المبحث الثالث: تحرير عود ما يسلب الضبط إلى سوء حفظ الراوي
٧٦ فقرة، ج ١ ص ٤١٢
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٤٢٠
كان من سوء حفظه يقلب الأحاديث سنداً أو متناً، كما قال شعبة بن الحجاج: " أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة " (٢) .
- (٢)أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (١/ ١ / ١٦٢) وابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٥٢) و" الجرح " (٣/ ٢ / ٣٢٢) والعُقيلي (٤/ ٩٨) بإسناد صحيح.
-
وممن عرف بسوء الحفظ، وكان من علته قلب الأحاديث (علي بن زيد بن جدعان) ، قال حماد بن زيد: " حدثنا علي بن زيد، وكان يقلب الأحاديث " (٣) .
وقال حماد بن زيد: " كان علي بن زيد يحدث بالحديث فيأتيه من الغد فيحدث به كأنه حديث آخر " (٤) .
- (٣)أخرجه العُقيلي (٣/ ٢٣٠) بإسناد صحيح.
- (٤)أخرجه العُقيلي (٣/ ٢٣١) بإسناد صحيح.
-
وثانيها: وصل المراسيل.
-
مثل (إبراهيم بن الحكم بن أبان) ، جرحوه، قال ابن عدي: " بلاؤه مما ذكروه أنه يوصل المراسيل عن أبيه، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه " ، وكان الحافظ عباس بن عبد العظيم قد قال فيه قبله: " كانت هذه الأحاديث في كتبه مراسيل، ليس فيها ابن عباس، ولا أبو هريرة، يعني أحاديث أبيه عن عكرمة " (٥) .
- (٥)الكامل، لابن عدي (١/ ٣٩٣، ٣٩٤).
-
وثالثها: رفع الموقوف.
-
ولك أن تعدها من أمثلة الزيادة في الأسانيد.
- ج ١ ص ٤٢١
مثل (إبراهيم بن مسلم الهجري) ، فقد كان ضعفه من جهة أنه كان يرفع الموقوف، قال سفيان بن عيينة: " كان رفَّاعاً " (١) .
- (١)أخرجه يعقوب بنُ سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٧١١) والعُقيلي (١/ ٦٦) بإسناد صحيح. وكقول سُفيان فيه كذلك قولُ عددٍ من أئمة الجرح والتعديل.
-
ومثله قول شعبة في (علي بن زيد بن جدعان) : " كان رفاعاً " (٢) ، وقوله في (يزيد بن أبي زياد) مثل ذلك (٣) .
- (٢)أخرجه البُخاري في " التاريخ " (٣/ ٢ / ٢٧٥) والترمذي (بعد حديث: ٢٦٧٨) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٩٧٨) وابنُ أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٤٧) و " الجرح والتعديل " (٣/ ١ / ١٨٦) والعُقيلي (٣/ ٢٢٩، ٢٣٠) وابنُ عدي (٦/ ٣٣٤، ٣٣٥) بإسناد صحيح.
- (٣)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٥٦) و " الجرح والتعديل " (٤/ ٢ / ٢٦٥) والعقيلي (٤/ ٣٤٠) وابنُ عدي (٩/ ١٦٤) بإسناد صحيح.
-
ورابعها: الجمع بين الرواة في سياق واحد وحمل حديث بعضهم على بعض.
- ومثاله في الضعفاء (ليث بن أبي سليم) :
-
قال أبو نعيم الفضل بن دكين: قال شعبة لليث بن أبي سليم: " كيف سألت عطاء وطاوساً ومجاهداً كلهم في مجلس؟ " ، قال: سل عن هذا خف أبيك. قال ابن أبي حاتم: فقد دل سؤال شعبة لليث بن أبي سليم عن اجتماع هؤلاء الثلاثة له في مسألة، كالمنكر عليه (٤) .
وقال الداقطني: " صاحب سنة، يخرج حديثه، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد، وحسْب " (٥) .
قلت: وهذه صورة ناتجة عن تخليط الراوي واضطرابه؛ لما علم من سوء حفظه.
وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) وذكر الواقدي، فقال: " ليس أنكر عليه شيئاً إلا جمعه الأسانيد، ومجيئه بمتن واحد على
ج ١ ص ٤٢٢سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا ". قال إبراهيم: ولم، وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبى بكر، وفلان، وفلان. والزهري أيضاً قد فعل هذا؟
قال إبراهيم: قال بور بن أصرم (١) : رآني الواقدي أمشي مع أحمد بن حنبل، قال: ثم لقيني بعد، فقال لي: رأيتك تمشي مع إنسان ربما تكلم في الناس. قيل لإبراهيم: لعله بلغه عنه شيء؟ قال: نعم، بلغني أن أحمد أنكر عليه جمع الرجال والأسانيد في متن واحد. قال إبراهيم: وهذا قد كان يفعله حماد بن سلمة، وابن إسحاق، ومحمد بن شهاب الزهري (٢) .
قلت: يعني وما أنكر عليهم، فلم ينكر على الواقدي؟
- (٤)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٥١) وإسناده صحيح.
- (٥)سؤالات البُرقاني (النص: ٤٢١).
- (١)مرْوَزي ثقة، ممن رَوى عنه البخاري.
- (٢)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٣/ ١٦) وإسناده جيد.
-
وقد كان أحمد ربما أطلق على صنيع الواقدي هذا قلب الأحاديث، وهو إنما كان يحيل لفظ هذا على لفظ هذا، قال أحمد بن حنبل: " يقلب الأحاديث، يلقي حديث ابن أخي الزهري على معمر، ونحو هذا " (٣) .
- (٣)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٢١) بإسناد صحيح. وكذلك أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٣/ ١٦).
-
وذكر ابن حبان هذه المسألة وكان قد ضرب مثلاً بحماد بن سلمة، فقال في الجواب عن قول من قال: " يروي عن جماعة حديثاً واحداً، بلفظ واحد من غير أن يميز بين ألفاظهم ": " يقال له: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون يؤدون الأخبار على المعاني بألفاظ متباينة، وكذلك كان حماد يفعل، كان يسمع الحديث عن أيوب وهشام وابن عون ويونس وخالد وقتادة (٤) عن ابن سيرين، فيتحرى المعنى ويجمع في اللفظ، فإن أوجب
ج ١ ص ٤٢٣ذلك منه ترك حديثه أوجب ذلك ترك حديث سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وأمثالهم من التابعين؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك " (١) .
- (٤)أيوب هوَ السختياني، وهِشام هوَ ابنُ حسان، وابنُ عون هوَ عبد الله، ويونس هوَ ابنُ عبيْد، وخالدٌ هوَ الحذَّاء، وقتادة هوَ ابن دعامَة السدوسي، جَميعاً من حُفاظ أصْحاب مُحمد بن سيرين.
- (١)الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٥٤). وساق الخليلي في " الإرشاد " (١/ ٤١٧ _ ٤١٨) محاورة بينه وبين بعض الحفاظ في شأن حماد بن سلمة، فقال: " ذاكرت يوما بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في (الصحيح) وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي، بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له ".
-
وتكلم شعبة بن الحجاج في (عوف بن أبي جميلة الأعرابي) بمثل ذلك.
قال يحيى القطان: قال لي شعبة في أحاديث عوف عن خلاس عن أبي هريرة، ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة إذا جمعهم، قال لي شعبة: " ترى لفظهم واحد؟ "، قال ابن حاتم: كالمنكر على عوف (٢) .
قلت: يحتمل فعل مثل هذا من راو متقن؛ لأن إتقانه حائل دون خالط، مثل الزهري، على قلته منه، أما من يكثر من ذلك ويتبين الغلط في روايته بسببه، كليث بن أبي سليم، فيكون ذلك دليلاً على ضعفه.
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمه الجرح والتعديل " (ص: ١٤٧) بإسناد صحيح.
-
وخامسها: قبول التلقين.
-
وهذا حين يكون الشيخ قد استولت عليه الغفلة، فيقال له: حدثك فلان بكذا، فيما هو من حديثه وما ليس من حديثه، وهو لا يميز، فيحدث به على أنه من حديثه.
-
ومن أمثلة هؤلاء الذين جرحوا بقبول التلقين:
(عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي أبو تقي الحمصي) ، قال الحافظ
ج ١ ص ٤٢٤محمد بن عوف الحمصي: " كان شيخاً ضريراً لا يحفظ، وكنا نكتب من نسخة الذي كان عند إسحاق بن زبريق لا بن سالم، فنحمله إليه ونلقنه، فكان لا يحفظ الإسناد، ويحفظ بعض المتن، فيحدثنا، وإنما حملنا الكتاب عنه شهوة الحديث " (١) .
وقال أبو حاتم الرازي: " ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم عن الزبيدي (٢) ، إلا أنها ذهبت كتبه فقال: لا أحفظها، فأرادوا أن يعرضوا عليه، فقال: لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، ثم قدمت حمص بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب، وقالوا: عرض عليه كتاب ابن زبريق، ولقنوه، فحدثهم بهذا، وليس هذا عندي بشيء، رجل لا يحفظ، وليس عنده كتب " (٣) .
- (١)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٨).
- (٢)هوَ مُحمد بن الوليد.
- (٣)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٨)، وانظر: الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٢٣٢) في شأن ما أدْخله عليه ورَّاقه.
-
ومنهم (سفيان بن وكيع بن الجراح) ، قال ابن عدي: " بلاؤه أنه كان يتلقن ما لقن، ويقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، وحديث مرسل فيوصله، أو يبدل في الإسناد قوماً بدل قوم " (٤) .
- (٤)الكامل (٤/ ٤٨٢).
-
وقد كان بعض نقاد المحدثين يستعملون هذا طريقاً لتبين حفظ الراوي، مثل ما حكاه أبو المنذر يحيى بن المنذر الكوفي قال: كنا بمكة، فقدم علينا عطاء بن عجلان البصري، فأخذ في الطواف، فجاء غياث بن إبراهيم وكدام بن مسعر وآخر قد سماه، فجعلوا يكتبون حديث عطاء، فإذا مروا بعشرة أحاديث أدخلوا حديثاً من غير حديثه، حتى كتبوا أحاديث وهو يطوف، فقال لهم حفص بن غياث: ويلكم؛ اتقوا الله، فانتهروه وصاحوا
ج ١ ص ٤٢٥به، فلما فرغ كلموه أن يحدثهم، فأخذ الكتاب فجعل يقرأ، حتى انتهى إلى حديث فمر فيه فقرأه قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قرأ حتى انتهى إلى الثالث، فانتبه الشيخ واستضحكوا، قال: فقال لهم: إن كنتم أردتم شيني فعل الله بكم وفعل (١) .
- (١)أخرجه العُقيلي في " الضعفاء " (٣/ ٤٠٢) بإسناد صحيح، ونقله المزي في " تهذيب الكَمال " (٢٠/ ٩٧).
-
وهل إطلاق العبارة على الراوي بقبول التلقين يسلم قادحاً فيه؟
-
يقع قبول التلقين للراوي إما بسبب الغفلة، أو التساهل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عرف عنه ذلك من الرواة، فلا يخلو من أن تكون هذه البلية عرضت عليه بعد حفظ وإتقان، أو لم يعرف أصلاً بالحفظ، فإن كان من النوع الأول وتميز حديثه الذي كان يحفظ من حديثه الذي لقن فيه، قبل ما حفظه ورد ما لقن فيه، وإن لم يتميز رد جميع حديثه، وأما من لزمه هذا الوصف ولم يعرف بضبط أصلاً فكل حديثه مردود من طريقه.
-
فقبول التلقين قد يصير الرجل متروك الحديث ليس بثقة، وذلك إذا تلقن الحديث الموضوع وحدث به، كما وقع لمثل (محمد بن معاوية النيسابوري) ، قال أبو زرعة الرازي: " كان شيخاً صالحاً، إلا أنه كلما لقن يلقن، وكلما قيل: إن هذا من حديثك، حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث معلى الرازي، وكنت أنت معه، فيحدث بها على التوهم " .
