المبحث الثاني: جهالة الراوي سبب لرد حديثه
٢٣ فقرة، ج ١ ص ٤٨٥
- ج ١ ص ٤٨٥
الجهالة سبب لرد حديث الراوي، ما لم تثبت استقامة حديثه ذلك.
-
وهذا قديم عند أهل العلم أنهم لا يحتجون بحديث المجهول.
قال عبد الله بن عون: " لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفاً بالطلب " (١) .
وقال الشافعي: " لا نقبل خبر من جهلناه، وكذلك لا نقبل خبر من لم نعرفه بالصدق وعمل الخير " (٢) .
وقال: " من حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب، ولا يقبل الخبر إلا ممن عرف بالاستئهال لأن يقبل خبره، ولم يكلف الله أحداً أن يأخذ دينه عمن لا يعرف " (٣) .
ج ١ ص ٤٨٦وقال: " كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلا عمن عرف، وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب " (١) .
وقال البيهقي: " لا يجوز الاحتجاج بأخبار المجهولين " (٢) .
وقال الذهبي: " لا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة، ولا انتفت عنه الجهالة " (٣) .
وقال ابن رجب: " ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح ولا يحتج به " (٤) .
قلت: وقد جرح الأئمة بالجهالة، وردوا بها الكثير من الحديث.
- (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٨) والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤٠٥) وابنُ عدي (١/ ٢٥٧) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٢٥١) من طريق إبراهيم بن المنذر الحِزامي، قال: سمعت أيوب بن واصل يقول: سمعت عبد الله بنَ عون، به. وإسناده حسن.
- (٢)اختلاف الحديث (ص: ٤٥).
- (٣)أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (١/ ٢٠٧) وإسناده صحيح، والمعنى لهذا القوْل عن الشافعي أيضاً في " الرسالة " (ص: ٣٧٦ _ ٣٧٧).
- (١)الأم (١٢/ ٣٦٩).
- (٢)الخلافيات (٢/ ١٧٨ _ ١٧٩).
- (٣)ميزان الاعتدال (٢/ ٢٣٤).
- (٤)شرح علل الترمذي (١/ ٣٤٧).
-
فمن أمثلته (هبيرة بن يريم الشيباني) ، تابعي تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عنه قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " لا، هو شيبة بالمجهولين " (٥) .
- (٥)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١٠٩ _ ١١٠).
-
وهذا ابن عدي أدخل في المجروحين جماعة من المجهولين كانت حجته تعود تارة إلى نكارة حديثهم، وتارة إلى قلة الرواية بحيث لا يتبين من مقدارها استقامة ما رووا، فمن كلامه:
قوله في (إبراهيم بن عبد السلام المخزومي) : " ليس بمعروف، حدث بالمناكير، وعندي أنه يسرق الحديث " (٦) .
- (٦)الكامل في ضعفاء الرجال (١/ ٤١٩).
- ج ١ ص ٤٨٧
وقوله في (إبراهيم بن هانئ) شيخ لبقية بن الوليد: " ليس بالمعروف، يحدث عنه بقية، ويحدث إبراهيم هذا عن ابن جريج بالبواطيل " (١) .
- (١)الكامل (١/ ٤٢١).
-
وقوله في (إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي) : " ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة " (٢) .
- (٢)الكامل (١/ ٤٢٢).
-
وقوله في (بشير بن زياد الخراساني) : " غير مشهور، في حديثه بعض النكرة " وقال: " ليس بالمعروف، إلا أنه يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه، ولم أجد أحداً يروي عنه غير إسماعيل بن عبد الله بن زرارة " (٣) .
- (٣)الكامل (٢/ ١٨٣).
-
وقوله في (بكر بن يزيد المدني) : " ليس بمعروف، ولا أعلم يروي عنه غير القعنبي (٤) ، وهو مجهول من أهل المدينة، والقعنبي أصله من المدينة سكن البصرة، ويروي عن قوم من أهل المدينة غير معروفين، لا يروي عنهم غيره " (٥) .
- (٤)هوَ عبد الله بن مسلمة القعنبي.
- (٥)الكامل (٢/ ٢٠١).
-
وقال مثل هذا في (بهلول بن راشد) (٦) ، و (سليمان بن أبي خالد البزار) (٧) ، و (سليط بن مسلم) (٨) , و (عبد الله بن سليمان) (٩) ، وهؤلاء جميعاً روى عنهم القعنبي.
- (٦)الكامل (٢/ ٢٥١).
- (٧)الكامل (٤/ ٢٩٥).
- (٨)الكامل (٤/ ٥٤٩).
- (٩)الكامل (٥/ ٤٣٠).
