٢٧- باب وقت الفجر
١٨٤ فقرة، ج ٤ ص ٤٢١
الصفحة ١ من ٥
- ج ٤ ص ٤٢١
صلاة الفجر تسمى صلاة الفجر؛ قال تعالى: {مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ} [النور: ٥٨] وقال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] .
-
وتسمى صلا الصبح، والأحاديث بذلك كثيرة.
قال الشافعي: ولا أحب أن تسمى صلاة الغداة، وكرهه بعض أصحابه، ولا دليل لقوله، والأحاديث تدل على خلافه، وقد سبق حديث جابر: (والصبح كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصليها بغلس) ، وحديث أبي برزة، (أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة) ، وهذا يدل على شدة التغليس بها.
-
وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
- الحديث الأول:
- ج ٤ ص ٤٢١
٥٧٥ - حدثنا عمرو بن عاصم: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، أن زيد بن ثابت حدثه، أنهم تسحروا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قاموا إلى الصلاة.
قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين - يعني: آية.
- ج ٤ ص ٤٢٢
٥٧٦ - حدثنا الحسن بن الصباح: سمع روح بن عبادة: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصليا.
قلت لأنس: كم بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
-
مقصود البخاري: تبيين الاختلاف في إسناد هذا الحديث على قتادة، فهمام جعله عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت، وسعيد بن أبي عروبة جعله عن قتادة عن أنس من مسنده.
-
وقد خرجه البخاري في (الصيام) من حديث هشام الدستوائي، عن قتادة ومسلم من رواية هشام وهمام وعمر بن عامر، كلهم عن قتادة، عن أنس، عن زيد.
-
وفي رواية البخاري: (كم بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) .
وقال عفان وبهز بن أسد، عن همام في حديثه: قلت لزيد: كم بين ذلك؟
-
فصرح بأن المسؤل زيد.
-
وقد خرجه عنهما الإمام أحمد.
- ج ٤ ص ٤٢٣
وكذا رواه خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن زيد، وقال في حديثه: (أنس القائل: كم كان بينهما) .
-
فخالف خالد سائر أصحاب سعيد في ذكره زيداً في الإسناد.
-
وقد خرجه الإسماعيلي في (صحيحه) ، وقال: يحتمل أن يكون أنس سأل زيداً فأخبره، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنساً فأرسل له قدر ما كان بينهما، كما أرسل أصل الخبر، ولم يقل: عن زيد.
-
وهذا يدل على أن الصواب عنده: أن الحديث عن أنس، عن زيد، فهو من مسند زيد، لا من مسند أنس.
-
ورواه معمر، عن قتادة كما رواه سعيد، جعله من مسند أنس.
-
خرجه النسائي من طريقه.
-
ولفظ حديثه: عن أنس، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك عند السحر -: (يا أنس، إني أريد الصيام، أطعمني شيئاً) ، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال. قال: (يا أنس، انظر رجلاً يأكل معي) ، فدعوت زيد بن ثابت، فجاءه، فقال: (إني شربت شربة من سويق، وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وأنا أريد الصيام) ، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة.
-
ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: الاستدلال به على تغليس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصلاة الفجر؛ فإنه تسحر ثم قام إلى الصلاة، ولم يكن بينهما إلا قدر خمسين آية.
-
وأكثر الروايات تدل على أن ذلك قدر ما بين السحور والصلاة.
-
وفي رواية البخاري المخرجة في (الصيام) : أن ذلك قدر ما بين
ج ٤ ص ٤٢٤[الأذان و] السحور.
-
وهذه صريحة بأن السحور كان بعد أذان بلال بمدة قراءة خمسية آية.
-
وفي رواية معمر: أنه لم يكن بين سحوره وصلاة الفجر سوى ركعتي الفجر، والخروج إلى المسجد.
-
وهذا مما يستدل به على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى يومئذ الصبح حين بزغ الفجر.
-
وقد روى حذيفة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحو حديث زيد، لكنه استدل به على تأخير السحور، وأنه كان بعد الفجر.
-
فروى عاصم، عن زر بن حبيش، قال: تسحرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة بن اليمان، فدخلت عليه، فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت، ثم قال: ادن فكل. فقلت: إني أريد الصوم. فقال: وأنا أريد الصوم، فأكلنا وشربنا، وأتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، فقال حذيفة: هكذا فعل بي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قلت: أبعد الصبح؟ قال: نعم، هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس.
-
خرجه الإمام أحمد.
-
وخرج منه النسائي وابن ماجه: أن حذيفة قال: تسحرت مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
-
وقد روي من غير وجه، عن حذيفة.
قال الجوزجاني: هو حديث أعيا أهل العلم معرفته.
- ج ٤ ص ٤٢٥
وقد حمل طائفة من الكوفيين، منهم: النخعي وغيره هذا الحديث على جواز السحور بعد طلوع الفجر في السماء، حتى ينتشر الضوء على وجه الأرض.
-
وروي عن ابن عباس وغيره: حتى ينتشر الضوء على رؤوس الجبال.
-
ومن حكى عنهم، أنهم استباحوا الأكل حتى تطلع الشمس فقد أخطأ.
-
وأدعى طائفة: أن حديث حذيفة كان في أول الإسلام ونسخ.
-
ومن المتأخرين من حمل حديث حذيفة على أنه يجوز الأكل في نهار الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر، ولا يكتفي بغلبة الظن بطلوعه.
-
وقد نص على ذلك أحمد وغيره؛ فإن تحريم الأكل معلق بتبين الفجر، وقد قال علي بعد صلاته للفجر: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
-
وأنه يجوز الدخول في صلاة الفجر بغلبة ظن طلوع الفجر كما هو قول أكثر العلماء على ما سبق ذكره.
-
وعلى هذا، فيجوز السحور في وقت تجوز فيه صلاة الفجر، إذا غلب على الظن طلوع الفجر، ولم يتيقن ذلك.
-
وإذا حملنا حديث حذيفة على هذا، وأنهم أكلوا مع عدم تيقن طلوع الفجر، فيكون دخولهم في الصلاة عند تيقن طلوعه والله أعلم.
- ج ٤ ص ٤٢٦
ونقل حنبل عن أحمد، قال: إذا نور الفجر وتبين طلوعه حلت الصلاة، وحرم الطعام والشراب على الصائم.
-
وهذا يدل على تلازمهما، ولعله يرجع إلى أنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بعد تيقن دخول الوقت.