٣٣- باب حك البزاق باليد من المسجد
٧٣ فقرة، ج ٣ ص ١٠٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ١٠٥
لما ذكر البخاري - رحمه الله - أبواب استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما تصان منه قبلة المصلي التي يصلي إليها، من البصاق ونحوه.
-
وخرج الحديث في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
- الحديث الأول:
- ج ٣ ص ١٠٥
٤٠٥ - حدثنا قتيبة: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي ذلك في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو أن ربه بينه وبين القبلة -، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلة، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) ) وثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: ((أو يفعل هكذا) ) .
-
وخرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه) ) من طريق زهير، عن حميد.
-
ولم يخرجه مسلم؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة: أكثر
ج ٣ ص ١٠٦ما رواه حميد، عن أنس لم يسمعه منه، إنما سمعه من ثابت.
-
وقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه، فذكر علي بن المديني، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان حماد بن سلمة يقول: حديث حميد عن انس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بزق في ثوبه، ثم دلك بعضه ببعض، إنما رواه حميد، عن ثابت، عن أبي حمزة. قال يحيى: ولم يقل شيئا؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس.
-
فجعل يحيى القطان رواية قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدة لرواية حميد عن
أنس، وأن لم يصرح بسماعه منه، واكتفى بذلك.
-
وتبعه البخاري على ذلك، وقد خرج حديث قتادة عن أنس فيما بعد.
-
وقد أشار البخاري في ((كتاب: الوضوء) ) في ((باب: البصاق والمخاط يصيب الثوب) ) أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث، عن يحيى بن أيوب وعن حميد: سمعت أنسا، فذكره، فصرح فيه بالسماع.
-
وقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب: ((ثنا) ) .
-
وهذا الحديث دال على كراهة أن يبصق المصلي في قبلة التي يصلي إليها، سواء كان في مسجد، أو لا، فإن كان مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في المسجد
خطيئة، كما يأتي الحديث بذلك في بابه، فإن كان
ج ٣ ص ١٠٧في قبلة المسجد كان اشد كراهة.
-
وقد أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ببناء المساجد في الدور: أن تنظف وتطيب، وسنذكره في موضع آخر - أن شاء الله.
-
وقد فسر قول الله - عز وجل -: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: ٣٦] : ببنائها وتطهيرها وتنزيهها عما لا يليق بها.
-
وفي الحديث: نهى المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قبل قبلته بكل حال، وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزاق عن يمينه، وورد التصريح به في أحاديث آخر، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه.
-
وذكر اليسار وتحت القدم بلفظه، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله وفكان دليلا على طهارة البزاق، وهو رد على من قال بنجاسته، كما سبق ذكره في ((أبواب: الوضوء) ) ودليلا على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس مما ينبغي استقذاره والتنزه منه؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول.
-
وفي هذا الحديث: أنه حكه بيده، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك
ج ٣ ص ١٠٨بنفسه، ولم يوله غيره من أصحابه، وبهذا فسره الإسماعيلي، ويحتمل أنه أراد أنه باشر حكه بيده من غير حائل حكه به.
-
وتبويب البخاري يدل على هذا؛ ولهذا بوب بعده: ((باب: حك المخاط بالحصى من المسجد) ) .
-
وقد روى عائد بن حبيب، عن حميد، عن انس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار، فحكتها، وجعلت مكانها خلوقا، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ما أحسن هذا) ) .
-
خرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه) ) .
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد - ذكر عائد بن حبيب، فأحسن الثناء عليه. قلت له: روى عن حميد عن انس - فذكر له الحديث -؟ فقال: قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه.
-
يشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري؛ فإنها مخالفة لرواية عائد في حكه
بيده، وليس فيها ذكر الخلوق، لكنها زيادة لم تنفها رواية البخاري ولم تثبتها.
-
وصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد، وباستحباب تخليق موضعها.
- ج ٣ ص ١٠٩
وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو المسجد، فإما من بصق إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك. وقد سبق ذكره في ((باب: استقبال القبلة بالغائط والبول) ) .
-
وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((أن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، أو أن ربه بينه وبين
القبلة)) يدل على قرب الله تعالى من المصلي في حال صلاته، وقد تكاثرت النصوص بذلك، قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:١٩] .
-
وفي ((صحيح مسلم) ) ، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) ) .
-
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما) ) من حديث الحارث الأشعري، عن النبي، قال: ((أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس
كلمات، أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن)) - فذكر الحديث -، وفيه: ((وآمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا) ) .
-
وصححه
ج ٣ ص ١١٠الترمذي.
-
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه) ) من حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه) ) .
-
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ فإنه يناجي ربه، أن ربه أمامه، وإنه يناجيه.
قال عطاء: وبلغنا أن الرب عز وجل يقول: ((يا بن آدم إلى من تلتفت، أنا خير لك ممن تلتفت إليه) ) .
-
وقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة - مرفوعا كله.
-
ورواية ابن جريج أصح -: قاله العقيلي وغيره.
-
وكأن مقصود النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وانه مناج له وانه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له.
-
كما في ((صحيح مسلم) ) ، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله:
ج ٣ ص ١١١حمدني عبدي)) - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.
-
فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه
يراه، كما فسر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإحسان بذلك في سؤال جبريل - عليه السلام - له، وقد سبق حديثه في ((كتاب: الإيمان) ) .
-
وخرج النسائي من حديث ابن عمر، قال: أخذ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ببعض جسدي، فقال: ((أعبد الله كأنك تراه) ) .
-
وقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه.
-
وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئا، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة، فاعتذر له عن سكوته عنه، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا.
-
وقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه، وإجابته له، فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:١٨٦] .
- ج ٣ ص ١١٢
وقد روي في سبب نزولها: أن أعرابيا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله - عز وجل -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:
ج ٣ ص ١١٢١٨٦] .
-
خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.