٣٢- باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة
٦٤ فقرة، ج ٣ ص ٩٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٩٣
فصلى إلى غير القبلة
وقد سلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ركعتي الظهر، فأقبل على الناس بوجهه، ثم أتم ما بقي.
-
خرج فيه ثلاث أحاديث:
الحديث الأول:
قال:
ج ٣ ص ٩٣٤٠٢ - حدثنا عمرو بن عون: ثنا هشيم، عن حميد، عن انس، قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة:١٢٥] ، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نسائك أن يحتجبن؛ فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الغيرة عليه، فقلت لهن: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ} [التحريم:٥] ، فنزلت هذه الآية.
وقال ابن أبي مريم: أبنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد، قال: سمعت أنسا -
بهذا.
- ج ٣ ص ٩٤
هذا الحديث مشهور عن حميد، عن انس، وقد خرجه البخاري - أيضا - في ((التفسير) ) من حديث يحيى بن سعيد، عن حميد.
-
ورواه - أيضا - يزيد بن زريع وابن علية وابن أبي عدي وحماد بن سلمة
وغيرهم، عن حميد، عن انس.
-
وإنما ذكر البخاري رواية يحيى بن أيوب: حدثني حميد، قال: سمعت أنسا؛ ليبين به أن حميدا سمعه من انس؛ فإن حميدا يروي عن انس كثيرا.
-
وروي عن حماد بن سلمة، أنه قالَ: أكثر حديث حميد لم يسمعه من انس، إنما سمعه من ثابت، عنه.
-
وروي عن شعبة، أنه لم يسمع من انس إلا خمسة أحاديث.
-
وروي عنه، أنه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرين حديثا.
-
وقد سبق القول في تسامح يحيى بن أيوب والمصريين والشاميين في
ج ٣ ص ٩٥لفظة: ((ثنا) ) -: كما قاله الإسماعيلي.
وقال علي بن المديني في هذا الحديث: هو من صحيح الحديث.
-
ولم يخرج مسلم هذا الحديث، إنما خرج من رواية سعيد بن عامر، عن
جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في
الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.
-
وقد أعله الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد - رحمه الله - بأنه روى عن سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع، أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث. فدخل في إسناده رجل مجهول، وصار منقطعا.
-
وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: سمعت جابرا يحدث عن حجة الوداع، قال: لما طاف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له عمر: هذا مقام إبراهيم؟ قال: ((نعم) ) ، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: ١٢٥] .
-
وهذا غريب، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع، وأن
ج ٣ ص ٩٦الآية نزلت بعد ذلك، وهو بعيد جدا، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن.
-
وقد خالفه الحفاظ، فرووا في حديث حجة الوداع الطويل، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى إلى المقام، وقرا: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة:١٢٥] ثُمَّ صلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت.
-
وروى الوليد بن مسلم عن مالك، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: ١٢٥] ؟ قال: ((نعم) ) .
قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟ قال: نعم.
-
وقد خرجه النسائي بمعناه.
-
والوليد، كثير الخطأ -: قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما.
-
وذكر فتح مكة فيه غريب أو وهم؛ فإن هذه قطعة من حديث جابر في حجة الوداع.
-
وقد روي حديث انس، عن عمر من وجه آخر:
خرجه أبو داود الطيالسي: ثنا حماد بن سلمة: ثنا علي بن زيد، عن انس، قال: عمر:
ج ٣ ص ٩٧وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد، إلا أنه قال في الحجاب: فأنزل الله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: ٥٣] ، قال: ونزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ
طِينٍ} [المؤمنون:١٢] ، فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزل:
{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:١٤] .
-
وقول عمر: ((وافقت ربي في ثلاث) ) ، ليس بصيغة حصر، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع.
-
ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله: النهي عن الصلاة على المنافقين.
-
وقوله لليهود: من كان عدوا لجبريل، فنزلت الآية.
-
وقوله للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما اعتزل نساءه ووجد عليهن: يا رسول الله، أن كنت
طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال عمر: وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا
ج ٣ ص ٩٨رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ} [التحريم:٥] الآية.
-
وقد خرج هذا الأخير مسلم من حديث ابن عباس، عن عمر.
-
وأما موافقته في النهي عن الصلاة على المنافقين؛ فمخرج في ((الصحيحين) ) من حديث ابن عباس، عن عمر - أيضا.
-
وأما موافقته في قوله: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ} [البقرة:٩٧] ، فرواه: أبو جعفر الرازي، عن حصين بن عبد الرحمان، عن ابن أبي ليلى، عن عمر ورواه: داود، عن الشعبي، عن عمر، وهما منقطعان.
-
وقد روي موافقته في خصال آخر، وقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة.
-
وتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب: يدل على أنه فسر قوله
- تعالى:
-
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة:١٢٥] بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم، وهو الكعبة، والأكثرون على خلاف ذلك، كما سبق ذكره.
-
الحديث الثاني:
قال:
ج ٣ ص ٩٩٤٠٣ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن
عبد الله بن عمر، قال: بينا للناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
-
وقد تقدم في حديث البراء أن هذه القصة كانت في صلاة العصر، وفي حديث ابن عمر أنها كانت في صلاة الصبح.
-
وقد قيل: أن أهل قباء لم يبلغهم ذلك إلى الصبح، ومن دونهم إلى المدينة بلغهم في العصر يوم النسخ.
-
وفي هذا بعد، وقد سبق ذكره في الكلام على حديث البراء في ((كتاب: الإيمان) ) .
- ج ٣ ص ١٠٠
ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: أن من صلى إلى غير القبلة لعذر، مثل أن يظن أن القبلة في جهة فيصلي إليها، ثم تبين له أن جهة القبلة غيرها، إما في الصلاة أو بعد تمامها، فإنه لا إعادة عليه، وأن كان قد صلى إلى غير القبلة سهوا، فإنه استند إلى ما يجوز له الإسناد إليه عند اشتباه القبلة، وهو اجتهاده، وعمل بما أداه اجتهاده إليه، فلا يكون عليه إعادة.
-
كما أن أهل قباء صلوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس، مستصحبين ما أمروا به من استقبال بيت المقدس، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة، فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة.
-
وهذا هو قول جمهور العلماء، منهم: ابن المسيب، وعطاء، والحسن،
والشعبي، والثوري، وابن المبارك، وأبو حنيفة، والشافعي - في القديم -، وأحمد في ظاهر مذهبه، حتى قال أبو بكر عبد العزيز: لا يختلف قوله في ذلك، وهو قول إسحاق والمزني.
وقال مالك والأوزاعي: يعيد في الوقت، ولا يعيد بعده.
قال ابن عبد البر: وهذا على الاستحباب دون الوجوب.
وقال الشافعي - في الجديد -: يجب عليه أن يعيد.
-
وعليه عامة أصحابه، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد.
-
وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ، بل على نص تمسكوا به، والناسخ له لم
ج ٣ ص ١٠١يبلغهم إلا في أثناء الصلاة.
-
فإن قيل: أن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم، فلم يثبت في حقهم إلا في أثناء صلاتهم، فلذلك بنوا على ما مضى منها.