٢٥- باب وقت العشاء إلى نصف الليل
٩٥ فقرة، ج ٤ ص ٣٩٧
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٤ ص ٤٠٢
أحدها: أن تعجيلها أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، بل أشهرهما، وقول مالك.
- ج ٤ ص ٤٠٣
وفي (المدونة) عنه: أنه قال: أحب للقبائل تأخيرها قليلاً بعد مغيب الشفق، وكذلك في الحرس، ولا تؤخر إلى ثلث الليل.
وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك أنه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلاً عنده أفضل.
-
وروي عنه: أن أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر.
-
ورجح الجوزجاني القول باستحباب تعجيل العشاء، وادعى أن التأخير منسوخ، واستدل بما روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخر صلاة العشاء الآخرة تسع ليال – وفي رواية: ثمان ليال -، فقال أبو بكر الصديق: لو عجلت يا رسول الله كان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك يعجل.
-
خرجه الإمام أحمد.
-
وعلي بن زيد جدعان، ليس بالقوي.
-
وروى سويد بن غفلة، قال: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل.
وقال مكحول: كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس إذا غابت الحمرة ببيت المقدس صلوا العشاء.
-
خرجهما أبو نعيم.
-
وهذا منقطع.
- ج ٤ ص ٤٠٤
والقول الثاني: أن تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في (جامعه) عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
قال عبد الرحمن بن يزيد: كنت أشهد مع عبد الله – يعني: ابن مسعود – الجماعة، فكان يؤخر العشاء.
-
وكان ابن عباس يستحب تأخير العشاء، ويقرأ: {زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ} [هود:
ج ٤ ص ٤٠٤١١٤] .
-
وممن رأى تأخير العشاء: أبو حنفية وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه – وقيل: إنه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة -، وأحمد وإسحاق.
-
وعلى هذا؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل.
-
والمنصوص عن أحمد: أن تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض؛ لأنه يكون بذلك مصلياً بعد مغيب الشفق المتفق عليه.
-
وهذا يدل على أن تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقاً، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران -: كما نقله عنه الأثرم.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قدر كم تأخير العشاء الآخرة؟ قال: ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران.
-
فقد نص في رواية غير واحد على أنه يستحب للحاضر تأخير العشاء
ج ٤ ص ٤٠٥حتى يغيب البياض من غير اعتبار للمشقة، ونص على أنه يستحب التأخير مهما قدر بحيث لا يشق على الجيران، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشفق الأبيض.
-
ويدل على صحة هذا، وأن التأخير لا يكون على الدوام إلى نصف الليل ولا إلى ثلثه: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يؤخر على الدوام العشاء إلى آخر وقتها، وإنما أخرها ليلة واحدة أو ليالي يسيرة، وشق ذلك على أصحابه فأخبرهم أنه وقتها لولا أن يشق عليهم، ولم يكن - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشق عليهم، بل كان يراعي التخفيف.
-
ولهذا صح عنه، أنه كان أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم ابطئوا أخر.
-
وحديث أبي بكر المتقدم يدل على مثل ذلك – أيضا.
-
وخرج ابن خزيمة في (صحيحه) وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر مواقيت الصلاة، وقال: ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس.
-
ومما يدل على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يؤخرها دائماً قليلاً، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها: ما خرجه مسلم من رواية سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي الصلوات نحواً من صلاتكم، وكان
ج ٤ ص ٤٠٦يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يخف.
-
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة – يعني: العشاء -، كان رسو الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصليها لسقوط القمر لثالثة.
-
وفي رواية الإمام أحمد: كان يصليها بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة من أول الشهر.
-
وفي رواية له: كان يصليها مقدار ما يغيب القمر ليلة ثالثة – أو ليلة رابعة.
-
وهذا الشك من شعبة، ولم يذكر الرابعة غيره.
قال أحمد: وهم فيه – يعني: في ذكر الرابعة.
-
ومما يدل على اعتبار حال المأمومين، وأنه لا يشق عليهم: ما روى أسامة ابن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن عبد الله، قال: كان معاذ يتخلف عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإذا جاء أم قومه، فاحتبس عنهم معاذ ليلة فصلى سليم وحده وانصرف، فأخبر معاذ ذلك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأرسل إلى سليم، فسأله عن ذلك، فقال: إني رجل أعمل نهاري، حتى إذا أمسيت أمسيت ناعساً، فيأتينا معاذ وقد
ج ٤ ص ٤٠٧أبطأ علينا، فلما أبطأ عليّ أمسيت، ثم انقلبت إلى أهلي. قال: فأرسل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى معاذ: (لا تكن فاتنا تفتن الناس، ارجع إليهم فصل بهم قبل أن يناموا) .
-
خرجه البزار.
-
وخرجه الخرائطي من حديث عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: (ما بال رجال ينفرون عن هذا الدين، يمسون بعشاء الآخرة) .
-
وإسناده ضعيف.
وقال سويد بن غفلة: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل، وينام المريض.
-
فقد تبين بهذا أن هذا القول الثالث، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير، هو الأرجح في هذا المسألة.
-
وقد عقد له البخاري باباً منفرداً، سبق ذكره والكلام عليه.
-
المسألة الثانية:
في آخر وقت العشاء الآخرة، وفيه أقوال:
ج ٤ ص ٤٠٨أحدها: ربع الليل، حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور، عن إسحاق.
-
والقول الثاني: إلى ثلث الليل، روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة وعمر ابن عبد العزيز، وهو المشهور عن مالك، وأحد قولي الشافعي، بل هو أشهرهما، ورواية عن أحمد، وقول أبي ثور وغيره.
-
والقول الثالث: إلى نصف الليل، وروي عن عمر بن الخطاب – أيضا -، وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنفية، والشافعي في قوله الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق، وحكي عن أبي ثور – أيضا.
-
وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه.
-
وحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل، وآخر انتهائها نصفه، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يوافق على ما قاله في هذا.
-
والقول الرابع: ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر.
-
رواه ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، قال: إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر.
-
وهو قول داود.
-
ورواه ابن وهب، عن مالك، إلا أن أصحابه حملوه
ج ٤ ص ٤٠٩على حال أهل الأعذار؛ فإن قول من قال: آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه، إنما أراد وقت الاختيار.
وقالوا: يبقى وقت الضرورة ممتداً إلى طلوع الفجر، فلو استيقظ نائم، أو أفاق مغمى عليه، أو طهرت حائض، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء.