المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل

٤٠٠ فقرة، ج ١ ص ٥٦٧

الصفحة ٢ من ١٠

  1. أما إذا جاء الوصفان من أكثر من قائل، فالأصل اعتبار دلالات ألفاظ كل على سبيل الاستقلال، فإن الرجل يختلف فيه بين أن يكون ثقة أو صدوقاً، فيصار إلى تحرير أمره تارة بالجمع بين أقوالهم، وتارة بالترجيح بدليله.

    ج ١ ص ٥٧٣
  2. ٥ _ قولهم: (لا بأس به) ، أو: (ليس به بأس) .

  3. الأصل أن هذه اللفظة إذا أطلقت على راو من قبل ناقد عارف فهي تعديل له في نفسه وحديثه، فإن أريد به معنى مخصوص بين.

  4. وذلك كقول أحمد بن حنبل في (مجاعة بن الزبير) : " لم يكن به بأس في نفسه " (٤) .

    1. (٤)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٢٠).
  5. قد يحتج به ابتداء:

    كقول أبي حاتم الرازي في (غوث بن سليمان بن زياد الحضرمي) : " صحيح الحديث، لا بأس به " (٥) .

    1. (٥)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٥٧).
  6. وقوله في (واقد بن محمد بن زيد العمري) : " لا بأس به، ثقة، يحتج بحديثه " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٣٣).
    ج ١ ص ٥٧٤
  7. وقوله في (عطاء بن أبي مسلم الخراساني) : " لا بأس به، صدوق " ، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " نعم " (٢) .

    1. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٣٥).
  8. وقوله في (عبد ربه بن سعيد) : " لا بأس به " ، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " هو حسن الحديث، ثقة " (٣) .

    1. (٣)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٤١).
  9. وقول الدارقطني في (مبشر بن أبي المليح) : " لا بأس به، ويحتج بحديثه " (٤) .

    1. (٤)سؤالات البرقاني (النص: ٤٨٦).
  10. ومن هذا استعمالها في كلام الناقدين: يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم.

    قال أبو بكر بن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: (فلان ليس به بأس) ، و (فلان ضعيف) ؟ قال: " إذا قلت: (ليس به بأس) فهو ثقة، وإذا قلت لك: (هو ضعيف) فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه " (٥) .

    وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ قال: " لا بأس به " ، قلت: ولم لا تقول (ثقة) ولا تعلم إلا خيراً؟ قال: " قد قلت لك: إنه ثقة " (٦) .

    1. (٥)هوَ في " تاريخ ابن أبي خيثمة " (ص: ٣١٥ _ تاريخ المكيين) وأخرجه من طريقه: ابن شاهين في " الثقات " (ص: ٢٧٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٠).
    2. (٦)تاريخ أبو زُرعة (١/ ٣٩٥).
  11. ولك أن تقول: إنما جعلها ابن معين ودحيم تساوي الوصف بقولهم:

    ج ١ ص ٥٧٥(ثقة) ، على اعتبار أنها مرتبة من مراتب الثقات، لا أنها تعادلها من كل وجه عند الإطلاق.

  12. وقد تكون بمنزلة قولهم في الراوي: (صدوق) ، فيكتب حديثه وينظر فيه، ويحتج به بعد اندفاع شبهة الوهم والخطأ، لكون الوصف بها حينئذ قاصراً عن وصف أهل الضبط والإتقان.

  13. مثل قول ابن عدي في (المغيرة بن زياد الموصلي) : " عامة ما يرويه مستقيم، إلا أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث من ليس به بأس من الغلط، وهو لا بأس عندي " (١) .

    1. (١)الكامل (٨/ ٧٦).
  14. وقد يكون موضع تردد عن الناقد:

    كقول أبي حاتم الرازي في (إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش الأسدي) وقد وثقوه: " صالح، لا بأس به " ، قال ابنه: قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " يكتب حديثه " (٢) .

    1. (٢)الجرح والتعديل (١/ ١ / ١١٧).
  15. وقوله في (زهرة بن معبد أبي عقيل) : " ليس به بأس، مستقيم الحديث " فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " لا بأس به " (٣) .

    1. (٣)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦١٥).
  16. وقد يعتبر به، ولا يبلغ حديثه الاحتجاج:

    كقول أبي حاتم في (عبيد الله بن علي بن أبي رافع المدني) : " لا بأس بحديثه، ليس منكر الحديث " ، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " لا، هو يحدث بشيء يسير، وهو شيخ " (٤) .

    1. (٤)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٢٨).
  17. وقوله في (عنبسة بن الأزهر الشيباني) و (محمد بن سعيد ابن

    ج ١ ص ٥٧٦الأصبهاني) في كل منهما: " لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتج به " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٤٠١، و ٣/ ٢ / ٢٦٨).
  18. وقول ابن عدي في (جعفر بن ميمون أبي العوام البصري) : " ليس بكثير الرواية، وقد حدث عنه الثقات، مثل: سعيد بن أبي عروبة، وجماعة من الثقات، ولم أر بحديثه نكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء " (٢) .

    1. (٢)الكامل (٢/ ٣٧٠).
  19. وعند الدارقطني ربما قارن هذا اللفظ قلة حديث الراوي:

    كما قال في (أيوب بن وائل) الذي يحدث عن نافع، وعنه حماد بن زيد: " مقل، صاحب حديث، لا بأس به " (٣) .

    وقال في (ثمامة بن شراحيل) الراوي عن ابن عمر: " لا بأس به، شيخ مقل " (٤) .

    وقال في (الخصيب بن زيد) الراوي عن الحسن البصري: " شيخ لا بأس به، ليس له كبير مسند " (٥) .

    1. (٣)سؤالات البرقاني (النص: ١٨).
    2. (٤)سؤالات البرقاني (النص: ٦٥).
    3. (٥)سؤالات البرقاني (النص: ١٣٥).
  20. تنبيه:
  21. أما عبارة: (لا أعلم به بأساً) ، فهذه وقعت في كلام أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة، منهم: صالح بن نبهان مولى التوأمة قبل أن يختلط (٦) ، وعبد الله بن شريك (٧) ، والمختار بن فلفل (٨) ، وداود بن صالح

    ج ١ ص ٥٧٧التمار (١) ، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (٢) ، وعمير بن سعيد النخعي (٣) ، وقيس بن طلق (٤) .

    1. (٦)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٣٨٢، ٤٤٧٩).
    2. (٧)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣١٩٣).
    3. (٨)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٣٢١).
    4. (١)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ٢ / ٤١٦).
    5. (٢)الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٧٥).
    6. (٣)سؤالات أبي داود (النص: ٣٤٢).
    7. (٤)سؤالات أبي داود (النص: ٥٥١).
  22. ولم يقلها في راو من هؤلاء إلا وهو إما ثقة وإما صدوق، ليس فيهم من ينزل عن ذلك.

  23. وشبيه به استعمال من جرت في قوله من سواه من النقاد، كالذهبي من المتأخرين، فإنه يقولها في رواة من المستورين أو من فوقهم.

  24. ولو جاريت مجرد دلالة اللفظ اللغوية، لوجدت بينها وبين (لا بأس به) فرقاً، وذلك شبيه بما حدث به عبد الله بن عون، قال: قال ابن سيرين لرجل في شيء سأله عنه: " لا أعلم به بأساً " ، ثم قال له: " إني لم أقل لك: لا بأس به، إنما قلت: لا أعلم به بأساً " (٥) .

    قلت: لكن حين تبين لنا المراد بالتعديل بها في حق النقلة، وعلمنا أن الناقد قد عنى التعديل، لم يؤثر ما للفظ اللغوي من دلالة.

