المبحث الأول: صور الجرح غير المؤثر
٩٥ فقرة، ج ١ ص ٣٥٨
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٣٥٨
اعلم أنه ليس كل جرح في الراوي مقبولاً، فلا يعتد إلا بجرح من أهله، ولا يعتد بجرح إلا بصيغة بينة واضحة أن علة جرحه كذا كذا، وكانت تلك الجرحة قادحة، وسلمت من المعارض الراجح.
-
وقد وقع في هذا الباب القدح في الرواة بأسباب غير معتبرة في التحقيق، أقدم بيانها ليخلص القول بعدها في تحرير القول في الأسباب المؤثرة، وذلك في صور:
الصور الأولى: استعمال المباحات، أو ما يختلف فيه الاجتهاد حلاًّ وحرمة.
-
فوقع الراوي في الشيء من ذلك لا يجوز أن يعد قادحاً، إذ استعمال المباح مشروع، ولا يقدح في العدالة استعمال المشروعات، ولا يصح أن تكون مفسقات، وإن جرى العرف بتركها على التحقيق، فإن العرف لا يصلح دليلاً على المنع مما أباحه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
-
وما يختلف فيه الاجتهاد، فهذا إن فعله الراوي فلا يقدح فيه من جهة ما يكون له معه من عذر المخالفة، وخلاف العلماء في الأحكام كثير بينهم.
- ج ١ ص ٣٥٩
وقد جاوز بعض النقاد فجرح الراوي أو تركه لمثل ذلك، فمن أمثلته:
١ _ قال شعبة بن الحجاج: " لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق، فرأيته يلعب بالشطرنح، فتركته، فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه " (١) .
قال الخطيب: " ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية وسلامته من الكبائر، فكتب حديثه نازلاً " (٢) .
قلت: ومعروف عن شعبة تشديده في ترك حديث الراوي لشيء رآه منه في غير الحديث، مما يحتمل التأويل أو الخطأ.
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٨٣) بإسناد صحيح.
- (٢)الكفاية (ص: ١٨٣).
-
عن ورقاء بن عمر، قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: " رأيته يزن إذا وزن فيرجح في الميزان، فتركت حديثه " ، وقلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: " رأيته يركض دابته، فتركت حديثه " (٣) .
- (٣)أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٣٠ وإسناده حسن، وبعضه أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٨٢).
-
وكان شعبة يقع في (الخصيب بن جحدر) يقول: " رأيته في الحمام يغير مئزر " (٤) .
وقال يحيى القطان: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتاً، فتركه، يعني الغناء (٥) .
- (٤)أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٢/ ٣٠) وإسناده صحيح.
- (٥)أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٨/ ٤١) وإسناده صحيح. وفسَّر أبو حاتم الرازي ذلك الصوت بقوله: " يعني أنه سمع صوْت قراءة بألحان، فكرهَ السماع منه لأجل ذلك " (تقدمة الجرح والتعديل، ص: ١٥٣ ونحوه ص: ١٧٢). والصواب أنه الغِناء أو آلته، فقد أخرج الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٨٣) بإسناد صحيح إلى شُعبة، قال: " أتيت منزل المنهال بن عمرو، فسمعت فيه صوت الطنبور، فرجعت "، فقال له وهْب بن جرير: فهلاَّ سألت؟ عسى ألا يعلم هو.
- ج ١ ص ٣٦٠
٢ _ وقال جرير بن عبد الحميد: " أتيت سماك بن حرب، فرأيته يبول قائماً، فرجعت ولم أسأله عن شيء، قلت: قد خرف " (١) .
- (١)أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (٤/ ٥٤١) بإسناد صحيح.
-
٣ _ وقصة شرب الكوفيين للنبيذ معروفة، وقولهم فيه مشهور في عصر النقل والرواية، وكانت استباحتهم حاصلة بالتأويل، فالقدح على راو رأى ذلك الرأي أو فعل ذلك الفعل بمجرد ذلك جرح مردود غير معتبر.
قال يحيى بن معين: " وكيع وابن نمير كانوا يشربون النبيذ، وإنما كان نبيذهم يجعلونه في التنور، يشربونه اليوم واليومين والثلاثة، ويهريقونه، ولا يشربون كلا نبيذ يزداد على الترك جودة " .
وقال: " شريك وسفيان ووكيع وكل من رخص فيه كلهم يكرهون المعتق " (٢) .