قلت: فأضر ذلك به حتى قال أحمد بن حنبل: "رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة " ، بل اتهمه يحيى بن معين فقال: " كذاب " (٢) .
- (٢)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٣ _ ١٠٤).
-
كما قد يكون في حديثه ما يدل على رواية المنكر، وكان قبول التلقين من أسباب ذلك، مثل ما حكى ابن حبان عن عفان بن مسلم قال: كنت أسمع الناس يذكرون قيساً (يعني ابن الربيع) فلم أدر ما علته، فلما قدمنا
ج ١ ص ٤٢٦الكوفة أتيناه فجلسنا إليه، فجعل ابنه يلقنه ويقول له: حصين، فيقول: حصين، فيقول رجل آخر: ومغيرة، فيقول: ومغيرة، فيقول آخر: والشيباني، فيقول: والشيباني (١) .
قال قتادة بن دعامة السدوسي: " إذا سرك أن يكذب صاحبك فلقنه " (٢) .
وقال الحافظ عبد الله بن الزبير الحميدي: " ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثاً في حفظه لا يعرف به قديماً، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن " (٣) .
وقال ابن حزم: " من صح أنه قبل التلقين ولو مرة، سقط حديثه كله " (٤) .
قلت: وليس كما قال ابن حزم، وإنما العبرة بثبوت أثر التلقين على حديثه، فإن ادعي أنه كان كذلك وكان موصوفاً بالثقة والصدق، ولم يثبت عليه في مثال فلا يرد حديثه بمجرد الدعوى، وإن ثبت عليه في بعض حديثه وتميز، فلا يرد سائر حديثه الذي لم يتأثر بالتلقين:
وسادسها: التصحيف إذا حدث من كتبه.
- (١)المجروحين (٢/ ٢١٩). قلت: (حُصين) كذا وَقع فيما ذكره ابنُ حبان، فإن كانَ محفوظاً فهوَ ابنُ عبد الرحمن السلمي، لكن في " الجرح والتعديل " (٣/ ٢ / ٩٨): (أبو حصين) وهو بهذا عثمان بن عاصم الأسدي، وأما مغيرة فهو ابن مقسم، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.
- (٢)أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ١٠٦٩، ١٠٧٠) من طريقين عنه، وهوَ صحيح بهما، وربَّما حكاهُ قتادة عن أبي الأسود الدؤلي، انظر: " الجعديات " (رقم: ١٠٧١). وأخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٢٤) بلفظ: " إذا أردْت أن تُغلطِّ صاحبك فلقِّنه " وإسناده حسنٌ.
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٣٥) بإسناد صحيح.
- (٤)الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٤٢).
-
ويقع بسبب عدم الضبط الكتاب، فيحدث من كتابه فيخطئ الأسماء أو في المتون.
- ج ١ ص ٤٢٧
وقلة ذلك شأنها شأن الوهم اليسير من الراوي لا يقدح في ثقته إن غلب حفظه وإتقانه، فإن كثر أضر به.
-
سئل أبو حاتم الرازي عن (مؤمل بن إسماعيل) و (أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي) صاحبي سفيان الثوري؟ فقال: " في كتبهما خطأ كثير، وأبو حذيفة أقلهما خطأ " ، وقال كذلك في (أبي حذيفة أقلهما خطأ "، وقال كذلك في (أبي حذيفة) وقد وصفه بالصدق: " كان يصحف " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٤/ ١٦٣، ١٦٤).
-
وممن ضعف بالتصحيف: مصعب بن سعيد المصيصي، ضعفه بذلك ابن عدي (٢) .
- (٢)الكامل (٨/ ٨٩).
-
ومن الثقات ممن ذكروا بالتصحيف جماعة، منهم:
عبد الوارث بن سعيد، وكان حافظاً متقناً فصيحاً، لكن أخذ عليه الخطأ في كتابه في الإسناد وأسماء الرجال، جاء ذلك عن علي بن المديني قال: " في كتابه في الإسناد وأسماء الرجال، جاء ذلك عن علي بن المديني قال: " في كتاب عبد الوارث بن سعيد خطأ كثير " ، فقيل له: في الحديث؟ قال: " في الإسناد وأسماء الرجال " (٣) .
