المبحث السابع: حكم الرواية بالمعنى
٤٦ فقرة، ج ١ ص ٢٧٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٧٩
اختلف المتقدمون في شأن جواز رواية الحديث بالمعنى على مذهبين مشهورين:
[المذهب الأول: جواز الرواية بالمعنى]
-
وثبتت الرواية به عن أكثر الأئمة من السلف، منهم: واثلة بن الأسقع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد المكي، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعمرو بن دينار، والزهري، وجعفر الصادق، والشافعي، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، ووكيع بن الجراح، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
-
وروي عن عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، ولم بثبت عنهم.
-
وروي مرفوعاً في جواز الرواية بالمعنى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: عن واثلة بن الأسقع، وعبد الله بن عمرو، وسليمان بن أكيمة الليثي، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، ورجل من الصحابة، ولا يثبت منها شيء، وليس فيها ما تتقوى به (١) .
- (١)كما شرحت ذلك في " تنقيح النقول من نوادر الأصول " (رقم: ٩٨ _ ١٠١).
- ج ١ ص ٢٨٠
ومن دليل أصحاب هذا المذهب:
ما جاء عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ؛ لأن القرآن أعظم حرمة، ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحداً " (١) .
وقال الرامهرمزي: " ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا المذهب: أن الله تعالى قد قص من أنباء ما قد سبق قصصاً، كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان، وغير ذلك " (٢) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (٣١٦) وإسناده جيد. كما روى معناه من وجهٍ آخر.
- (٢)المحدث الفاصل (ص: ٥٣٠)، وذكر أن مثل هذا الاستدلال قد حُكي عن الحسن البصري، وساقه، لكن في إسناده نظرٌ.
-
كذلك قال الخطيب: " اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي صلى الله عليه وسلم، وللسامع بقوله، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه، وغير اللغة العربية، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله، سيِّما إذا كانوا السفير يعرف اللغتين، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان؛ لأنه لا يأمن الغلط وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه.
-
وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه، دون إيراد نفس لفظه وصورته.
-
وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه , والعلم بأحكامه.
- ج ١ ص ٢٨١
ويدل على ذلك: أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغيير معنى اللفظ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك، كان مخبراً بالمعنى المقصود من اللفظ وصادقاً على الرسول الله صلى الله عليه وسلم " (١) .
- (١)الكفاية (ص: ٣٠٣ _ ٣٠٤).
-
وابن حزم يعيد ما يكون من اختلاف الألفاظ في بعض الروايات إلى سبب آخر، فيقول: " ليس اختلاف الروايات عيباً في الحديث إذا كان المعنى واحداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث، كرره ثلاث مرات، فنقل كل إنسان بحسب ما سمع، فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحداً " (٢) .
قلت: لكن هذا الاستدلال ضعيف لما يقع من الاختلاف في الرواية المتحدة المخرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو الشأن في الحديث الذي قصده ابن حزم بهذا التنبيه، فإنه حديث واحد، مخرجه رواية أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابنه أبو بردة، وعنه بريد بن عبد الله، ووقع في روايات الرواة عنه اختلاف في بعض الألفاظ، فهذا لا يحسن الاستدلال لمثله بمثل ما صنع ابن حزم.
- (٢)الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٣٩).
-
وأحسبه ألجأه إلى ذلك تشديده في منع رواية الحديث بالمعنى أصلاً، فإنه قال: " من حدث وأسند القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها، لا يبدل حرفاً مكان آخر، وإن كان معناهما واحداً، ولا يقدم حرفاً ولا يؤخر آخر " (٣) .
- (٣)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٦).
-
والمذهب الثاني: التمسك باللفظ
وثبتت الرواية به عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، والقاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة، وأبي معمر
ج ١ ص ٢٨٢الأزدي، وعبد الله بن طاوس، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم.