-
وقوله في (تمام بن بزيع السعدي) : " ليس بالمعروف، ولا يحدث عنه من البصريين غير محمد بن أبي بكر المقدمي، وهو قليل الحديث " (١٠) .
- (١٠)الكامل (٢/ ٢٧٩).
- ج ١ ص ٤٨٨
وقوله في (الحسن بن عبد الله الثقفي) : " ليس بمعروف، منكر الحديث " ، وقال بعد أن ذكر له حديثين: " وهذان الحديثان بهذا الإسناد منكران، ولا أعلم أنّ للحسن بن عبد الله الثقفي غيرهما، وإن كان للحسن رواية غير ما ذكرته يكون مثل ما ذكرته في الإنكار " (١) .
- (١)الكامل (٣/ ١٦٧ _ ١٦٨).
-
وقوله في (محمد بن عباد بن سعد) شيخ لمعن بن عيسى: " ليس بالمعروف، ومعن يحدث عن قوم ٍ من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين " (٢) .
- (٢)الكامل (٧/ ٤٧٨).
-
وكذلك صنع العقيلي، فمن كلامه في جماعة من المجهولين:
قوله في (إياس بن أبي إياس) : " مجهول، حديثه غير محفوظ " (٣) .
- (٣)الضعفاء، للعُقيلي (١/ ٣٥).
-
وقوله في (إبراهيم بن زكريا الواسطي) : " مجهول، وحديثه خطأ " (٤) .
- (٤)الضعفاء (١/ ٥٣).
-
وقوله في (إبراهيم بن عبد الرحمن الجبلي) : " ليس بمعروف في النقل، والحديث غير محفوظ " (٥) .
- (٥)الضعفاء (١/ ٥٦).
-
وقوله في (بلهط بن عباد) : " مجهول في الرواية، حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه " (٦) .
- (٦)الضعفاء (١/ ١٦٦).
-
وقوله في (الحسن بن علي الهمداني) : " مجهول، لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به " (٧) .
- (٧)الضعفاء (١/ ٢٣٥).
-
وهكذا رأيت من صنيع ابن حبان، لكن على خطته فيمن لم يرو عنه إلا مجروح، فمن كلامه:
قوله في (عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري) ، وذكر له أثراً عن علي بن
ج ١ ص ٤٨٩أبي طالب: " من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة " : " هذا شيء لا أصل له عن علي، .. وابن أبي ليلى هذا رجل مجهول، ما أعلم له شيئاً يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه .. " (١) .
- (١)المجروحين، لابن حبان (٢/ ٥).
-
وقوله في (عبد الله بن زياد سليم القرشي) : " شيخ مجهول، يروي عن عكرمة، روى عنه بقية بن الوليد، لست أحفظ له راوياً غير بقية " وذكر له من تفرده ما لا يحتمل (٢) .
- (٢)المجروحين (٢/ ١٧).
-
وقوله في رجل يقال له: (أبو زيد) : " يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يدري من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبراً واحداً خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به " ، وذكر له حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بالنبيذ (٣) .
- (٣)المجروحين (٣/ ١٥٨).
-
وكذلك الشأن عند الدارقطني، فجرح جماعة بقوله في أحدهم: " مجهول يترك " أو " مجهول متروك " .
قال ذلك في: إسحاق بن عمر، يروي عن عائشة (٤) ، وفي: علي بن أبي فاطمة، يحدث عن يونس بن بكير (٥) ، وفي: عمرو بن أبي نعيمة المعافري (٦) ، وحابس اليماني، يروي عن أبي بكر الصديق (٧) وفي:
ج ١ ص ٤٩٠يزيد بن زيد مولى أبي أسيد البدري (١) ، وفي: أبي مريم الثقفي، يروي عن عمار بن ياسر (٢) .
- (٤)سؤالات البرقاني (النص: ٢٨).
- (٥)سؤالات البرقاني (النص: ٣٦٧).
- (٦)سؤالات البرقاني (النص: ٣٧٢).
- (٧)سؤالات البرقاني (النص: ١١٢).
- (١)سؤالات البرقاني (النص: ٥٥١).
- (٢)سؤالات البرقاني (النص: ٥٨٧).
-
وهذا الذي ذكرت يوضح منهجاً مشتركاً عند هؤلاء الأئمة، هو: أن الراوي يكون مجهولاً ويأتي بالحديث بما لا يعرف وجهه إلا من طريقه، ولكون الشبهة في ضعفه قد قويت من جهة ما تفرد به إسناداً أو متناً أو كليهما، فقد صار في عداد المجروحين.
-
ولا يلحق بالثقات إلا من ثبت تحديثه بالمحفوظ من الحديث دون غيره من أولئك المجهولين.