المبحث الثاني: تحرير القول فيما يسلب العدالة

١٣٧ فقرة، ج ١ ص ٣٧٩

الصفحة ١ من ٤

  1. ما يطعن به على عدالة الراوي يحصر القول فيه في الأسباب التالية: الفسق، الكذب، والتهمة به، سرقة الحديث، البدعة، الجهالة.

    ج ١ ص ٣٧٩
  2. [السبب الأول: الفسق]

  3. والمقصود به: مواقعة المعصية.

  4. ومن أمثلة القدح في الرواة ذلك:

    ما نقله ابن أبي خيثمة قال: سألت يحيى بن معين عن (عمر بن سعد) (١) : أثقة هو؟ فقال: " كيف يكون من قتل الحسين بن علي، رضي الله عنه، ثقة؟! " (٢) .

    قلت: ولم يجعل صنيعه مما يقبل التأويل المعتبر؛ ولعله لظهور المخالفة فيه، وغيره يوثقه.

    1. (١)يعني ابن أبي وقاص.
    2. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١١١ _ ١١٢).
  5. والمعصية القادحة هي المعلومة التي لا تقبل التأويل، وليس منها

    ج ١ ص ٣٨٠الصغائر، وقتل الحسين رضي الله عنه كان عظيماً من الذنوب، وهل يقبل في مثله التأويل؟ الله أعلم.

  6. ونقل ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قوله في (يعقوب بن حميد بن كاسب) : " ليس بثقة " ، قال: فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: " لأنه محدود " ، قلت أليس هو في سماعه ثقة؟ قال: " بلى " ، فقلت: أنا أعطيك رجلاً تزعم أنه وجب عليه الحد وتزعم أنه ثقة، قال: " من هو؟ " ، قلت: خلف بن سالم، قال: " ذلك إنما شتم بنت حاتم مرة واحدة، وما به بأس، لولا أنه سفيه " .

    قال ابن خيثمة: قلت لمصعب الزبيري " إن يحيى بن معين يقول في ابن كاسب: إن حديثه لا يجوز؛ لأنه محدود؟ فقال: بئس ما قال، إنما حده الطالبيون في التحامل، وليس حدود الطالبيين عندنا بشيء؛ لجورهم، وابن كاسب ثقة مأمون " (١) .

    قلت: أراد يحيى أن الحد موجب لارتكابه مفسقاً، لكن رد مصعب يشكك في أن ذلك الحد كان عدلاً؛ لما عهد يومئذ من ظلم السلطان.

    1. (١)تاريخ ابن أبي خيثمة (ص: ٤٣٨) والتعديل والتجريح، للباجي (٣/ ١٢٤٩)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٤٤١)، وطرف منه الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ٢ / ٢٠٦).
  7. ونقول: غاية هذا الجرح أن يكون مبهماً؛ للشبة فيه، والجرح المبهم لا حجة فيه.

  8. لكنك تعتبر به أنه كان يقع من نقاد المحدثين القدح في النقلة بسبب الفعل المفسق الذي لا يحتمل فيه التأويل، ويسقطون بذلك حديثه وإن كان متقناً لما روى.

  9. وسأل السلمي الدارقطني عن علي بن سراج؟ فقال: " كان يعرف ويفهم، ولم يكن يذاكر، فإنه كان يشرب المسكر ويسكر " (١) .

    وقال العباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول وذكرت له شيخاً كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له: ابن مناذر، فقال: " أعرفه، كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، [وكان يتعشق ابن عبد الوهاب الثقفي، وكان يقول فيه الشعر، وكان يشبب بنساء ثقيف؛ فطردوه من البصرة، فخرج إلى مكة] ، وكان يرسل العقارب في مسجد الحرام حتى تلسع الناس، وكان يصب المداد [بالليل] في المواضع التي يتوضأ منها حتى تسود وجوه الناس، ليس يروي عنه رجل فيه خير " (٢) .

    1. (١)سؤالات السلمي (النص: ١٩٩).
    2. (٢)تاريخ يحيى (النص: ٣٠٩)، ونقله عنه: ابن حبان في " المجروحين " (٢/ ٢٧١) وابن عدي (٧/ ٥٢٠) والزيادة له، وهيَ صحيحة عن عباس، والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٤٥) وله نحوُ زيادة ابنِ عدي.
    ج ١ ص ٣٨١
  10. ولذا قال فيه ابن عدي كذلك: " لم يكن من أصحاب الحديث، وكان الغالب عليه المجون واللهو " (٣) .

    1. (٣)الكامل (٧/ ٥٢١).
  11. [السبب الثاني: الكذب، والتهمة به]

  12. وهو نوعان: الكذب في الحديث، والكذب في كلام الناس، وهذا الثاني من صور الفسق، لكني أذكره هنا من أجل مناسبته لهذا السبب.

  13. فأما الكذب في الحديث، أو قيام القرينة على ثبوته في حق الراوي، فخصلة ظاهرة الأثر في القدح فيه بسببها.

  14. والقدح في الراوي كونه (كذاباً) ، أو (يكذب) ، إذا صدر من عارف بهذا الشأن، مصدر فيه، مثل أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فهو جرح بليغ.

  15. لكن هل يكون قاطعاً في كذبه؟ أي أن وصف الكذب لحق ذلك الراوي لذاته؟ أم هي تهمة بنيت على قرائن معتبرة عند الناقد؟ فنحن نعلم مثلاً أن من الرواة الضعفاء من لا يوصف بالكذب، مع وقوع رواية الكذب من طريقهم، وذلك أن أحدهم كان يؤتى من غفلته.

    ج ١ ص ٣٨٢
  16. تحرير هذه المسألة: أن نعت الراوي بالكذب إن كان بدليل لا يقبل الشك أنه كان يتعمد الكذب، كاعترافه، أو ما ينزل منزلته، فهو وصف ظاهر يوجب سقوط عدالته.

  17. لكن أكثر من أطلق عليه هذا الوصف من الرواة، فهو بحسب نظر الناقد وتمحيصه لحديثه، فوجد حديثه الكذب، فحكم عليه بمقتضى ذلك، ولم يطلع من أمره إلا على ذلك منه، وهذا في حقنا لا يزيد على أن يكون مجرد تهمة يسقط بها حديث ذلك الراوي، وإن وقع إطلاق الوصف من أرفع أئمة هذا الشأن، نعم، ربما جعلنا نحكم على حديثه المعين بأنه (كذاب) .

  18. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في ترجمة (أحمد بن إبراهيم الحلبي) : سألت أبي عنه وعرضت عليه حديثه؟ فقال: " لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها، ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٤٠).
  19. وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه عبد الكريم (الجرجاني) ، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حبس العنب أيام القطاف؛ ليبيع من يهودي أو نصراني، كان له من الله مقت " (٢) ؟ فقال أبو حاتم: " هذا حديث كذاب باطل " قال

    ج ١ ص ٣٨٣ابنه: قلت: تعرف عبد الكريم هذا؟ قال: " لا " ، قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: " لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب " (١) .

    1. (٢)أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٦/ ١٧٠ _ ١٧١ رقم: ٥٣٥٢) وابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٢٣٦) والسهمي في " تاريخ جُرجان " (ص: ٢٤١) من طرق عن عبد الكريم، عن الحسن بن مسلم، به. بلفظ: " من حبس العنب أيام القِطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني، أو ممن يتخذه خمراً، فقد تقحَّم النار على بصيرة ". زاد السهمي في الإسناد: (عن عُمر بن الخطاب). قلت: عبد الكريم في رواية الطبراني: (ابن أبي عبْد الكريم)، وفي رواية السهمي: (ابن عبد الكريم)، وفي رواية ابنِ حبان: (ابن عبد الله السكري). وقاله ابن حبان وقد أورد الحديث في ترجمة (الحسن بن مسلم): " هذا حديث لا أصل له عن حسين بن واقد، وما رواه ثقة، والحسن بن مسلم هذا راويه يجب أن يعدل به عن سنن العُدول إلى المجروحين برواية هذا الخبر المنكر ".
    2. (١)علل الحديث (رقم: ١١٦٥).
  20. ويؤيد كون ذلك الوصف في حقنا مجرد تهمة، أنا وجدنا بعض كبار الأئمة وصف بعض النقلة بالكذب، ولم يكن الأمر كما قال، بل لم يصح أن يسلم لهم فيهم حتى شبهة الكذب، بل قيل ذلك الوصف في رواة ثقات وفي آخرين لم ينزل حديثهم عن درجة الاعتبار، ومن أمثلة ذلك:

    (عكرمة مولى ابن عباس) ، فقد تناولته ألسنة بعض السلف، وتحرر لي ثبوت تكذيبه عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير في حكاية، ونقل كذلك عن غيرهما ولم يثبت، ومن هذا أن مالك بن أنس كان يكره عكرمة، وكذا تنم عن ذلك بعض عبارات غيره، ولم يكن ذلك عندهم في التحقيق من جهة ضبطه لما روى، إنما كان من جهة رأيه ومذهبه، فإنه مذكور برأي الصفرية من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر، قيل: إن عكرمة كان ينشر رأيه ويدعو إليه، ونزل إفريقية ونشره هناك، في بيان يطول.

  21. وإليه يعود ذم أكثر من كره حديثه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة مولى ابن عباس؟ فقال: هو ثقة، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه يحيى ين سعيد الأنصاري ومالك فلسبب رأيه (٢) .

    1. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٨ _ ٩).
  22. وعكرمة روى الكثير وتكلم بالكثير من العلم، ولم يتفرد بشيء لا

    ج ١ ص ٣٨٤أصل له، إلا المذهب، وحتى هذا فلم يظهر لنا من خلال المنقول عنه من الأخبار أنه كان له أثر يذكر، من أجل ذلك أجمع اللاحقون على ثقته في حديثه، واحتج به البخاري، وتجنبه مسلم من أجل ما قيل فيه مما تقدم ذكره.

  23. وسبقت تزكية عكرمة من قبل أستاذه عبد الله بن عباس:

    فقد صح عن عثمان بن حكيم (وهو ثقة) قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس عنده، فقال: يا أبا أمامة، أما سمعت ابن عباس يقول: " ما حدثكم عكرمة عني من شيء فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ " ، قال: نعم (١) .

    1. (١)أخرجه يحيى بنُ معين في " تاريخه " (النص: ١٢١٧).
  24. وكان عكرمة يقول: " أرأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي؟ أفلا يكذبوني في وجهي؟! فإذا كذبوني في وجهي فقد والله كذبوني " (٢) .

    وقال عفان بن مسلم في (روح بن أسلم الباهلي) : " كذاب " ، ولم يبلغ ذلك، فهذا ابن معين على شدته يقول: " ليس بذاك فيه، لم يكن من أهل الكذب " وقال أبو حاتم الرازي: " لين الحديث، يُتكلم فيه " (٣) ، فغاية أمر الرجل أن يكون ضعيفاً يعتبر بحديثه، ولا يحتج به إذا انفرد.

    1. (٢)أخرجه ابن سعد (٥/ ٢٨٨٨) بإسناد صحيح.
    2. (٣)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٩٩).
  25. ونقل عثمان الدارمي عن يحيى بن معين قوله في (القاسم بن محمد المعمري البغدادي) : " خبيث كذاب " ، فتعقبه الدارمي فقال: " وقد أدركت القاسم هذا، كان ببغداد ليس كما قال يحيى " (٤) ، ووثقه قتيبة بن سعيد (٥) ،

    ج ١ ص ٣٨٥وابن حبان (١) ، وقال ابن حجر: " صدوق، نقل عثمان الدارمي أن ابن معين كذبه، ولم يثبت ذلك " (٢) أي: ولم يثبت منه الكذب.

    وقال يحيى بن معين (كنانة بن جبلة الهروي) : " كذاب خبيث " ، لكن خالفه أبو حاتم الرازي فقال: " محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث " (٣) ، فانظر فرق ما بين العبارتين؟! وملاحظته ما روى كنانة على قلته يبين صحة ما قال أبو حاتم، ومن تابع يحيى في الطعن عليه حمله ما لا يحتمل، فإنه روى من الحديث ما علته من قبل غيره.

    1. (٤)تاريخ الدارمي (النص: ٧٠٨).
    2. (٥)تاريخ بغداد، للخطيب (١٢/ ٤٢٥).
    3. (١)الثقات (٩/ ١٥).
    4. (٢)تقريب التهذيب (الترجمة: ٥٤٩١).
    5. (٣)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٦٩ _ ١٧٠).
  26. فتأمل هذا من كلام النقاد، ولا تعجل بتسليمه حتى تزول الشبهات، فقد وجدنا الراوي الثقة يحدث بالحديث النظيف الإسناد في الظاهر، وهو كذب، بسبب أن الواضع قد دلس، أو بسبب تلقين الثقة بعدما اختلط ما ليس من حديثه.

  27. كما وقع لعبد الرزاق الصنعاني في حديث حدث به بإسناد ظاهره الصحة، حمله عنه الثقة أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، فكان يحدث به، فبلغ الحديث يحيى بن معين، فقال: " من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ " ، فقام أبو الأزهر فقال: " هو أنا ذا " ، فتبسم يحيى بن معين، وقال: " أما إنك لست بكذاب " ، وتعجب من سلامته، وقال: " الذنب لغيرك في هذا الحديث " (٤) .

    1. (٤)تاريخ بغداد (٤/ ٤١ _ ٤٢) وكذلك أخرج القصة بمعناها الحاكم في " المستدرك " (٣/ ١٢٨ بعد رقم: ٤٦٤٠).
  28. وقد يكون حديث الراوي موضوعاً، لكنه لا يوصف بتعمد الكذب، مثل (جبارة بن المغلس الحماني) ، فقد قال يحيى بن معين: " كذاب " ، لكن

    ج ١ ص ٣٨٦قال أبو زرعة: قال لي ابن نمير: " ما هو عندي ممن يكذب " ، قلت: كتبت عنه؟ " قال: " نعم "، قلت: تحدث عنه؟ قال: " لا " قلت: ما حاله؟ قال: " كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب " (١) .

    قلت: فهذا وقع له بسبب الغفلة لا التعمد.

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٥٥٠).
  29. وأما إذا قيل الدليل على صحة إلحاق وصف الكذب به، جزمنا بأنه (كذاب) .

  30. مثل: (خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني) ، قال يحيى بن حسان التنيسي (وكان ثقة) : " يلزق أحاديث الليث بن سعد، إذا كانت عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالماً، وإذا كانت عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، قلت له: اتق الله، قال: ويجيء أحد يعرف هذا؟ ‍! " (٢) .

    1. (٢)أخرجه العُقيلي في " الضعفاء " (٢/ ١٣) بإسناد صحيح، وانظره في ميزان الاعتدال " (١/ ٦٣٧).
  31. من أجل هذا قال جماعة من النقاد في هذا الرجل: " كذاب "، كقول أبي زرعة الرازي: " هو كذاب، كان يحدث الكتب عن الليث عن الزهري، فكل ما كان: الزهري عن أبي هريرة، جعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكل ما كان: عن الزهري عن عائشة، جعله عن عروة عن عائشة متصلاً " (٣) .

    قلت: وهذا مما ينزل منزلة اعترافه؛ لأنه مما وقف عليه منه الثقة يحيى بن حسان واطلع عليه، ولم يعتمد فيه على مجرد النظر في روايته.

    1. (٣)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٣٤٨).
  32. ومن كانت عامة أحاديثه مكذوبة: فهو ساقط، لا يجوز أن يعتبر بحديثه، بلا خلاف عند عامة أهل العلم، وإن تورعنا عن وصف شخصه بالكذب.

  33. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم بياناً لمنهج نقاد المحدثين: " وإذا

    ج ١ ص ٣٨٧قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٧).
  34. كما قال يحيى بن معين في (عبد الحكيم بن منصور الواسطي) : " كذاب "، وقال أبو حاتم الرازي: " لا يكتب حديثه " (٢) ، ولم يختلفوا أنه " متروك الحديث ".

    1. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٥).
  35. فخلاصة هذا: أن ثبوت الكذب على الراوي، أو غلبه المظنة أنه كان يكذب قادح في عدالته.

  36. [أثر التوبة من الكذب في الحديث:]

  37. من ثبت عليه الكذب في حديثه، ثم ذكر بالتوبة منه، فما حكم ما يحدث به بعد التوبة؟

  38. وجود مثال صالح لهذه الصورة أن الراوي كان يكذب في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تثبت توبته فلا يحدث بعد التوبة إلا بحديث صدق مستو، أحسبه متعذراً في الواقع.

  39. لأنه حتى وإن تاب بعد أن حدث بالكذب، فتمييز ما يحدث به من الصدق من غيره مما حدث به قبل ذلك كالمتعذر، هذا لو صدق في توبته وروى بعدها صدقاً؛ لذلك شدد الأئمة المتقدمون في هذا (٣) .

    1. (٣)انظر: الكفاية، للخطيب (ص: ١٩٠ _ ١٩١).
  40. عن عبيد الله بن أحمد الحلبي، قال: سألت أحمد (يعني ابن حنبل) عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع؟ قال: " توبته فيما بينه وبين الله تعالى، لا يكتب عنه حديث أبداً " (٤) .

    ج ١ ص ٣٨٨وقال الحسين بن حبان: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: " لا يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا " ، فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: " يخرج كتاباً عتيقاً فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له فيها وأخطأ كما يخطئ الناس فيرجع عنها " ، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل وهي في النسخ؟ قال: " لا يقبل ذلك منه " ، قلت له: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة، وليس أجدها؟ فقال: " هو كذاب أبداً حتى يجيء بكتابه العتيق " ، ثم قال: " هذا دين، لا يحل هذا " (١) .

    1. (٤)طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (١/ ١٩٨)، نقلاً عن أبي بكر الخلال، وكذلك رواها الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٠).
    2. (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٩٢) وإسناده جيد.