٦] ، وقال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة ٣٨] ، فكانت السنة في القطع الكفين، إنما هو، الوجه والكفين - يعني: التيمم.
-
خرجه الترمذي، وقال حسن صحيح غريب.
-
وروى الحكم بن أبان، عن عكرمة هذا المعنى - أيضاً.
-
وكذلك استدل بهذا الدليل مكحول وأحمد وغيرهما من الأئمة، وقالوا: أن القطع يكون من الرسغ، فكذلك التيمم.
-
والرسغ: هو مفصل الكف، وله طرفان، هما عظمان، فالذي يلي الإبهام
كوع، والذي يلي الخنصر كرسوع.
-
ومضمون هذا الاستدلال: أن اليد إذا أطلقت انصرفت إلى الرسغ، وان قيدت بموضع تقيدت به، فلما قيدت بالمرفقين في الوضوء وجب غسل الذراعين إلى المرفقين، ولما أطلقت في التيمم وجب إيصال
ج ٢ ص ٢٥٧التراب الرسغ، كما تقطع يد السارق ويد المحارب منه.
-
وكذلك قال الأوزاعي: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوعين.
-
وكذلك نص إسحاق على أن التيمم يبلغ إلى الرسغ، وخطأ من قال: لا يجزئ ذلك. وقال الصحيح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المعروف المشهور الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبار الصحيحة: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم عمار بن ياسر التيمم للوجه والكفين. قال: وعلى ذلك كان علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والشعبي، معطاء، ومجاهد، ومكحول وغيرهم، فلا يجوز لأحد أن يدعي على هؤلاء أنهم لم يعرفوا التيمم. قال: ولو قالوا الذراعين: أحب إلينا اختيارا لكان أشبه.
-
وروى حرب بإسناده، عن زائدة، عن حصين بن عبد الرحمان، عن أبي مالك، عن عمار، أنه غمس باطن كفيه بالتراب، ثم نفخ يده، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل.
-
وبإسناده: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: التيمم ضربتين: ضربة للوجه، وضربة للكفين.
قَالَ: وثنا أحمد بن حنبل: ثنا سليمان بن حيان: أبنا حجاج،
ج ٢ ص ٢٥٨عن عطاء
والحكم، عن إبراهيم، قَالَ: التيمم ضربتان للكفين والوجه.
قال: وثنا محمود بن خالد: ثنا الوليد بن مسلم، عن حامد وسعيد بن
بشير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
قال الوليد: وأبنا الأوزاعي، عن عطاء أنه كان يقول في التيمم: مسحة واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لكفيه. وبه يأخذ الأوزاعي.
-
وروى حرب بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سالت الشعبي عن
التيمم؟ فضرب بيديه الأرض، ثم قرن أحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه وكفيه.
قال حرب: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، يبدأ بوجه ثم يمسح كفيه أحداهما بالأخرى. قيل له: صح حديث عمار، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك؟ قال: نعم، قد صح.
-
والقول بان الواجب في التيمم مسح الكفين فقط: رواية عن مالك، وقول قديم للشافعي، قال في القديم - فيما حكاه البيهقي في ((كتاب المعرفة) ) -: قد روي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الوجه والكفين، ولو اعلمه ثابتاً لم أعده. قَالَ: فإنه ثبت عن عمار، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوجه والكفين، ولم يثبت إلى المرفقين، فما يثبت عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أولى، وبهذا الحديث كان يفتي سعد بن سالم. انتهى.
- ج ٢ ص ٢٥٩
ومن العلماء من قال: الواجب مسح اليدين إلى الكوعين، ويستحب مسحهما إلى المرفقين، ولعله مراد كثير من السلف - أيضا –؛ فإن منهم من روي عنه: إلى الكوعين. وروي عنه: إلى المرفقين، كالشعبي وغيره، فدل على أن الكل عندهم
جائز.
-
وهو - أيضا - رواية عن مالك، وقول وكيع، وإسحاق، وطائفة من
أصحابنا، وحكوه رواية عن أحمد، المنصوص عنه يدل على أن ذلك جائز، لا أنه
أفضل.
-
وسيأتي ذكر الضربة الواحدة ووالضربتين فيما بعد - أن شاء الله تعالى -؛ فإن البخاري افرد لذلك باباً.