٦٣- باب التعاون في بناء المسجد

١١٩ فقرة، ج ٣ ص ٢٩٤

الصفحة ٣ من ٣

  1. وإسناد في الظاهر على شرط مسلم، ولكن قد أعله يحيى بن معين، بأنه لم يكن في كتاب الدراوردي، قال: وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني: من الدراوردي - ليس فيه هذا الحديث. قال يحيى: والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح.

    ج ٣ ص ٣٠٧
  2. وهذا الحديث - أيضا - مما يدل على أن بناء المسجد الذي قيل لعمار فيه ذلك كان بعد فتح خيبر، لأن أبا هريرة أخبر أنه شهده.

  3. وروي شهود أبي هريرة لبناء المسجد من وجه أخر ليس فيه ذكر عمار.

  4. خرجه الإمام أحمد من رواية عمرو بن أبي عمرو، عن ابن عبد الله ابن حنطب، عن أبي هريرة، أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد، ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم. قال: فاستقبلت رسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو

    ج ٣ ص ٣٠٨عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها شقت عليه، فقلت ناولنيها يا رسول الله،. قال: ((خذ غيرها يا أبا هريرة؛ فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة) ) .

  5. ولكن ابن حنطب، وهو: المطلب، ولا يصح سماعه من أبي هريرة.

  6. وروى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين: يا أبه، أما سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول، وهم يبنون المسجد، والناس ينقلون لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين، وهو يوعك، فقال له رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((انك لحريص على الأجر، وانك لمن أهل الجنة، وانك لتقتلك الفئة الباغية) ) .

  7. خرجه يعقوب بن شيبة في ((مسنده) ) بتمامه.

  8. وخرجه الإمام أحمد والنسائي في ((الخصائص) ) - مختصرا. والحاكم.

  9. وفي إسناده اختلاف عن الأعمش.

  10. وهو - أيضا - مما يدل على تأخر بناء المسجد حتى شهده عمرو بن العاص وابنه عبد الله.

  11. وروى ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: لما

    ج ٣ ص ٣٠٩كان يوم الخندق، وجعل الناس يحملون لبنة لبنة، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين، حتى اغبر شعر صدره، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ويحك يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية) ) .

  12. خرجه [.........] .

  13. وخرجه مسلم مختصرا، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعمار: ((تقتله الفئة الباغية) ) .

  14. وذكر حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظر، والصواب: بناء المسجد، يدل على ذلك وجهان:

    أحدهما: أن حفر الخندق لم يكن فيه نقل لبن، إنما كان ينقل التراب، وإنما ينقل اللبن لبناء المسجد.

  15. والثاني: أن حديث أم سلمة قد روي بلفظ أخر، أنها قالت: ما نسيت الغبار على صدر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو يقول:

    ((اللهم إن الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة) )

  16. إذ جاء عمار فقال: ((ويحك - أو ويلك - يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية) ) .

  17. وأم سلمة أين كانت من حفر الخندق؟ إنما كانت تشاهد بناء المسجد في المرة الثانية، لأن حجرتها كانت عند المسجد.

  18. وقد اختلف في حديث: ((تقتل عمار الفئة الباغية) ) .

  19. فذكر الخلال في كتاب ((العلل) ) : ثنا إسماعيل الصفار: سمعت أبا أمية الطرسوسي يقول: سمعت في حلقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبي خيثمة والمعيطي ذكروا: ((تقتل عمار الفئة الباغية) ) ، فقالوا: ما هي حديث صحيح.

    قال الخلال: وسمعت عبد الله بن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روي في عمار: ((تقتله الفئة الباغية) ) ثمانية وعشرون حديثا، ليس فيها حديث صحيح.

    ج ٣ ص ٣١٠
  20. وهذا الإسناد غير معروف، وقد روي عن أحمد خلاف هذا:

    قال يعقوب بن شيبة الدسوسي في ((مسند عمار) ) من ((مسنده) ) : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عمار: ((تقتلك الفئة الباغية) ) فقال أحمد: كما قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((قتلته الفئة الباغية) ) . وقال: في هذا غير حديث صحيح، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا.

    وقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور) ) : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى العارض - وأثنى عليه - يقول: سمعت صالح بن محمد الحافظ - يعني: جزرة - يقول: سمعت يحيى بن معين وعلي بن المديني يصححان حديث الحسن، عن أمه، عن أم سلمة: ((تقتل عمارا الفئة الباغية) ) .

  21. وقد فسر الحسن البصري الفئة الباغية بأهل الشام: معاوية وأصحابه.

    وقال أحمد: لا أتكلم في هذا، السكوت عنه أسلم.

    ج ٣ ص ٣١١
  22. وقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بناء المسجد: ((ويح عمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار) ) هو من جنس الارتجاز كما كان يقول في بناء المسجد في أول أمره:

    ((اللهم أن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة) )

  23. ومثل ارتجازه عند حفر الخندق بقول ابن رواحة:
  24. ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا) )

  25. وروى محمد بن سعد: أبنا عبد الله بن نمير، عن الأجلح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: لما بنى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسجده، جعل القوم يحملون، وجعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحمل هو وعمار، فجعل عمر يرتجز، ويقول:

    نحن المسلمون نبني المساجدا

    وجعل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ((المساجدا) ) .

  26. وقد كان عمار اشتكى قبل ذلك، فقال بعض القوم: ليموتن عمار اليوم، فسمعهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنفض لبنته، وقال: ((ويحك) ) - ولم يقل: ويلك - ((يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية) ) .

  27. وهذا مرسل.

    ج ٣ ص ٣١٢
  28. وخرجه البزار من رواية شريك، عن الأجلح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن عمار، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال له: ((تقتلك الفئة الباغية) ) .

    ثم قال: رواه أبو التياح، عن عبد الله بن أبي الهذيل - مرسلا، لم يقل: عن عمار.

    قلت: وقد خرجه الطبراني بإسناد فيه نظر، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبني المسجد، وكان عمار يحمل صخرتين، فقال: ((ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية) ) .

  29. والمرسل أشبه. والله أعلم.

  30. وروى حماد بن سلمة في ((جامعه) ) ، عن أبي جعفر الخطمي، أن عبد الله بن رواحه كان يقول وهم يبنون مسجد قباء:

    أفلح من يعالج المساجدا

    فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((المساجدا) ) .

  31. يقرأ القرآن قائما وقاعدا.

    فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((قاعدا) ) .

  32. ولا يبيت الليل عنه راقدا

    فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((راقدا) ) .

  33. وفي هذا الارتجاز عند بناء المسجد فائدتان:

    إحداهما: ما في هذا الكلام من الموعظة الحسنة، والحث على العمل، فيوجب ذلك للسامعين النشاط في العمل، وزوال ما يعرض للنفس من الفتور والكسل عند سماع ثواب العمل وفضله، أو الدعاء لعامله بالمغفرة.

  34. والثانية: أن المتعاونين على معالجة الأعمال الشاقة كالحمل والبناء ونحوها قد جرت عادتهم بالاسترواح إلى استماع بعضهم إلى ما ينشده بعضهم، ويجيبه الأخر عنه، فإن كل واحد منهم يتعلق فكره بما يقول صاحبه، ويطرب بذلك، ويجيل فكره في الجواب عنه بمثله، فيخف بذلك على النفوس معالجة تلك الأثقال، وربما نسي ثقل المحمول بالاشتغال بسماع الارتجاز، والمجاوبة عنه.

    ج ٣ ص ٣١٣
  35. ويؤخذ من هذا أنواع من الاعتبار:
  36. منها: حاجة النفس إلى التلطف بها في حمل أثقال التكليف، حتى تنشط للقيام بها، ويهون بذلك عليها الأعمال الشاقة على النفس، من الطاعات.

  37. ومنها: احتياج الإنسان في حمل ثقل التكليف إلى من يعونه على طاعة الله، وينشط لها بالمواعظ وغيرها كما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:٢] وقال: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:٣] .

  38. سئلت أم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. قالت: ونظر إلى ثورين يخدان في الأرض، ثم استقلا بعملهما، فتعب أحدهما، فقام الأخر. فقال أبو الدرداء: في هذا تفكر استقلا بعملهما ما اجتمعا، وكذلك المتعاونون على ذكر الله - عز وجل -.

  39. خرجه ابن أبي الدنيا في ((كتاب التفكر) ) .