المبحث الخامس: درجات سوء الحفظ
١١٣ فقرة، ج ١ ص ٤٣٦
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ٤٤٤
وذلك مثل (إسماعيل بن عياش الحمصي) ، قال يحيى بن معين: " إذا حدث عن الشاميين فحديثه صحيح، وإذا حدث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت " (٥) .
- (٥)أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٧٧) وإسناده لا بأس به.
-
وقال ابن عدي بعد أن ذكر طائفة من حديثه عن غير أهل بلده الشاميين: " هذه الأحاديث من أحاديث الحجاز ليحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو، وهشام بن عروة، وابن جريج، وعمر بن محمد، وعبيد الله الوصافي، وغير ما ذكرت من حديثهم، ومن حديث العراقيين، إذا رواه
ج ١ ص ٤٤٥ابن عياش عنهم فلا يخلو من غلط يغلط فيه، إما أن يكون حديثاً موصولاً يرسله، أو مرسلاً يوصله، أو موقوفاً يرفعه، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم الحديث، وفي الجملة: إسماعيل بن عياش ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة " (١) .
- (١)الكامل (١/ ٤٨٨).
-
ومن هؤلاء (بقية بن الوليد الشامي) ، قال ابن عدي: " في بعض رواياته يخالف الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، كإسماعيل بن عياش، إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن أهل الحجاز والعراق خالف الثقات في روايته عنهم " (٢) .
- (٢)الكامل (٢/ ٢٧٦).
-
الصورة الرابعة: أن يكون ثقة مقبولاً في أحاديث الرقائق والمواعظ، دون الأحكام.
-
وهذه الصورة راجعة في الأصل إلى تسهل أهل الحديث في روايات المعروفين بالصدق في غير ما يثبت حكماً أو أصلاً، لعلة أن الأحكام مما تتوافر الهمم على حفظه، فكونه لا يأتي إلا من طريق من في حفظه ضعف، فذلك شبهة على عدم إتقانه، بخلاف أبواب الرقائق وشبهها فالشواهد لها في الأصل قائمة، فالراوي المتكلم في حفظه لا يأتي فيها بما لا يحتمل مثله.
-
وهذا مثل: (فليح بن سليمان المدني) ، فقد خرج له البخاري في " صحيحه " في مواضع، وهو لين الحديث ليس بالقوي فيه، لكن عذر البخاري أنه لم يخرج له في الأحكام شيئاً، إنما عامة ما أخرجه له إما ما هو معروف من غير طريقه أو رقائق.
-
وتكلم بعض النقاد في حفظ (محمد بن إسحاق) صاحب " السيرة "، في روايته في غير السير.
- ج ١ ص ٤٤٦
نقل أبو الفضل عباس بن محمد الدوري عن أحمد بن حنبل قال: " أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث " كأنه يعني المغازي ونحوها " فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا " , وقبض أبو الفضل أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام (١) .
- (١)أخرجه الدوري في " تاريخ يحيى بن معين " (النص: ٢٣١) ومن طريقه: البيهقي في " دلائل النبوة " (١/ ٣٧ _ ٣٨).
-
وسئل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق) ؟ فقال: كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيراً بالعلو والنزول، ويخرجه في (المسند) ، وما رأيته اتقى حديثه قط، قيل له: يحتج به؟ قال: " لم يكن يحتج به في السنن " (٢) .
- (٢)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١/ ٢٣٠) وإسناده جيد.
-
فابن إسحاق ثقة حجة في السير والمغازي؛ لا عتنائه بها، وهو في التحقيق صدوق في الأحكام، يحكم لحديثه بالحسن بعد السبر والنظر وتحقق حفظه له على الوجه.
-
الصورة الخامسة: أن يكون متقناً في النقل لغير الحديث، دون ذلك في الحديث.
-
وفي هذا أن الناقل يكون قد انصرف همه إلى الاعتناء بفن فأتقنه، وتقحم الحديث وليس من فنه فأتى بما لا يحمد، فحيث تميز لنا أمره وعرفنا الفصل فيما روى، فنقتصر على جرحه في الحديث خاصة دون سائر ما روى من العلم.
-
وهذا مثل (حفص بن سليمان القارئ) ، فقد بلغ به سوء حفظه ونكارة حديثه إلى أن كان متروكاً في الحديث، لكنه حجة في القراءة، بل عليه المعول في قراءة عاصم، والتي يقرأ بها اليوم أكثر أهل الإسلام.
- ج ١ ص ٤٤٧
وقال يحيى بن معين في (زياد بن عبد الله البكائي) : " ليس حديثه بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به " (١) .
قلت: يعني في روايته " المغازي " عن ابن إسحاق.
- (١)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٣٨).
-
الصورة السادسة: ثقة في الأصل، لكن اختلط وتغير حفظه بأخرة، للكبر، أو لعارض.
-
الاختلاط، هو: فساد العقل بالخرف، لتقدم السن غالباً، أو لعوارض أخرى.
-
مثل (صالح بن نبهان مولى التوأمة) ، سأل محمد بن عثمان بن أبي شيبة علي بن المديني عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: " صالح ثقة، إلا أنه خرف وكبر، فسمع منه قوم وهو خرف كبير، فكان سماعهم ليس بصحيح: سفيان الثوري منه سمع منه بعدما خرف، وكان ابن أبي ذئب قد سمع منه قبل أن يخرف " (٢) .
وقال ابن أبي مريم: سمعت يحيى بن معين يقول: " صالح مولى التوأمة ثقة حجة " ، قلت له: إن مالكاً ترك السماع منه، فقال لي: " إن مالكاً إنما أدركه بعد أن كبر وخرف، وسفيان الثوري إنما أدركه بعد ما خرف، فسمع منه سفيان أحاديث منكرات، وذلك بعدما خرف، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف " (٣) .
- (٢)سؤالات ابنُ أبي شيبة (النص: ٧٩).
- (٣)الكامل، لابن عدي (٥/ ٨٥).
-
وروى عباس الدوري عن يحيى بن معين، قال: " خرف قبل أن يموت، فمن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت " (٤) .
ج ١ ص ٤٤٨وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكاً عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: " ليس بثقة " ؟ فقال أبي: " مالك كان قد أدرك صالحاً وقد اختلط وهو كبير، من سمع منه قديماً فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأساً " (١) .
وقال ابن عدي: " هو في نفسه ورواياته لا بأس به إذا سمعوا منه قديماً، فالسماع القديم منه سمع منه ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم، ممن سمع منه قديماً، فأما من سمع منه بأخرة فإنه سمع وهو مختلط، ولحقه مالك والثوري وغيرهما بعد الاختلاط، وحديث صالح الذي حدث به قبل الاختلاط ولا أعرف له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب، ويكون ضعيفاً فيروي عنه، ولا يكون البلاء من قبله، وصالح مولى التوأمة لا بأس بروايته وحديثه " (٢) .
- (٤)تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٧٨٣).
- (١)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ١ / ٤١٧ _ ٤١٨).
- (٢)الكامل (٥/ ٨٨).
-
أما ابن حبان، فإنه ذكر قول يحيى بن معين من رواية الدوري عنه، وقال بعده: " هو كذلك لو تميز حديثه القديم من حديثه الأخير، فأما عند عدم التمييز لذلك واختلاط البعض بالبعض يرتفع به عدالة الإنسان حتى يصير غير محتج به ولا معتبر بما يرويه " (٣) .
قلت: كلام ابن حبان هذا من حيث التأصيل في شأن المختلط صحيح في الجملة، لكن القدح في عدالته إنما أراد به الإتقان، وعدم الاعتبار بما يرويه ليس على معنى الترك.
- (٣)المجروحين، لابن حبان (١/ ٣٦٦).
-
أما بالنظر إلى حال صالح، فليس كما قال؛ لأنه قد تميز أن رواية ابن أبي ذئب والأقدمين عنه كانت قبل اختلاطه، وما مثل به ابن حبان من
ج ١ ص ٤٤٩الحديث الذي أنكره عليه فهو من رواية ابن أبي ذئب عنه ولم يرده ابن حبان إلا من جهة معارضته في رأيه لحديث آخر صحيح، وليس بينهما معارضة في التحقيق.
-
وأمثلته في الثقات عديدة، ومن أحسن ما فيه كتاب " الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات " لأبي البركات ابن الكيال (المتوفى سنة: ٩٣٩) .
-
ومن العوارض الأخرى غير الخرف، ما قاله أبو حاتم الرازي في (أبي بكر بن أبي مريم) : " ضعيف الحديث، طرقته لصوص فأخذوا متاعه، فاختلط " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٤٠٥).
-
ومن علة الجرح بالاختلاط أن المختلط ربما قبل التلقين.
-
مثل ما حدث به أحمد بن حنبل، قال: " رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب (الجامع) _ يعني لابن جريج _، فكان في الكتاب: ابن جريج، قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، و: أخبرت عن الزهري، و: أخبرت عن صفوان بن سليم. فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج عن الزهري، و: ابن جريج عن يحيى بن سعيد، و: ابن جريج عن صفوان بن سليم. فكان يقول له هكذا " .
قال عبد الله بن أحمد: ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمه على ذلك.
قال أحمد: " وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه " يعني قوله: (أخبرت) ، و (حدثت عن فلان) (٢) .
- (٢)العلل ومعرفة الرجال، لأحمد (النص: ٣٦١٠) وسُنيدٌ هو الحسين بن داود.
- ج ١ ص ٤٥٠
وليس من الاختلاط قول الحاكم في (عبد الله بن محمد بن عقيل) : " عمر، فساء حفظه، فحدث على التخمين " (١) .
- (١)سؤالات مَسعود السجزي (النص: ٧٨).
-
فهذا إنما هو ضعف للحفظ للكبر، كالذي وقع لهشام بن عروة، ولم يقدح في حديثه، وليس خرفاً.
- حكم حديث المختلط:
-
وقع كثيراً من أئمة الحديث الكبار متقدميهم ومتأخريهم تعليل الروايات بأن فلاناً إنما سمع من فلان بعد أن اختلط.
-
فهذا أحمد بن حنبل يعلل حديثاً من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي، فيقول: " زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة " (٢) .
قال الحازمي: " أما من زال عقله بأمر طارئ، كالاختلاط وتغيب الذهن؛ فلا يعتد بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طرح حديثه بالكلية؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين، فإذا تميز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحة جاز له الرواية عنه وصح العمل فيها " (٣) .
- (٢)مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٠٣).
- (٣)شُروط الأئمة، للحازمي (ص: ٥٢).
-
وجوب تحقيق تأثير الاختلاط في حديث الراوي الموصوف به:
الراوي إذا أطلق الكبار من نقاد المحدثين توثيقه، وذكر أنه اختلط لما كبر، فالأصل التوثيق حتى يتبين الوهم بسبب الاختلاط، ولا يجوز رد حديثه بمجرد هذا الوصف له.
-
فهذا (بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة) وصفه يحيى بن
ج ١ ص ٤٥١سعيد القطان بالاختلاط، فقال: " رأيته قد اختلط " ، وتبع بعضهم يحيى على ذلك، وطائفة أطلقت توثيقه دون الاعتداد بوصفه بالاختلاط، وذلك أن الرجل لم يثبت وهمه في شيء أو تحديثه بما ينكر بسبب ما قاله يحيى من اختلاطه، مما يجيز أن يكون لم يحدث بعد اختلاطه بشيء، ولذا قال ابن عدي: " لا أعرف له حديثاً منكراً فأذكره، ولم أر أحداً من المتقدمين ممن تكلم في الرجال ضعفه إلا يحيى القطان ذكر أنه كان قد خولط، ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثاً منكراً " (١) .
- (١)الكامل، لابن عدي (٢/ ٢٣٦).
-
أما إن ثبت أن الاختلاط أضر بحديثه، فلينوه بعد اختلاطه من أجل ذلك، فهذا هو الذي لا يقبل من حديثه إلا ما حدث به قبل اختلاطه، وذلك بحسب قدم السامعين منه، وما حدث به بعد الاختلاط فهو صالح للاعتبار ما لم يثبت فيه وهم أو خطأ فيميز.
قال ابن حبان وقد ذكر المختلط في آخر عمره: " لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم، حكم الثقة إذا أخطأ، أن الواجب ترك خطئه إذا علم، والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات، وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء " (٢) .
- (٢)الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٦١).
-
كما قال ابن عدي في (سعيد بن إياس الجريري) و (سعيد بن أبي عروبة) : " سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل
ج ١ ص ٤٥٢الاختلاط، وهو أحد من يجمع حديثه من البصريين، وسبيله كسبيل سعيد بن أبي عروبة، لأن سعيد بن أبي عروبة أيضاً اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه مستقيم حجة " (١) .
وقال في (ابن أبي عروبة) : " من سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع بعد الاختلاط فذلك ما لا يعتمد عليه " (٢) .
- (١)الكامل (٤/ ٤٤٥ _ ٤٤٦).
- (٢)الكامل (٤/ ٤٥١).
-
ويخرج من هذا الأصل: ما دل التحري أن راوياً ممن حدث عن المختلط بعد اختلاطه قد انتفى من حديثه المستقيم المحفوظ؛ فهذا استثناء يلحق بالمقبول الصالح للاحتجاج من حديث ذلك المختلط.
قال يحيى بن معين: قلت لوكيع بن الجراح: تحدث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ قال: " رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مُستوٍ؟! " (٣) .
- (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٢١٧) بإسناد صحيح.
-
ومن هذا ما خرجه الشيخان من حديث من روى عن بعض الثقات المختلطين بعد اختلاطهم، فإنهما لم يخرجا من حديث هذا الضرب ما يمكن إنكاره، وما خرجا منه إلا ما هو محفوظ.
-
وتلخيص القسمة في الراوي الثقة الذي ثبت أنه اختلط أن قبول ما يقبل من حديثه ورد ما يرد منه على أحوال أربعة تضبط بحسب من روى عنه:
أولها: أن يثبت أن السماع وقع منه قبل اختلاطه، فهذا يحتج به.
-
وثانيها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه، فهذا ضعيف لا يحتج به، وإنما يصلح للاعتبار إن لم يكن مما ثبت خطؤه فيه بعينه فيجتنب الخطأ.
- ج ١ ص ٤٥٣
وثالثها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه، ولكن من حمل عنه تحرى في أخذه عنه، فلم يحمل عنه إلا صحيح حديثه، فهذا يحتج به.
-
ورابعها: أن لا يتبين متى وقع السماع منه: قبل الاختلاط أو بعده، فهذا يتحرى فيه، ويلحق بأشبه حديثه قبل اختلاطه غالباً ألحق بمن يحتج بحديثه عنه، وإن كان العكس فالعكس، وإن تحير الباحث توقف فيه، وهذا يجعله صالحاً للاعتبار على أدنى تقدير.
- الراوي يختلط فلا يتميز صحيح حديثه من سقيمه: