المبحث الثامن: مسائل متممة لركن الضبط
٧ فقرات، ج ١ ص ٢٩١
- ج ١ ص ٢٩١
المسألة الأولى: إصلاح الخطأ في السماع أو الكتاب هل ينافي الضبط؟
قال أبو معمر عبد الله بن سخبرة الأزدي: " إني لأسمع الحديث لحناً، فألحن؛ اتباعاً لما سمعت " (١) .
وقال إسماعيل بن أمية: " كنا نرد نافعاً عن اللحن، فيأبى إلا الذي سمع " (٢) .
وقال عيسى بن يونس: قال رجل للأعمش: إن كان ابن سيرين ليسمع الحديث فيه اللحن، فيحدث به على لحنه. فقال الأعمش: " إن كان ابن سيرين يلحن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلحن " ، يقول: قومه (٣) .
ج ١ ص ٢٩٢وقال الأوزاعي: لا بأس بإصلاح الخطأ واللحن والتحريف في الحديث " (١) .
وقال الأوزاعي أيضاً: " أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عرباً " (٢) .
وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد الله (يعني ابن المبارك) : الرجل يسمع الحديث فيه اللحن، يقيمه؟ قال: " نعم، كان القوم لا يلحنون " (٣) .
- (١)أثرٌ صحيح. أخرجه الدارمي (رقم: ٣٢٥) والرامهرمزي (ص: ٥٤٠) وإسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥٦) والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٠٥٣) بإسناد رجاله ثقات، والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٨٥) بإسناد يعتبر به، ومعناه للخطيب كذلك من وجْهٍ آخر، لكن في إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني وليس بثقة، وأبو معْمر من ثقات التابعين من أصحاب ابن مسعود.
- (٢)أثرٌ صحيح. أخرجه مسلم في " التمييز " (رقم: ١٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٨٥ _ ٢٨٦) و " الجامع " (رقم: ١٠٥٥) وإسناده صحيح. وكذلك معناه عندَ ابن أبي شيبة (٩/ ٥٦) بإسناد صحيح. ونافع: هو مولى عبد الله بن عمر.
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٩٥، ٣٦٥) بإسناد صحيح.
- (١)أخرجه أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٢٦٥) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٥٢٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٦٥) و " الجامع " (رقم: ١٠٦٠) وابن عبد البر في " بيان العلم " (رقم: ٤٥٧) بإسناد صحيح. ورُوي عن عامر الشعبي نحو هذا، لكنه من طريق جابر الجُعفي عنه، وجابرٌ ليس بثقة.
- (٢)أخرجه أبو زرعة في " تاريخه " (١/ ٢٦٥) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٥٢٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٩٦) وابن عبد البر في " بيان العلم " (رقم: ٤٥٤، ٤٥٥) وإسناده صحيح.
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٩٧) وإسناده صحيح.
-
وسئل أحمد بن حنبل: يجيء الحديث فيه اللحن وشيء فاحش، فترى أن يغير؟ أو يحدث به كما سمع؟ قال: " يغيره _ شديداً _، إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يلحنون، إنما يجيء اللحن ممن هو دونهم، يغير _ شديداً (٤) _ " (٥) .
وقال عباس الدوري: قلت ليحيى (يعني ابن معين) : ما تقول في الرجل يقوم للرجل حديثه، ينزع عنه اللحن؟ فقال: " لا بأس به " (٦) .
- (٤)الأشْبه أن يكون هذا من قبيل الوصْف لتأكيد قول أحمد، أي قال: يُغير مُشدداً في ذلك، وعليه فهذه الكلمة في الموضعين من قول ابن هانئ ناقل هذا عن أحمد.
- (٥)مسائل أحمد بن حنبل، رواية ابن هانئ النسابوري (٢: ٢٣٤ _ ٢٣٥).
- (٦)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤١٩٥).
-
وسئل النسائي عن اللحن في الحديث؟ فقال: " إن كان شيئاً تقوله العرب وإن كان في غير لغة قريش فلا يغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم الناس
ج ١ ص ٢٩٣بلسانهم، وإن كان ما لا يوجد في كلام العرب فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلحن " (١) .
قال الحافظ الرامهرمزي: " أما تغيير اللحن، فوجوبه ظاهر؛ لأن من اللحن ما يزيل المعنى ويغيره عن طريق حكمه، وكثير من رواة الحديث لا يضبطون الإعراب ولا يحسنونه، وربما حرفوا الكلام عن وجهه، ووضعوا الخطاب في غير موضعه، وليس يلزم من أخذ عن هذه الطائفة أن يحكي ألفاظهم إذا عرف وجه الصواب، إذا كان المراد من الحديث معلوماً ظاهراً، ولفظ العرب به معروفاً فاشياً، ألا ترى أن المحدث إذا قال: (لا يؤم المسافر المقيم) فنصب المسافر ورفع المقيم .. ؛ كان قد أحال " (٢) .
قلت: والقول بجواز نقل الحديث على المعنى بشروطه يصحح مذهب من قال: يغير اللحن، بل ينبغي أن يجوزه حتى من أوجب اتباع اللفظ؛ لما علل به أحمد والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فالذي يوجبه اتباع اللفظ أن يصلح اللحن؛ ليأتي على وفاق لفظ النبي صلى الله عليه وسلم.
- (١)الإلماع، للقاضي عِياض (ص: ١٨٣).
- (٢)المحدث الفاصل (ص: ٥٢٧).
-
لكن قال القاضي عياض: " حماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم " وبين أنه يحكى كما جاء ويبين (٣) .
وقال: " وأحسن ما يعتمد عليه في الإصلاح أن ترد تلك اللفظة المغيرة في أحاديث أخرى، فإن ذكرها، على الصواب في الحديث آمن أن يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل بخلاف إذا كان إنما أصلحها بحكم علمه ومقتضى كلام العرب " (٤) .
- (٣)الإلماع (ص: ١٨٦ _ ١٨٧).
- (٤)الإلماع (ص: ١٨٧).
- ج ١ ص ٢٩٤
المسألة الثانية: حكم رواية الضرير من الكتاب.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي، قلت: ما تقول في سماع الضرير البصر؟ قال: " إذا كان يحفظ من المحدث فلا بأس، وإذا لم يكن يحفظ فلا، قد كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي يرى أنه لم يحفظه يقول: في كتابنا، أو: في كتابي عن أبي إسحاق الشيباني، فلا يقول: حدثنا، ولا سمعت " . قلت: فالأمي؟ قال: " هو كذلك بهذه المنزلة، إلا ما حفظ من المحدث " (١) .
وقال أبو معاوية: " ما سعت من الشيخ وحفظته عنه قلت: حدثنا، وما قرئ علي من الكتب قلت: ذكر فلان " (٢) .
قال الخطيب: " ونرى العلة التي لأجلها منعوا صحة السماع من الضرير والبصير الأمي، هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما " (٣) .
قلت: وهذه العلة إذا انتفت بتحفظ الراوي واحتياطه المانع من هذه المظنة، فلا مانع في صحة الرواية عنه.
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٣٨) وإسناده صحيح.
- (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٧٩) وإسناده صحيح.
- (٣)الكفاية (ص: ٣٣٩).
-
المسألة الثالثة: تساهل الرواة في الإتقان فيما بعد رأس سنة ثلاث مئة.
قال الذهبي مبيناً شرطه في " الميزان " : " من قد تكلم فيه من المتأخرين لا أورد منهم إلا من قد تبين ضعفه واتضح أمره من الرواة؛ إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة؛ بل على المحدثين والمقيدين، والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره. فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاث مئة. ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم معي إلا
ج ١ ص ٢٩٥القليل، إذ الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر، فالعمدة على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم " (١) .
- (١)ميزان الاعتدال (١/ ٤).
-
وفي ترجمة (أبي بكر بن خلاد) المتوفى سنة (٣٥٩) نقل الذهبي في " السير " توثيقه عن بعض النقاد، ونقل عن الخطيب قوله فيه: " كان لا يعرف شيئاً من العلم، غير أن سماعه صحيح "، ثم قال الذهبي: " فمن هذا الوقت، بل وقبله، صار الحفاظ يطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقن وإثبات عدل، وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون " (٢) .
قلت: وحيث تبين مرادهم فلا يوجب سوى الاحتياط في تحقيق هذا المراد، إذ العبرة بصحة نقل الكتب والأجزاء.
- (٢)سير إعلام النبلاء (١٦/ ٦٩).