- وأصله من السنة حديثان صحيحان:
-
الأول: عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نضر (١) الله امرأً سمع منا حديثاً، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع " (٢) .
- (١)بالتخفيف أصح. قال الرامهرمزي: " قوله صلى الله عليه وسلم: نضَر الله امرأً، مُخففٌ، وأكثر المحدثين يقوله بالتثقيل إلا من ضبط منهم، والصواب التخفيف، ويحتمل معناه وجْهين: أحدهما: يكون في معنى ألبسه الله النضرة، وهي الحُسنُ وخلوصُ اللون، فيكون تقديره: جمَّله الله وزينه. والوجه الثاني: أن يكون في معنى أوْصله الله إلى نضرة الجنة، وهي نِعمتها ونضارتها " ثم استدل لذلك (المحدث الفاصل، ص: ١٦٧)، وانظُر كذلك: تَصحيفات المحدثين، لأبي أحمد العَسكري (١/ ٣٥٨).
- (٢)حديث صحيح. أخرجه الترمذي (رقم: ٢٦٥٧) وأبو يعلى (٩/ ١٩٨ رقم: ٥٢٩٦) والبزار (٥/ ٣٨٢ رقم: ٢٠١٤) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٩، ١٠) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ١٦٦) والهيثم الشاشي في " مسنده " (رقم: ٢٧٦) وابن حبان (رقم: ٦٦، ٦٨) وأبو عمرو المديني في " جزء حديث: نضَر الله امرأ سمع مقالتي " (رقم: ١، ٢) والخليلي في " الإرشاد " (٢/ ٦٩٨ _ ٦٩٩) من طُرق عِدة عن سِماك بن حربٍ، قال: سمعت عبدَ الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، به. رواه عن سماك من الثقات: شُعبة بن الحجاج، وعلي بن صالح، وحماد بن سلمة، وإسرائيل بن يونس، وعمرْو بن أبي قيس. وسماك صدوق جيد الحديث في غير روايته عن عكرمة مولى ابنِ عباس. تابعه عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، به. أخرجه البزار (٥/ ٣٨٥ رقم: ٢٠١٩) وابن عدي في " الكامل " (٨/ ٢٢٣) من طريقين عن مِهران بن أبي عُمر، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الملك. قلت: وهذه طريقٌ حسنة، طريق البزار عن مِهران صحيح، ومِهران صدوق فيه لين، ومن فوقه ثقات، وإن كانَ قد أغرب بهذا عن إسماعيل بن أبي خالد. ورواه إسحاق بن منصور السلولي عن هُريم بن سفيان، وجعفرِ بن زياد الأحمر، كلاهما عن عبد الملك، به. أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢/ ١٧٩ _ ١٨٠ رقم: ١٣٢٦ وفي سنده سقط) والسهمي في " تاريخ جُرجان " (ص: ١٩٩ _ ٢٠٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٦٧). كما أخرجه مُقتصراً على (هُريم) فقط: البيهقي في " دلائل النبوة " (١/ ٢٣) من طريق إسحاق بن منصور، وابن جُميع في " مُعجمه " (ص: ٣١٥) من طريق يحيى بن أبي بُكير، كلاهما عن هُريم. قلت: وإسناده صحيح، هريم وجعفرٌ ثقتان. وقد قال الترمذي: " حديث حسنٌ صحيح ".
- ج ١ ص ٢٨٣
وهذا المعنى مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه.
-
ومما يتعلق به منا أيضاً في هذا الباب مما ثبت إسناده:
حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نضر الله امرأً سمع قولي، ثم لم يزد فيه " وذكر سائر الحديث (١) .
- (١)حديث حسنٌ. أخرجه أبو عمْرو المديني في " جزئه في هذا الحديث " والحاكم في " المدخل إلى الصحيح " (ص: ٨٥ _ ٨٦) وفي إسناده تحريف) وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (رقم: ١٩٩) من طُرقِ عن عبد الجبار بن عاصم، قال: حدثنا هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلةَ، عن إبراهيم بن أبي عبلةَ، حدثني عقبة بن وَساج، عن أنس، به. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله غيرُ هانئ ثقات، أما هوَ فلا بأس به.