    1. (٥)أخرجه ابنُ سعد في " الطبقات " (٧/ ١٩٦) وأبو زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (٢/ ٦٨٣) وأبو نُعيم في " الحلية " (٢/ ٢٩٩ رقم: ٢٢٨٨) وإسناده صحيح.
  25. وأرى مثلها قول أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة: (لا أعلم إلا خيراً) ، فقد تتبعتها فوجدته لا يكاد يقولها إلا في ثقة أو صدوق، وندر منه قولها في مجروح ينزل عن درجة الاعتبار.

  26. وذلك كالذي نقل الميموني عن أحمد في (الحكم بن عطية) قال: " لا أعلم إلا خيراً " ، فقال له رجل: حدثني فلان عنه عن ثابت عن أنس، قال: كان مهر أم سلمة متاعاً قيمته عشرة دراهم، فأقبل أبو عبد الله يتعجب،

    ج ١ ص ٥٧٨وقال: " هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم فيه " (١) .

    1. (١)تهذيب التهذيب (١/ ٤٦٨).
  27. وكان أحمد بعد ذلك إذا سئل عنه لينه، كما قال له المروذي: الحكم بن عطية، كيف هو؟ قال: البصري؟ قلت: نعم، الذي روى عن ثابت، قال: " كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير " وكأنه ضعفه (٢) .

    قلت: وفي هذا من الفائدة دلالة على أنه قوله في الراوي: (لا أعلم إلا خيراً) تعديل يساوي قوله: (ليس به بأس) .

    1. (٢)العلل، رواية المروذي (النص: ١٦٥).
  28. أما عن غير أحمد من سائر النقاد، فندر استعمال هذه اللفظة في كلامهم.

  29. ٦ _ قولهم: (حسن الحديث) .

  30. شرحت ما يتصل به في الكلام على (الحديث الحسن) .

  31. ٧ _ قولهم: (مقارب الحديث) .

  32. وقع استعمال هذه العبارة في كلام أحمد بن حنبل، والبخاري، وهي عبارة تعديل وقبول، تساوي مرتبة (حسن الحديث) ، على هذا دل استقراء أحوال من قيلت فيه، على قلة ذلك في كتب الجرح والتعديل.

  33. بل وجدت البخاري قال في (الوليد بن رباح) : " مقارب الحديث " ، وحكم على حديث رواه بقوله: " حديث صحيح " (٣) .

    1. (٣)العلل الكبير، للترمذي (٢/ ٦٧٦ _ ٦٧٧).
  34. والترمذي يبني على من يقول فيه البخاري ذلك أن يحسن حديثه (٤) ،

    ج ١ ص ٥٧٩نعم، ربما خالف شيخه في قوله ذلك ولم يقنع به في رواة شاع لأهل العلم بالحديث فيهم الجرح (١) .

    1. (٤)كما في جاء حديث رواهُ أبو ظِلال عن أنس، " الجامع " للترمذي (رقم: ٥٨٦)، وآخر لبكَّار بن عبد العزيز بن أبي بكرةَ، " الجامع " (رقم: ١٥٧٨).
    2. (١)مثل: عبد الرحمن بن زياد بن أنْعم الإفريقي، (الجامع، للترمذي رقم: ١٩٩)، وإسماعيل بن رافع (الجامع، رقم: ١٦٦٦).
  35. وبمعناه أيضاً عبارة (حديثه مقارب) ، ووقعت في كلام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وبندرة في كلام يحيى بن معين، وغيرهم.

  36. ٨ _ قوهم: (وسط) .

  37. تقع في كلام ابن المديني، ومن المتأخرين الذهبي.

  38. وهل هي مرتبة تعديل، أم لا؟

  39. دلالتها من لفظها تضع الموصوف بها في مرتبة بين التعديل والتجريح، ومن كان كذلك فلا يحسن أن يلحق بمراتب التعديل، كما لا يصار به إلى الجرح، فحديثه موقوف على المرجح، وهو المتابعات والشواهد، وعليه يقال: هي مرتبة صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به.

  40. ومما يبين ذلك من استعمالهم: