٢٩- باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
٧٠ فقرة، ج ٣ ص ٥٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٥٩
وليس في المشرق ولا في المغرب قبلة؛ لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا) ) .
-
مقصوده بهذا الباب: أن أهل المدينة ومن كان قريبا من مسامتهم كأهل الشام والعراق، فإن قبلتهم ما بين المشرق والمغرب من جهة الكعبة، وأن المشرق والمغرب ليس قبلة لهم، وما بينهما فهو لهم قبلة، بدليل أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهاهم عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وأمرهم أن يشرقوا أو يغربوا، فدل على أن الشرق والغرب ليس لهم قبلة، وما بينهما فهو لهم قبلة.
- ج ٣ ص ٦٠
وقد روى عن ابن عمر وسعيد بن جبير، أنهما قالا: ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق.
-
وكذا قال الإمام أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة لنا نحن أهل المشرق، ليس هي لأهل الشام ولا أهل اليمن.
-
ومراده بعض أطراف الشام.
-
وهذا هو مراد عمر بقوله: ما بين المشرق والمغرب قبلة.
-
وقد روي مرفوعا، إلا أنه ليس على شرط البخاري.
-
وقد قال أحمد: ليس له إسناد.
-
يعني أن في أسانيده ضعفا.
وقال مرة: ليس بالقوي. قال: وهو عن عمر صحيح.
-
وأقوى ما ورد فيه مسندا: حديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان ابن محمد الأخنسي، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة) ) .
-
خرجه الترمذي.
-
وقال حديث حسن صحيح.
-
والأخنسي، وثقه ابن معين وغيره. والمخرمي، خرج له مسلم، وقال ابن المديني: روى مناكير.
-
وخرجه ابن ماجه والترمذي - أيضا - من طريق
ج ٣ ص ٦١أبي معشر نجيح السندي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وأبو معشر، ضعيف الحديث.
-
وتابعه عليه: علي بن ظبيان، فرواه عن محمد بن عمرو، كما رواه.
-
خرجه ابن عدي.
-
وعلي بن ظبيان، ضعيف - أيضا.
- وفيه حديث مرسل:
-
رواه الإمام أحمد - في رواية ابنه صالح -، عن أبي سعيد مولى بني هاشم: حدثني سليمان بن بلال، قال: قال عمرو بن أبي عمرو: عن المطلب بن حنطب، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة، إذا وجهت وجهك نحو البيت الحرام) ) .
-
وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة.
-
وهذا هو الذي قال فيه أحمد: أنه صحيح عن عمر.
-
وقد رواه يحيى القطان وغير واحد، عن عبيد الله.
-
ورواه حماد
ج ٣ ص ٦٢بن مسعدة، عن عبيد الله، وزاد فيه: ((إلا عند البيت) ) .
-
وروي عن ابن نمير وحماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ورفعه غير صحيح عند الدارقطني وغيره من الحفاظ.
-
وأما الحاكم فصححه، وقال: على شرطهما وليس كما قال.
-
وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمان بن مجبر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا.
-
وابن المجبر، مختلف في أمره.
وقال أبو زرعة: هو وهم، والحديث حديث ابن عمر موقوف.
-
وروي هذا المعنى - أيضا - عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك.
-
وكذلك قال إبراهيم وسعيد بن جبير: ما بين المشرق والمغرب
ج ٣ ص ٦٣قبلة، زاد سعيد بن جبير: لأهل المشرق.
وقال مجاهد فيمن مال عن القبلة: لا يضره؛ ما بين المشرق والمغرب قبلة.
وقال الحسن فيمن التفت في صلاته: أن استدبر القبلة بطلت صلاته، وأن التفت عن يمينه أو شماله مضت صلاته.
-
وروي عن حميد بن عبد الرحمان، أنه أعاد صلاة صلاها في مسجد قيل له: إن في قبلته تياسرا.
-
ومذهب مالك: أنه أن علم في الصلاة أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب قطع وأبتدأ الصلاة، وأن علم بذلك بعد الصلاة أعاد في الوقت، وأن علم أنه انحرف يسيرا فلينحرف ال القبلة ويبني -: ذكره في ((تهذيب المدونة) ) .
-
ومذهب أحمد: أن ما بين المشرق والمغرب قبلة، لم تختلف نصوصه في ذلك، ولم يذكر المتقدمون من أصحابه فيه خلافا، وإنما ذكره القاضي أبو يعلى ومن بعده وأخذوه من لفظ له محتمل ليس بنص ولا ظاهر، والمحتمل يعرض على كلامه الصريح، ويحمل عليه، ولا يعد مخالفا له بمجرد احتمال بعيد، ولكن الشافعي له قولان في المسألة،
ج ٣ ص ٦٤وأما أحمد فلم يختلف قوله في ذلك، وقد صرح بمخالفة الشافعي فيه.
قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: بين المشرق والمغرب قبلة، ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء، إذا صلى بينهما فصلاته صحيحة جائزة، إلا أنا نستحب أن يتوسط القبلة، ويجعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، يكون وسطا بين ذلك، وأن هو صلى فيما بينهما، وكان إلى أحد الشقين أميل فصلاته تامة، إذا كان بين المشرق والمغرب، ولم يخرج بينهما.
-
ونقل عنه جماعة كثيرون هذا المعنى.
-
وروي عنه أنه سئل عن قوله: مابين المشرق والمغرب قبلة، فأقام وجهه نحو القبلة، ونحا بيده اليمنى إلى الشفق، واليسرى إلى الفجر، وقال: القبلة ما بين هذين.
وقال في رواية الأثرم: إذا طلعت الشمس من المشرق فقد ثبت أنه مشرق، وإذا غربت فقد ثبت أنه مغرب، فما بين ذلك لأهل المشرق، إذا كان متوجها إلى الكعبة.
-
وقد أنكر أن يكون المراد مشرق الشتاء خاصة، وقال: لا يبالي مغرب الشتاء ولا مغرب الصيف، إذا صلى بينهما فصلاته جائزة.
- ج ٣ ص ٦٥
ومراده: أن ما بين أقصى المشارق إلى أقصى المغارب في الشتاء والصيف فهو
قبلة، والمستحب أن يصلي وسطا من ذلك.
-
ولم يرد أحمد أنه في كل فصل من فصول العام يصلي وسطا بين مشرق الشمس ومغربها فيه حينئذ؛ لأنه يلزم من ذَلكَ الانحراف إلى المشرق أو المغرب في بعض
الأزمان.
-
وإنما قَالَ أحمد هذا لأن الناس من فشر ((ما بين المشرق والمغرب قبلة) ) بمشرق الشتاء ومغربه خاصة، منهم: أبو خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي؛ فإن الشتاء لهُ مشرق ومغرب، والصيف كذلك، ولهذا ثناهما الله تعالى في قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن:١٧] ، وجمعهما في قوله: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج:٤٠] باعتبار مشارق الشتاء والصيف والخريف والربيع؛ فإن لكل يوم من السنة مطلعا مشرقا خاصا ومغربا خاصا، وأفردهما في قوله {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [الشعراء:٢٨] باعتبار الجنس.