المبحث الأول: من هو الراوي المجهول؟
١٨ فقرة، ج ١ ص ٤٨١
- ج ١ ص ٤٨١
عرف الخطيب (المجهول) بقوله: " المجهول عند أصحاب الحديث هو: كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد عنه " (١) .
قلت: وفي هذا نظر، فإنا وجدنا العدالة أثبتها أهل الشأن لرواة لم يشتهروا بالعلم، ولم يعرفوا إلا من جهة راو واحد عن أحدهم.
- (١)الكفاية، للخطيب البغدادي (ص: ١٤٩).
-
والتحقيق أن الجهالة باعتبار مقابلتها في هذا العلم للعدالة تنقسم إلى قسمين:
[القسم الأول: جهالة عين]
- ولها صورتان:
-
الأولى: كون الراوي لا يسمى، كأن يأتي في الإسناد: (عن رجل) .
-
والثانية: أن يسمى، لكن لم يعرف عنه سوى اسمه من جهة تلميذ واحد روى عنه لا يروي عنه غيره، ولم يعرف ذلك التلميذ بالتحري فيمن يروي عنهم، ولا يدري أحد من أهل الحديث من يكون ذلك الراوي.
- ج ١ ص ٤٨٢
ويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: (مجهول) ، و: (لا يعرف) ، و: (لا يدرى من هو) ، و: (نكرة) .
-
وهذا الصنف من الرواة يوجد عن أحدهم في العادة الحديث والحديثان والشيء اليسير.
-
وهل يدخل في هذه الصورة الصحابة؟
قال الحاكم: " المحدث إذا لم يعرف شخصه، لم يكن له أن يروى عنه بإجماع الأمة " (١) .
قلت: وهذا بعمومه يتناول الصحابة، وللحاكم قول أبين من هذا ذكرته في الكلام على جهالة الصحابي في (تفسير التعديل) ، وبينت هناك أن الصحابي مستثنى مما يطلب لإثبات العدالة في غيره، وكل ما هو مطلوب لقبول حديثه صحبته، ولو لم يسم.
- (١)سؤالات مَسعود السجزي للحاكم (النص: ٢٨٨).
-
[القسم الثاني: جهالة حال]
- ولها صورتان:
-
الأولى: كون الراوي معروفاً برواية أكثر من واحد عنه.
-
والثانية: روى عنه واحد، لكن انضمت إليه قرينة زادت من قدر العلم به، كمجيء ذكره في خبر لا في إسناد، أو أن يكون العلم به وبحديثه جاءنا من رواية ثقة عنه لم يعرف بالرواية عن المجروحين، كإبراهيم النخعي، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح.
-
لكنه مع العلم بوجوده وارتفاع جهالة عينه فإنه لم تثبت أهليته في الحديث.
- ج ١ ص ٤٨٣
نعم، تثبت له العدالة الدينية بذلك على ما تقدم في (التعديل) .
-
ويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: (مجهول الحال) ، وربما أطلق بعض علماء الجرح والتعديل وصف: (مجهول) ويعنون هذا المعنى، كما يقع من أبي حاتم الرازي.
-
ويوصف هذا أيضاً بـ (المستور) .
-
وزوال الراوي بجهالة الحال إنما يكون باختبار حديثه وتبين حفظه وإتقانه بذلك، وهو الطريق الذي سلكه أئمة الحديث للحكم على الرواة، فإن ثبت حفظه فهو ثقة أو صدوق، وإن تبين سوء حفظه نزل على ما يناسبه من الأصاف.
-
وقد لا يتهيأ للناقد تبين حال الراوي إذا كان لم يرو إلا القليل من الحديث، فيثبت له الوصف بالجهالة الموجبة لرد حديثه، حتى تندفع عنه شبهة الضعف بالمتابعة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سألته عن عطاء العطار؟ فقال: " روى عنه حماد بن سلمة، وهشام بن حسان " فقلت: كيف حديثه؟ فقال: " كم روى؟! شيئاً يسيراً " (١) .
وقال ابن عدي في (عمران بن عبد الله البصري) : " غير معروف، وأنكر عليه البخاري الحديث الواحد في التسبيح، وإذا كان الرجل غير معروف بالروايات؛ فإنه يقع في حديثه المناكير " (٢) .
وقال البخاري في (قيس أبي عمارة الفارسي) : " فيه نظر " (٣) ، فقال ابن
ج ١ ص ٤٨٤عدي: " هذا الذي أشار إليه البخاري إنما هو حديث واحد، وليس الذي يبين من الضعف في الرجل وصدقه إذا كان له حديث واحد " (١) .
وقال ابن عدي في (سلم العلوي) : " قليل الحديث جداً، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليلاً، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر " (٢) .
- (١)العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ٧٨٦).
- (٢)الكامل (٦/ ١٧٣).
- (٣)التاريخ الأوسط (٢/ ١٠٨).
- (١)الكامل (٧/ ١٧١).
- (٢)الكامل (٤/ ٣٥٢).