وقال أيضاً: " ومن رخص فيه فيما أسكر كثيره: شريك وسفيان وحسن بن حي ووكيع وابن نمير، وهؤلاء، وهم مع ذلك ينهون عن الخليطين، وعن المنادمة والمعاقره والجلوس عليه، والنقيع عندهم خمر، والبصريون يرخصون في النقيع ويقولون: هو حلال، وكل نبيذ يجوز ثلاثة أيام فلا خير فيه عندهم وعند سفيان وشريك وابن حي وابن نمير ووكيع وأبي معاوية، كلهم يكرهه " (٣) .
وقال يحيى بن معين أيضاً: " تحريم النبيذ صحيح، وأقف عنده لا أحرمه، قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم آخرون بأحاديث صحاح " (٤) .
- (٢)من كلام أبي زكريا، رواية يزيد بن الهيثم (النص: ٢٠٤، ٢٠٥).
- (٣)سؤالات ابن الجنيد (النص: ٩٤).
- (٤)سؤالات ابن الجنيد (النص: ٢٨٧).
- ج ١ ص ٣٦١
وأحسن ما قيل فيمن واقع مثل هذه المخالفة متأولاً: قول أبي حاتم الرازي: جاريت أحمد بن حنبل من شرب النبيذ من محدثي الكوفة، وسميت له عدداً منهم، فقال: " هذه زلات لهم، ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم " (١) .
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٦).
-
٤ _ وقال الإمام أحمد بن حنبل: " كان يحيى _ يعني القطان _ لا يرضى إبراهيم بن سعد " ، قال المروذي: قلت: أيش كان حاله عنده؟ قال: " كان على بيت المال " (٢) .
قال يحيى بن سعيد القطان: " لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة " (٣) .
- (٢)العلل ومعرفة الرجال، لأبي بكر المروذي وغيره (النص: ٢١٥).
- (٣)أخرجه يحيى بن مَعين في " تاريخه " (النص: ٣٨٨٥) ومن طريقه: ابنُ عدي (١/ ١٨٧ _ ١٨٨) والحاكم في " المدخل إلى الصحيح " (ص: ١١٣).
-
وفسر ذلك الحاكم فقال: " يحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ: الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات " (٤) .
قلت: بل والجامعين لأوصاف الورع والعفة حتى المباح المستحسن تركه، كما يدل عليه رأيه في إبراهيم بن سعد، فإبراهيم لم يكن ليعاب في حفظه، إنما عيبه قربه من الحاكم.
- (٤)المدخل إلى الصحيح (ص: ١١٣).
-
٥ _ وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: " كان وكيع لا يحدث عن هشيم؛ لأنه كان يخالط السلطان، ولا يحدث عن إبرهيم بن سعد، ولا ابن علية، وضرب على حديث ابن عيينة " (٥) .
ج ١ ص ٣٦٢وقال أبو داود: سمعت رجلاً قال لأحمد: لأيش ترك وكيع إبراهيم بن سعد؟ قال: " ما أدري، كان إبراهيم ثقة " (١) .
- (٥)سؤالات الآجري لأبي داود السجستاني (النص: ٨٢).
- (١)سؤالات الآجري (النص: ٨٤).
-
٦ _ وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر (يعني عبد الأعلى بن مسهر حافظ الشاميين) : إنه _ يعني سليمان بن عتبة _ يسند أحاديث عن أبي الدرداء؟ قال: " هي يسيرة، وهو ثقة، ولم يكن له عيب إلا لصوقه بالسلطان " (٢) .
- (٢)تاريخ أبي زرعة (١/ ٣٨٢).
-
٧ _ وقال أبو الحسن الميموني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أحمد بن عبد الملك بن واقد؟ فقال لي: " قد مات عندنا، ورأيته كيساً، وما رأيت بأساً، رأيته حافظاً لحديثه " ، قلت: ضبطه؟ قال: " هي أحاديث زهير، وما رأيت إلا خيراً، وصاحب السنة، قد كتبنا عنه " ، قلت: أهل حران يسيئون الثناء عليه، قال لي: " أهل حران قلما يرضون عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له " ، فرأيت أمره عند أبي عبد الله حسناً، يتكلم فيه بكلام حسن (٣) .
- (٣)تاريخ بغداد (٤/ ٢٦٦).
-
٨ _ ومن هذا القدح على المحدث بأخذ الأجرة على التحديث، وممن عيب به: أبو نعيم الفضل بن دكين، وهشام بن عمار، وعلي بن عبد العزيز المكي.
-
وعلل بعضهم القدح بمثل هذه الصورة بأن أخذ الأجرة ربما أغرى المحدث بالزيادة في الحديث من أجل المال، كما قد يغريه بذلك لصوقه بالسلطان؛ لما يجره إلى محاباته.
- والصواب في جميع ذلك:
-
أن القدح فيها ليس معتبراً، من جهة أننا اشترطنا الصدق لقبول روايته، فإذا ثبت اندفعت به مثل هذه الظنون.