-
والحديث الثاني: عن البراء بن عازب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهم آخر ما تتكلم به " .
قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: " اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت " قلت: ورسولك، قال: " لا، ونبيك الذي أرسلت " (٢) .
- (٢)حديث صحيح. مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٢٤٤، ٥٩٥٢) ومُسلم (رقم: ٢٧١٠) من طريق سعْد بن عبيدة، حدثني البراء، به. ورواه غيره عن البراء.
- تحرير القول في دلالة هذين الحديثين:
-
أجاب الرامهرمزي بقوله: " قوله: (فأداها كما سمعها) فالمراد منه حكمها لا لفظها، لأن اللفظ غير معتبر به، ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله: (فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) " (١) .
- (١)هذا السياق الذي علَّق عليه الرامهرمزي للحديث، جاءَ من رواية أبي الحويْرث عبْد الرحمن بن معاوية، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " نضر الله امرأً سمع مقالتي، فحفظها، فأداها كما سمعها، فرُب حامل فِقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حاملِ فقه غيرُ فقيه ". أخرجه البزار (٨/ ٣٤٢ رقم: ٣٤١٦) وإسناده حسن. وهو مُخرَّجٌ في غير موضعٍ نحوه، كما رواه كذلك غيرُ أبي الحويرث عن مُحمد بن جبير.
-
وأقول: كذلك فإن هذا في حق من لم يكن بفقيه، فهو إذا روى بالمعنى فربما حرف فيه، وشرط جواز الرواية بالمعنى: أن يكون عالما ً بما رواه بالمعنى.
-
ثم إن هذا الحديث نفسه قد نقله الناقلون الثقات فاختلفوا في لفظه، واتفقوا في معناه، فذلك في نفسه دليل على صحة الرواية بالمعنى، ومبطل للاستدلال به على منع ذلك بإطلاق (٢) .
- (٢)وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٣٠٥).
-
وأما رده عليه السلام الرجل من قوله: (برسولك) إلى قوله: (وبنبيك) ، فإن النبي أمدح، ولكل نعت من هذين النعتين موضع، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة، واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام؟ وإنما فضل المرسلون من الأنبياء؛ لأنهم جمعوا النبوة والرسالة جميعاً، فلما قال: (وبنبيك الذي أرسلت) جاء بالنعت الأمدح، وقيده بالرسالة بقوله: (الذي أرسلت) . وبيان آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو المعلم للرجل الدعاء، وإنما القول في اتباع اللفظ إذا كان المتكلم حاكياً لكلام
ج ١ ص ٢٨٥غيره، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل الرجل من قوله: (وبرسولك) إلى قوله: (وبنبيك) ليجمع بين النبوة والرسالة، ومستقبح في الكلام أن يقول: (هذا رسول عبد الله الذي أرسله) ، و (هذا قتيل زيد الذي قتله) ؛ لأنك تجتزئ بقولك: (رسول فلان) و (قتيل فلان) عن إعادة اسم المرسل والقاتل، إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول، وإنما يحسن أن تقول: (هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو) ، و (هذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس) أو: (في وقعة كذا) " (١) .
قلت: وهذا الجواب محقق للغرض في الإبانة عن دلالة هذين الخبرين، وليس فيهما مقابلة لما استدل به الجمهور على الجواز.
- (١)المحدث الفاصل (ص: ٥٣١ _ ٥٣٢)، ومعناه في " الكفاية " (ص: ٣٠٦).
