١٨- باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
١٣٩ فقرة، ج ٢ ص ٤٤٢
الصفحة ٢ من ٤
- ج ٢ ص ٤٤٦
وقد حكى البخاري عن الحسن، أنه يصلي على القناطر وأن جرى تحتها بول، أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة.
-
فأما أن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفا، واما أن كان أمامها أو فوقها، وبينهما سترة فقد رخص فيه الحسن، كما حكاه عنه.
-
وعن أحمد في الصلاة إلى الحش من غير حائل روايتان: إحداهما: تصح مع الكراهة. والثانية: لا تصح، وهي اختيار ابن حامد وغيره.
-
ولا يكفي حائط المسجد، ولا يكون حائلا -: نص عليه أحمد.
-
ومن الأصحاب من تأول قوله على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلى، فإن لم يكن كذلك كفى حائط المسجد.
-
ونقل حرب عن إسحاق، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كنيف، إلا أن يكون للكنيف حائط من قصب أو خشب غير حائط المسجد، وأن
ج ٢ ص ٤٤٧صلى فيه أعاد وأن كان للكنيف سترة من لبود، فلا يصلي في المسجد من ورائه، وأن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس.
-
ونقل أبو طالب، عن أحمد: إذا كان الكنيف أسفل من المسجد بذراع ونصف فلا بأس.
-
ورخصت طائفة في الصلاة إلى الحش إذا كان بينهما سترة.
-
وقال الأوزاعي، في رجل يصلي وبين يديه حش، ودونه جدار من قصب، وهو يصلي نحوه: لا أعلم به بأسا.
وقال الليث بن سعد: كتب إلي عبد الله بن نافع مولى ابن عمر: أما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع، أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت مربدا لأزواج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصه زوج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منهن، فاتخذته دارا.
-
ولكن؛ عبد الله بن نافع منكر الحديث ـ: قَالَ البخاري وغيره.
-
والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل، واستدل بما استدل به، ولا دلالة فيه، كما سيأتي في موضعه ـ أن شاء الله تعالى.
-
وعند الشافعي وأصحابه: تكره الصلاة على مدفن النجاسة، وتصح.
-
ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة ـ أيضا.
-
وحكي عن ابن حبيب المالكي، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته، إلا أن تكون بعيدة جدا.
- المسألة الثالثة:
-
إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على
ج ٢ ص ٤٤٨حاله كالثلج والجليد، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد.
-
ومعناه: إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه.
-
وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء؛ فإنه يصير قرارا متمكنا
كالأرض، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة.
-
وحكى البخاري عن ابن عمر، أنه صلى على الثلج.
-
ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه.
-
ونقل عنه حرب، قال: يبسط عليه ثوباً ويصلي. قلت: فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده؟ قال: أن أمكنه السجود عليه سجد، وإلا أومأ. قال وإذا كان الثلج باردا فإنه عذر، وسهل فيه.
قَالَ: وسمعت إسحاق - يعني: ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك، أو أدخلهما كميك، ثم اسجد كذلك.
قال: وسمعته - مرة أخرى - يقول: أن كنت في ردغة أو ماء أو الثلج، لا تستطيع أن تسجد، فاومئ إيماء، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما. انتهى.
-
وأنس إنما صلى على راحلته في الطين، لا على الأرض.
-
وحاصل الأمر: أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه، وأجزأه أن يومئ.
-
ولأصحابنا وجه آخر: أنه يلزمه السجود عليه بكل حال، ولا يجزئه الإيماء.
- ج ٢ ص ٤٤٩
والثلج نوعان: تارة يكون متجلدا صلبا، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم، وتارة يكون رخوا لا تستقر الأعضاء عليه، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما.
-
ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذر، صرح بذلك طائفة من أصحابنا، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطاً، واستدلوا بأنه لو علق بساطا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء.
- وللشافعية في ذلك وجهان:
-
أصحابنا عندهم: أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته، ولا تصح صلاة بدون ذلك.
-
والثاني: لا يجب ذلك.
-
ولهم - أيضا - في الصلاة على الأرجوحة، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان، أصحهما: الصحة.
-
وروى عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قال: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء من أمر الصلاة، فقال له رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض) ) .
-
خرجه الإمام أحمد.
-
وفي إسناده لين.
-
وروى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه -: ثنا سويد بن
عبد العزيز، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب، فبسط بساطا ثم صلى
عليه، وقال: أن الثلج لا يتيمم به، ولا يصلي عليه.
- ج ٢ ص ٤٥٠
واحتج إسحاق بهذا الحديث.
-
وإسناده ضعيف؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان.
-
وقد روى أبو عبيد في ((كتاب الطهور) ) بإسناد آخر، وفيه ضعف - أيضا -: أن عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام، فقال: أن الثلج لا يتيمم به.
-
ولم يذكر الصلاة.
-
واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء: هل يومي بالسجود، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء؟ على روايتين عنه.
وقال القاضي أبو يعلى في بعض كتبه: لم يوجب أحمد السجود على الماء؛ لأنه ليس بقرار، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومي في الماء إلى قرب الأرض، وإن غاص وجهه في الماء.
-
وهذا الذي قاله بعيد جدا.