- (٣)أخرجه العَسكري في " تصحيفات المحدثين " (١/ ٤٦) بإسناد صالح.
-
ومنهم: محمد بن إسحاق صاحب " المغازي " ، فعن صاحبه يحيى بن سعيد الأموي، قال: " كان ابن إسحاق يصحف في الأسماء؛ لأنه إنما أخذها من الديوان " (٤) .
- (٤)أخرجه العَسكري في " أخبار المصحفين " (ص: ٤١) بإسناد لا بأس به، والديوان أراد بهِ السجل الذي تُكتب فيه أسماء الجُند وأصْحاب العَطية، مما يعود إلى سُلطان الدوْلة.
-
فالثقة إذا ذكر بالتصحيف فإنه وإن لم يقدح ذلك في صحة حديثه، لكن يوجب الاحتياط في أسانيده ومتونه فيما حدث به من كتبه.
-
والحال أن الأخذ من الكتب يوجب الاحتياط مطلقاً، فإن مظنة
ج ١ ص ٤٢٨التصحيف في قراءة النصوص واردة على جميع الناس، ولكن الثقة المتقن من يضبط كتابه إذا كان يحدث منه.
قال أحمد بن حنبل: " من يفلت من التصحيف؟ كان يحيى بن سعيد يشكل الحرف إذا كان شديداً، وغير ذاك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل عفان وبهز وحَبان " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٢٧٤) بإسناد صحيح. وعفان هوَ ابنُ مسلم، وبهزٌ هوَ ابن أسد، وحبانُ هوَ ابن هلال.
-
القسم الثاني: ما يرجع من سوء الحفظ
إلى تساهل الراوي
ووقع من بعض الرواة في السماع والإسماع، كمن لا يبالي بالنوم عند السماع، أو يحدث من غير أصل صحيح، أو يحمل الحديث عن الشيخ في المذاكرة.
-
وهذا مثل قول أبي بكر الإسماعيلي في (أحمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني) : " صدوق، ضعف آخر عمره، كتبت عنه في صحته، ثم كنت أمر به يقرأ عليه وهو نائم، أو شبه النائم " (٢) .
- (٢)المعجم، للإسماعيلي (الترجمة: ٣٢) سؤالات السهمي (الترجمة: ١٣٩).
-
ومن التساهل: طعن بعض الأئمة على رواية من سمع " الموطأ " بقراءة حبيب بن رزيق كاتب مالك بن أنس، فإنه كان يقرأ على مالك لبعض الغرباء، وكان معروفاً بالكذب ووضع الحديث.
قال يحيى بن معين: " أشر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، فإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقاً وكتب: بلغ، وعامة سماع المصريين عرض حبيب " (٣) .
ج ١ ص ٤٢٩وقال: " كان ابن بكير سمع من مالك بعرض حبيب، وهو أشر العرض " (١) .
قلت: وهذا يعد من التساهل في حمل الحديث أن لا يكون القارئ على الشيخ ثقة.
قال القاضي عياض: " عدم الثقة بقراءة مثله، مع جواز الغفلة والسهو (يعني على الشيخ) عن الحرف وشبهه، وما لا يخل بالمعنى، مؤثر في تصحيح السماع .. ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث ابن بكير عن مالك إلا القليل، وأكثر عنه الليث " (٢) .
- (٣)أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (٣/ ٣٢٤) وإسناده صحيح.
- (١)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٨٢).
- (٢)الإلماع (ص: ٧٧). والليث هوَ ابن سعد.
-
والمذاكرة: ليست ظرفاً مناسباً لتحمل الحديث عن الشيخ؛ لأنهم يتساهلون فيها؛ إذ لم يقصدوا الأداء.
-
وكان جماعة من كبار أئمة الحديث، ينهون أن يحمل عنهم الحديث في المذاكرة، مثل الإمام عبد الرحمن بن مهدي، فقد كان يقول: " حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثا؛ لأني إذا ذاكرت تساهلت في الحديث " (٣) .
- (٣)أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: ١١١١) وإسناده جيد.