-
ثم إن جميع المنقول عمن ذهب هذا المذهب من السلف ليس فيه قول واحد مقتضاه المنع للرواية بالمعنى، وإنما على معنى الاجتهاد في الإتيان بالحديث على لفظه ما أمكن، وهذا مقصد لم يتجاوزه المجوزون، بل المعروف عنهم الاجتهاد في الألفاظ، لكن للمشقة سهلوا أن يؤدى الحديث على المعنى، وليس ذلك عندهم بإطلاق، وإنما بشرط أن يكون مؤديه على هذا الوجه فقيها ً عالماً بما يحيل المعاني، لئلاَّ يقع في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
-
فالأصل الذي لا يختلف فيه: أن يؤديه بلفظه، وهذا بلا ريبة أبرأ للذمة، وأنفع للأمة، وأبعد عن التهمة.
-
كما قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: " من سمع حديثاً، فحدث به كما سمع، فقد سلم " (٢) .
- (٢)أثرٌ صالح. أخرجه مسلم في " التمييز " (رقم: ٩) والرامهرمزي (ص: ٥٣٨) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٦٧) وإسناده صحيح، فيه الرديني بن أبي مجلز وهو شيخ ليس بالمشهور، وسائر الإسناد إما ثقةٌ وإما صدوقٌ.
- ج ١ ص ٢٨٦
والأداء باللفظ محقق لصاحبه ثواب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في الحديث المتقدم.
-
لكن ذلك لا يتجاوز درجة الاستحباب، وقد كان محمد بن سيرين من أشد من كان يبالغ في الألفاظ، ومع ذلك كان يقول: " كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد " (١) .
- (١)أثرٌ صحيح. أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣٢٧، ٤٥١، رقم ٢٠٦٧٢، ٢٠٩٧٧) ومن طريقه: ابن سعد (٧/ ١٩٤) والترمذي في (العلل) في آخر " الجامع " (٦/ ٢٣٩) ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٦٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣١١) وابن عبد البر في " بيان العلم " (رقم: ٤٦٤، ٤٦٥) _ أخبرنا مَعْمرٌ، عن أيوب، عن ابن سيرين، به. قلت: هذا إسناد صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٣٤) من طريق الواقدي، حدثنا مَعمر، به.
-
فلم يمنعه تشدده في أداء الحديث بلفظه الذي سمع، أن يكون سمعه ممن فوقه على المعنى.
-
وحيث إن العبرة في نصوص السنة ما تدل عليه من الأحكام والشرائع، فإن الأداء للحديث بمعناه عند مشقة الإتيان بلفظه، محقق للغرض، ما دام المعنى صحيحاً موافقاً لدلالة أصل لفظه.
-
نعم، الرواية بالمعنى استعمال الراوي لاجتهاده في الألفاظ في سياقه الحديث، وهذا قد يقع له فيه الغلط، ولذا، فإن من صور العلل الواردة على الأحاديث النبوية: التعليل بالخطأ بسبب الرواية بالمعنى.
-
وتتفرع عن هذا المبحث مسائل:
المسألة الأولى: هل يجوز اختصار الحديث؟
-
عن عبد الله بن المبارك، قال: " علَّمنا سفيان اختصار الحديث " (٢) .
- (٢)أخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٤٣) من طريق ابن عائشة عن ابن المبارك، به. وفي إسناده شيخ الرامهرمزي وهُو أبوه لم أقف على بيان أمْره.
- ج ١ ص ٢٨٧
وذهب بعض أئمة الحديث إلى المنع من ذلك.
قال يحيى بن آدم: " ما رأيت أحداً يختصر الحديث إلا وهو يخطئ، إلا ابن عيينة " (١) .
وقال العباس بن محمد الدوري: سئل أبو عاصم النبيل: يكره الاختصار في الحديث؟ قال: " نعم؛ لأنهم يخطئون المعنى " (٢) .
- (١)أخرجه ابن أبي خيثمة في (أخبار المكيين) من " تاريخه " (ص: ٣٨٢) بإسناد صالح.
- (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٩١) وإسناده صحيح.
-
قال الخطيب وقد ذكر اختلافاً لأهل العلم بالحديث في ذلك جوازاً ومنعاً: " الذي نختاره في ذلك: أنه إن كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم وشرط وأمر لا يتم التعبد والمراد بالخبر إلا بروايته على وجهه، فإنه يجب نقله على تمامه، ويحرم حذفه؛ لأن القصد بالخبر لا يتم إلا به، فلا فرق بين أن يكون ذلك تركاً لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصلاة، أو تركاً لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة، كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال: لا يحل اختصار الحديث " (٣) .
- (٣)الكفاية (ص: ٢٩٠).
-
ثم بين الخطيب بما لا مزيد عليه الصورة التي يجوز معها الاختصار للحديث، أو تقطيعه، بما يجمع بين مذاهب العلماء ويجري على المعقول الصحيح، فقال:
" فإن كان المتروك من الخبر متضمناً لعبارة أخرى، وأمراً لا تعلق له بمتضمن البعض الذي رواه، ولا شرطاً فيه؛ جاز للمحدث رواية الحديث على النقصان، وحذف بعضه، وقام ذلك مقام خبرين متضمنين عبارتين منفصلتين وسيرتين وقضيتين لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فكما يجوز لسامع الخبر فيما تضمنه مقام الخبرين اللذين هذه حالهما رواية أحدهما دون
ج ١ ص ٢٨٨الآخر، فكذلك يجوز لسامع الخبر فيما تضمنه مقام الخبرين المنفصلين رواية بعضه دون بعض " (١) .
قال الخطيب: " وإن كان النقصان من الحديث شيئاً لا يتغير به المعنى، كحذف بعض الحروف والألفاظ، والراوي عالم واع محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان، فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى، دون من لم يجز ذلك " (٢) .
- (١)الكفاية (ص: ٢٩٢).
- (٢)الكفاية (ص: ٢٩٣).
-
وفي اختلاف الفقهاء مسائل عديدة، يعود سبب اختلافهم فيها إلى اختلاف روايات الحديث اختصاراً وإتماماً، فيستدل كل فريق بما وقع له من الرواية، والواجب في هذا أن تعاد الرواية المختصرة للمطولة التامة، لتفسر ما أبهم منها.
-
المسألة الثانية: تقطيع متن الحديث من أجل تفريقه في الأبواب:
إذا كان المتن متضمناً لما يمكن أن يستقل عن غيره مما جاء في نفس سياقه، فلا حرج في فصل الجزء المستقل منه ليوضع فيما يناسبه من بابه، فإن السورة من القرآن تستل الآية منها للاستدلال بها في الباب من الأبواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحديث، إذا صح وجود معنى الاستقلال للجزء المقطوع منه.
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري: سألت أبا عبد الله (يعني أحمد) عن الرجل يسمع الحديث، وهو إسناد واحد، فيقطعه ثلاثة أحاديث؟ قال: " لا يلزمه كذب، وينبغي أن يحدث بالحديث كما سمع، ولا يغيره " (٣) .
ج ١ ص ٢٨٩قلت: ولا ريب أن اعتبار هذا المعنى الذي ذكره أحمد إنما هو عند أداء الحديث من قبل الراوي، أما الاستدلال منه بقصد الاستدلال فالفسحة فيه أظهر.
- (٣)مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٦٦).
-
والواقع التطبيقي في مصنفات الحديث، خصوصاً تلك التي اعتنت بالأبواب، كثرة وقوع ذلك فيها، و (صحيح البخاري) من أكثرها استعمالاً لذلك.
-
[المسألة الثالثة: إحالة الرواية على سياق مذكور]
-
المقصود به: أن يسوق مخرج الخبر حديثاً بإسناده ومتنه، ثم يخرج بعده متابعة أو شاهداً، فلا يسوق اللفظ، ويقول بعد الفراغ من الإسناد مثلاً: (مثله) أو (نحوه) ، يحيل على اللفظ المتقدم.