- ج ١ ص ٣٦٣
وكذلك فإن المخطىء المتأول بمعصية إذا عرف بالصدق فحديثه مقبولاً مطلقاً، لأن التأويل متضمن إرادة صاحبه للصواب، وعدم قصده للخطأ، وقد وقع التأويل للمخالفة الشرعية من جماعة من الصحابة فلم يمنع ذلك من قبول ما حملوه من العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأهل الشام الذين قاتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
-
فأولى من ذلك أن يقبل حديث من واقع مختلفاً في منعه، أو ترك مختلفاً في فرضه.
قال الشافعي: " والمستحل لنكاح المتعة، والمفتي بها، والعامل بها، ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسراً فنكاح أمة مستحلاً لنكاحها، مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين يداً بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيه فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نحرجهم ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله عز وجل " (١) .
قلت: والقول في البدعة من هذا على التحقيق، وسيأتي في أسباب سلب العدالة.
- (١)الأم (٦/ ٢٠٦). وتقدم سِياق هذا النص أيْضاً في (صفة الناقد).
-
الصورة الثانية: ما يعود الجرح فيه إلى طريق التلقي، والجارح اعتمد فيه المذهب المرجوح.
-
وذلك في حالتين:
الأولى: في رواية الراوي عرضاً.
- ج ١ ص ٣٦٤
وهي الرواية قراءة على الشيخ، لا سماعاً من لفظه، وتقدم أنها: متصلة بمنزلة السماع عند أكثر أئمة الحديث.
-
وربما رأيت من بعض النقاد الطعن في رواية بعض الثقات عن بعض شيوخهم أنها كانت عرضاً، ويكون مرجع الأمر إلى شيء زائد على مجرد العرض، وهو أن الذي كان يعرض على الشيخ راو مجروح، ويكون ذلك الثقة قد حضر ذلك العرض.
-
مثل من طعن في روايته عن مالك؛ لكونه أخذ عنه بعرض حبيب كاتبه.
-
ومنه قول يحيى بن معين في (حفص بن ميسرة) : " سمع عرضاً، كان عباد بن كثير يعرض لهم على زيد بن أسلم وغيره، قال أبو جعفر السويدي (١) : ذهبت إلى حفص بن ميسرة فسألته أن يخرج إلي كتاباً، فقال لي: إنما كان عباد بن كثير يعرض لنا " (٢) .
قلت: والرواية بمثل هذا في الأصل صحيحة؛ لأن العبرة بإقرار الشيخ ما يقرأ عليه، والقارئ ليس واسطة بين التلميذ وشيخه، ولذلك فلا تضر جهالته ولا كونه مجروحاً.
- (١)اسمه محمد بن النوشجان، بغدادي ثقة.
- (٢)معرفة الرجال، رواية ابنِ محرز (٢/ ١٥١ _ ١٥٢).
-
ولوا افترضنا صحة القدح على ما يروي بهذا الطريق، فإن ورود القدح على الشيخ أولى من وروده على التلميذ، فإنما حدث التلميذ بما أقر به الشيخ مما قرئ عليه.
-
وأما أن يكون حفص بن ميسرة اتقى التحديث عن زيد بن أسلم من أجل أنه سمع بعرض مجروح، فذلك جائز أن يكون من أجل شكه في ضبطه لرواية نفسه عن شيخه.
- ج ١ ص ٣٦٥
والمقصود: أن من تكلم فيه من الرواة المعروفين بالثقة بسبب مثل هذا السماع، فليس ذلك بقادح فيهم.
-
والحالة الثانية: القدح في الراوي من جهة أنه روى وجادة.
قال علي بن المديني: سألت سفيان (يعني ابن عيينة) عن جعفر بن محمد بن عباد بن جعفر، وكان قدم اليمن، فحملوا عنه شيئاً، قلت لسفيان: روى معمر عنه أحاديث يحيى بن سعيد، فقال سفيان: " إنما وجد ذاك كتاباً، ولم يكن صاحب حديث، أنا أعرف بهم، إنما جمع كتباً فذهب بها " (١) .
وقال شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة: " حديث أبي سفيان عن جابر، إنما هي صحيفة " (٢) . وفي لفظ لشعبة: " إنما هو كتاب " (٣) .
وقال أبو حاتم الرازي: " فأما جابر فإن شعبة يقول: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث " . وقال: " ويقال: إن أبا سفيان أخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكري " (٤) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: " كان شعبة يرى أن أحاديث أبي سفيان عن جابر إنما هو كتاب سليمان اليشكري " (٥) .
ج ١ ص ٣٦٦وقال أبو حاتم الرازي: " جالس سليمان اليشكري جابراً، فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة " (١) .
وقال همام بن يحيى: " قدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت، وقتادة، وأبي بشر، والحسن، ومطرف، فرووها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثاً واحداً " (٢) .
وقال سليمان التيمي: " ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن، فرواها، أو قال: فأخذها، وأتوني بها فلم أروها " (٣) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: حدثت سفيان (يعني الثوري) أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية، قال: " كانت من كتاب " يعني أنها ليست بسماع (٤) .
وقال شعبة: " أحاديث الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال سمعت " (٥) .
وقال يحيى القطان: قال شعبة: " عامر الشعبي عن علي، وعطاء _ يعني ابن أبي رباح _ عن علي، إنما هي من كتاب " قال يحيى: فاسترجعت أنا (٦) .
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٣٨ _ ٣٩) بإسناد صحيح.
- (٢)أخرجه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٤٥٨) ومن طريقه: عبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٣٨١٠) وابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٠٠) والعقيلي (٢/ ٢٢٤) وابن عدي (٥/ ١٨٠ _ ١٨١) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٠٧) عن شعبة بإسناد صحيح. وابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٤٦) و " الجرح والتعديل " (٢/ ١ / ٤٧٥) عن سفيان، وإسناده صحيح.
- (٣)أخرجه يحيى بن معين (النص: ٢٣٩٧) بإسناد صحيح.
- (٤)المراسيل (ص: ١٠٠).
- (٥)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٤٤ _ ١٤٥) وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في " المعرفة " (١٠٣ _ ١٠٤) لكن قال ابن المديني: قلت لعبد الرحمن: سمعته من شعبة؟ قال: أو بلغني عنه. فهذا يُلين الرواية.
- (١)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١٣٦).
- (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٠٦) وإسناده صحيح.
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٠٦) وإسناده صحيح. كذلك أخرجه الحاكم في " المعرفة " (ص: ١١٠) وإسناده صحيح، وزاد إلى الحسن ذكْر قتادة.
- (٤)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٧١) وإسناده صحيح.
- (٥)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٣٠) وإسناده صحيح.
- (٦)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٣٠) وإسناده صحيح.
- ج ١ ص ٣٦٧
والتحرير كما بينته في (شرط اتصال السند) : أن قبول الوجادة والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود، وعليه فلا تعد الرواية بها مما يقدح في الراوي لأجله.
-
الصورة الثالثة: الجرح بسبب التحمل في الصغر.
-
تقدم في الفصل السابق بيان صحة تحمل الصغير إذا كان مميزاً، وضبط ما تحمله، فالقدح في الراوي بسبب صغر السن لا أثر له بمجرده، ولا يصلح أن يكون سبباً للجرح، وإنما إذا ثبت أن السن لم يكن سن ضبط، والراوي حدث بالشيء مما لم يضبطه لذلك، كان ذلك مؤثراً، لكنا لم نجد في التحقيق له مثالاً صالحاً ترجع علته إلى مجرد هذا.
-
وقد تكلم في بعض الرواة لهذه العلة، كما ذكرت بعض مثاله حيث أشرت.
قال أحمد بن أبي الحواري (وهو ثقة) : قلت للفريابي: رأيت قبيصة (١) عند سفيان؟ قال: " نعم، رأيته صغيراً " . قال أبو زرعة الدمشقي: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير، فقال: " لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه " (٢) .
قلت: يعني أنه لم يضره أن كان صغيراً حين سمع من الثوري.
- (١)يعني ابن عُقبة.
- (٢)تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٥٨٠).
-
الصورة الرابعة: ما يعود إلى جحد الشيخ أن يكون حدث بالحديث، أو تركه القول بمقتضاه.
- فهاتان حالتان:
-
الأولى: الراوي يروي عن رجل حديثاً، فيسأل المروي عنه فينكره، أو ينكر أن يكون ذلك الراوي قد سمع منه، فذلك الخبر لا يقبل من ذلك
ج ١ ص ٣٦٨الطريق، ولكن لا يعد هذا سبباً للطعن على ذلك إذا كان ثقة ضابطاً؛ لجواز النسيان على المحدث، إلا أن يعتضد الجرح بذلك بما يشهد له، أو أن يكون التلميذ لم تستقر ثقته.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: أن يحدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأله عنه، فينكره ولا يعرفه؟ فقال: " لا، ما يضعف عندي بهذا " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٤٣) وإسناده صحيح.
-
والعلة في ذلك كما ذكرت: أن النسيان غير مأمون على الراوي، وإن كان ثقة، وإنما العبرة بإتقان من حفظه عنه.
-
ووقوعه في رواية الثقات نادر قليل.