٥- باب التيمم للوجه والكفين
١٠٠ فقرة، ج ٢ ص ٢٤١
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٢ ص ٢٤٨
وحكى ابن عطية عن الشعبي: أنه يمسح الكفين فقط؛ لحديث عمار، وانه لم يوجب إيصال التراب إلى الكوعين، وهذا لا يصح. والله أعلم.
-
وإنما المراد بحديث عمار، وبما قاله الشعبي وغيره من مسح الكفين:
مسحهما إلى الكوعين، وقد جاء ذلك مقيدا، رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم: سمع ذر بن عبد الله، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: ((إنما كان يجزئك) ) وضرب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده الأرض إلى التراب، ثم قال: ((هكذا) ) ، فنفخ فيهما، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل وليس فيه الذراعان.
-
وروى إبراهيم بن طهمان، عن حصين، عن أبي مالك، عن عمار بن ياسر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرصغين) ) .
-
خرجه الدارقطني، وقال: لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ووقفه شعبته وزائدة وغيرهما.
-
يعني أنهم رووه عن حصين عن أبي مالك، عن عمار موقوفا، والموقوف اصح ـ: قاله أبو حاتم الرازي.
-
وأبو مالك، قال الدارقطني: في سماعه من عمار
ج ٢ ص ٢٤٩نظر؛ فإن سلمة بن كهيل رواه عن أبي مالك، عن ابن أبزى، عن عمار.
وقال أبو حاتم: يحتمل أنه سمع منه.
-
وأبو مالك، هو: الغفاري، سأل أبو زرعة: ما أسمه؟ فقال: لا يسمى.
-
وقال البيهقي أسمه حبيب بن صهبان.
-
وفيما قاله نظر؛ فإن حبيب بن صهبان هو: أبو مالك الكاهلي الأسدي، وأم الغفاري فأسمه: غزوان -: قاله ابن معين. وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم، ووقع في بعض نسخ البخاري، غير أن البخاري متوقف غير جازم لان حبيب بن صهبان يكنى: أبا حاتم، ولا أن أبا مالك الغفاري اسمه: غزوان.
-
وروي حديث عمار على وجه أخر: فروى الأعمش، عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمان بن أبزى، عن عمار، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: ((أنما كان يكفيك هكذا) ) ، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب أحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة.
-
خرجه أبو داود.
-
وخرجه - أيضا - من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن
ج ٢ ص ٢٥٠أبي مالك، عن عبد الرحمان بن أبزى، قال: كنت عند عمر، فقال عمار: قال النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا) ) ، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع.
-
وخرجه النسائي من طريق سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك - وعن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبزى ـ، عن عبد الرحمان بن أبزى، قال: كنا عند عمر ـ فذكر الحديث، وفيه: ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه.
-
وقد رواه عن سلمة بن كهيل: شعبة، وسفيان، والأعمش، واختلف عنهم في إسناده.
-
وقد تقدم: أن في رواية شعبة أن سلمة شك: هل ذكر فيه الذراعين، أو الكفين خاصة، وهذا يدل على أن ذكر الذراعين أو بعضهما لم يحفظه سلمه، إنما شك فيه، لكنه حفظ الكفين وتيقنهما، كما حفظه غيره.
-
وعلى تقدير أن يكون ذكر بعض الذراعين محفوظا فقد يحمل على الاحتياط لدخول الكوعين، أو يكون من باب المبالغة وإطالة التحجيل، كما فعله أبو هريرة في الوضوء، وقد صرح الشافعية باستحبابه في التيمم - أيضا.
-
وقد روي عن قتادة، قال: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمان بن أبزى، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((إلى المرفقين) ) .
- ج ٢ ص ٢٥١
خرجه أبو داود.
-
وهذا الإسناد مجهول لا يثبت.
-
والصحيح: عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عمار، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره بالتيمم للوجه والكفين.
-
خرجه الترمذي وصححه.
-
وخرجه أبو داود، ولفظه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره بالتيمم: ضربة واحدة للوجه
والكفين.
-
وقد روي عن عمار، أنهم تيمموا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ابن عمار، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي، فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
-
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
-
وقد اختلف في إسناده على الزهري:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
-
وقيل: عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار، كذا رواه عنه: مالك وابن عيينة، وصحح قولهما
ج ٢ ص ٢٥٢أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.
-
وقيل: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار ـ مرسلا.
-
وهذا حديث منكر جدا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس ـ: ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما.
-
وروي عن الزهري، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم اسمعه إلا من عبيد الله. وروي عنه، أنه قال: لا ادري ماهو؟! .
-
وروي عن مكحول، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث. وعن ابن عيينة، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه.
-
وسأل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشئ. وقال ـ أيضا ـ: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه. وقال: ما أرى العمل عليه.
- وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
-
أحدهما: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه عند نزول الآية؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التيمم بفعله وقوله: ((التيمم للوجه والكفين) ) ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومنهم عمار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه، كما سبق.
-
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة.
- ج ٢ ص ٢٥٣
والثاني: ما قاله الشافعي، وانه أن كان ذلك بأمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فهو منسوخ؛ لان عمارا اخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم، فكل تيمم كان للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعده مخالف له، فهو له ناسخ.
-
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء.
-
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه.
-
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، أن الزهري قال: التيمم إلى الآباط. قال سعيد: ولا يعجبنا هذا.
قلت: قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول، واخبر أن الناس لا يعتبرون به، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته. والله أعلم.
-
وذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين:
هذا مروي عن ابن عمر وجابر - رضي الله عنهم - وروي - أيضا - سالم بن عبد الله والشعبي، والحسن، والنخعي، وقتادة، وسفيان، وابن المبارك، والليث، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه.
-
واستدل بعضهم: بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك، ولا يثبت منها شيء، كما سبق الإشارة إلى ذلك.