٨٩- باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -
٩٨ فقرة، ج ٣ ص ٤٢٧
الصفحة ١ من ٣
- ج ٣ ص ٤٢٧
خرج فيه حديثين:
أحدهما:
قال:
ج ٣ ص ٤٢٧٤٨٣ - ثنا محمد بن بكر المقدمي: ثنا فضيل بن سليمان: ثنا موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي في تلك الأمكنة.
-
وحدثني نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي في تلك الأمكنة.
-
وسألت سالما، ولا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء.
-
قد ذكرنا فيما سبق في ((باب: اتخاذ المساجد في البيوت) ) حكم أتباع آثار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والصلاة في مواضع صلاته، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك، وكذلك ابنه سالم.
-
وقد رخص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر، وكره ما أحدثه الناس بعد ذلك من الغلو والإفراط، والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في
ج ٣ ص ٤٢٨الشريعة.
-
وقد كان ابن عمر مشهورا بتتبع آثار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن ذلك صلاته في المواضع التي كان يصلي فيها.
- وهي على نوعين:
-
أحدهما: ما كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقصده للصلاة فيه، كمسجد قباء، ويأتي ذكره في موضعه من ((الكتاب) ) - إن شاء الله تعالى.
-
والثاني: ما صلى فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتفاقا لإدراك الصلاة له عنده، فهذا هو الذي اختص ابن عمر بأتباعه.
-
وقد روى ابن سعد: أنا معن بن عيسى: ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: ما كان أحد يتبع آثار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في منازله، كما كان ابن عمر يتبعه.
-
وروى أبو نعيم من رواية خارجة بن مصعب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقلت: هذا مجنون.
-
ومن طريق عاصم الأحول، عمن حدثه، قال: كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئا من تتبعه آثار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ومن طريق أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها، ويقول: لعل خفا يقع على خف -
ج ٣ ص ٤٢٩يعني: خف راحلة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
والمسجد الذي وقع فيه الاختلاف بشرف الروحاء، والروحاء من الفرع، بينها وبين المدينة مرحلتان، يقال: بينهما أربعون ميلا، وقيل ثلاثون ميلا.
-
وفي ((صحيح مسلم) ) : بينهما ستة وثلاثون ميلا.
-
يقال: أنه نزل بها تبع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة، فأقام بها وأراح، فسماها: الروحاء.
-
وقيل: إن بها قبر مضر بن نزار.
-
وقد روى الزبير بن بكار بإسناد له، عن ابن عمر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صلى بشرف الروحاء، عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وعن يسارها وأنت مقبل من مكة.
-
ودون هذا الشرف الذي به هذا المسجد موضع يقال له: ((السيالة) ) ، ضبطها صاحب ((معجم البلدان) ) بتخفيف الياء، كان قرية مسكونة بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبها آثار البناء والأسواق، وآخرها شرف الروحاء، والمسجد المذكور عنده قبور عتيقة، كانت مدفن أهل السيالة، ثم تهبط منه في وادي الروحاء، ويعرف اليوم بوادي بني سالم.
- الحديث الثاني:
-
هو حديث طويل، فنذكره قطعا قطعا، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها:
قال البخاري - رحمه الله -:
ج ٣ ص ٤٣٠٤٨٤ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا أنس بن عياض: ثنا موسى بن
عقبة، عن نافع، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزوة، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب، كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يصلي، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه.
-
ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة، وتسمى - أيضا -: الشجرة، وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع، وقد اعتمر منها مرتين: عمرة الحديبية، وعمرة القضية.
-
وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينزل بها
ج ٣ ص ٤٣١تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها، وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحرم منها، وكان يصلي بها في موضع المسجد.
-
وقد روي أنه صلى في المسجد، ولعل المراد في بقعته وأرضه، قبل أن يجعل مسجدا، حتى يجمع بذلك بين الحديثين.
-
وقد خرج البخاري في ((الحج) ) عن إبراهيم بن المنذر - أيضا -، عن أنس ابن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة
وخرج مسلم من حديث الزهري، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره، عن ابن عمر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نزل بذي الحليفة مبدأه، وصلى في مسجدها.
-
ومن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل.
-
وفي ((الصحيحين) ) من حديث مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، قال: ما أهل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا من عند المسجد - يعني: مسجد ذي الحليفة.
- ج ٣ ص ٤٣٢
وفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة: إلا من عند الشجرة.
-
وخرج البخاري - أيضا - في ((الحج) ) من حديث عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي عز وجل، فقال: صل في هذا الوادي المبارك؛ وقل: عمرة في حجة) ) .
-
ووادي العقيق متصل بذي الحليفة.
-
فهذا كان حال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفره إلى مكة.
-
فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة، أو من غزاة في تلك الجهة، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فيعرس هناك حتى يصبح.
قال الخطابي: التعريس: نزول استراحة بغير إقامة، وفي الأكثر يكون آخر الليل، ينْزلون فينامون نومة خفيفة، ثم يرتحلون.
قال: والبطحاء: حجارة ورمل.
قلت: المراد بالتعريس هنا: نومة حتى يصبح.
-
وقد خرجه البخاري في ((الحج) ) عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن
ج ٣ ص ٤٣٣عياض، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح.
-
وخرج فيه - أيضا - من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها، وكان عبد الله يفعل ذلك.
-
ومن طريق موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنك ببطحاء مباركة. وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق وسط من ذلك.
-
وقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ أخر.
-
فظهر من هذه الأحاديث كلها: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبيت بالمعرس، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح، وأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي هناك، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل
ج ٣ ص ٤٣٤كان قريباً منه.
-
وفي حديث سالم: أن المسجد كان ببطن الوادي، وفي حديث موسى بن عقبة بن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا -، أنه كان مبنياً بحجارة على أكمة، وفي حديثه: أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم
يصلي.
قال الخطابي: الخليج: واد له عمق، ينشق من آخر أعظم منه. والكثب: جمع كثيب، وهو ما غلظ وأرتفع عن وجه الأرض.
-
وقوله: ((فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه) ) .
قال الخطابي: معنى ((دحا السيل) ) : سواه بما حمل من البطحاء. والبطحاء: حجارة ورمل.
-
وهذه الصلاة التي كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية إنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح.