المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل
٤٠٠ فقرة، ج ١ ص ٥٦٧
الصفحة ٨ من ١٠
- ج ١ ص ٦١٣
فهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث، ووصفه يحيى بكونه (منكر الحديث) .
-
وعلمنا كون هذا الاستعمال هنا أريد به المتروك الكذاب بدلالة المعروف عن النقاد في شأنه.
-
إذاً استعمالهم لهذه اللفظة يجب أن يراعى فيه درجة الجرح بها، ولا
ج ١ ص ٦١٤يصح أن تحمل على الشديد المسقط لذاتها، إلا أن يُعدم في الراوي من الأوصاف سِواها.
-
وهذا الذي ذكرت في بيان معنى هذه العبارة هو الذي يجري عليه الاصطلاح لعامة النقاد، ومنهم البخاري في التحقيق.
-
تفسير قول البخاري في الراوي: " منكر الحديث " :
حكى أبو الحسن القطان عن البخاري أنه قال في كتابه " الأوسط " : " كل من قلت فيه: منكر الحديث؛ فلا تحل الرواية عنه " (١) .
- (١)بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (٢/ ٢٦٤، و ٣/ ٣٧٧).
-
هذا النص عن البخاري وجدت من يذكره يعزوه لابن القطان، ولم أجد له ذكراً فيما في أيدينا من مصنَّفَات البخاري، ولما فيه من الشِّدَّة ألحق في رأي بعض متأخري المحدثين بأسوأ مراتب التجريح.
-
والذي وجدته بالتتبُّع أن استعمال البخاري لهذه اللفظة لا يختلف عن استعمال من سبقه أو لحقه من علماء الحديث، فهو إنما يقول ذلك في حقِّ من غلبت النكارة على حديثه، أو استحكمت من جميعه، وربما حكم عليه غيره بمثل حُكمه، وربَّما وصف بكونه (متروك الحديث) ، وربما اتُّهم بالكذب، وربما وصف بمجرد الضعف، وربما قال ذلك البخاري في الراوي المجهول الذي لم يرو إلا الحديث الواحد المنكر.
-
وهذه أمثلة متفاوتة من الرواة لذلك:
قال البخاري في (إسحاق بن نجيح الملطي) : " منكر الحديث " ، وهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث عندهم، ومثله ممن لا تحل الراوية عنه إلاَّ للبيان.
-
وقالها في (ثابت بن زهير أبي زهير) ، وهكذا جاءت عبارات غيره
ج ١ ص ٦١٥على الموافقة لما قال لفظاً أو معنى , وقال ابن عدي: " كل أحاديثه تُخالفُ الثقات في أسانيدها ومتونها " (١) ، ومنهم من قال: " متروك الحديث " .
- (١)الكامل (٢/ ٢٩٨).
-
وقالها في (جُميع بن ثُوب الرَّحبيِّ) ، وقال ابن عدي: " عامَّةُ أحاديثه مناكير، كما ذكره البخاري " (٢) .
قلت: وهذا من ابن عدي تفسير ظاهر لمراد البخاري بهذه اللفظة، والتي تؤكد ما ذكرته آنفاً أنَّه مراد أئمة الشأن.
- (٢)الكامل (٢/ ٤١٧).
-
وقالها البخاري في (إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة) ، ولم يقله غير ممن سبقه، بل قال أحمد بن حنبل: " ثقة " ، وقال ابن معين: " صالح " ، لكن وافقه عليه من أقرانه أبو حاتم الرازي، وفسَّره فقال: " شيخ ليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يُحتج به، منكر الحديث " (٣) ، فكأنه يقول: له أحاديث مناكير، ولم يغلب ذلك على حديثه إلى درجة أنه صار لا تحل الراوية عنه.
- (٣)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٨٣ _ ٨٤).
-
وهذا ابن عدي يقول بعدما حرَّر مروياته: " له غير ما ذكرته من الأحاديث، ولم أجد له أوحش من هذه الأحاديث، وهو صالح في باب الرواية، كما حكي عن يحيى بن معين، ويكتب حديثه مع ضعفه " (٤) .
قلت: وكان البخاري قال مرة: " عنده مناكير " (٥) ، وهذه أظهر في أمره من الإطلاق المتقدِّم، لكن دل هذا على أن تلك العبارة من البخاري لا تعني دائماً أن يكون الراوي الموصوف بذلك ينزَّل منزلة المتروك الساقط، والذي هو مقتضى عبارة: " لا تحل الرواية عنه " .
- (٤)الكامل (١/ ٣٨٣).
- (٥)التاريخ الأوسط (٢/ ١٣٥).
- ج ١ ص ٦١٦
وقالها البخاري في (عبد الله بن خالد بن سلمة المخزومي) ، وكذلك قال أبو حاتم الرازي (١) ، وفسر أمره ابن عدي، فقال: " ليس به من الحديث إلا اليسير، ولعله لا يروي عنه غير محمد بن عقبة " (٢) .
- (١)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٤٥).
- (٢)الكامل (٥/ ٣٦٧).
-
ومن بابه (عبد الله بن المؤمل المخزومي) ، قال أبو داود: " منكر الحديث " (٣) ، وكان قليل الحديث، كما بين ذلك ابن حبان فقال: " قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به، وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته، فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحرام برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل اعتماداً منها على رواية من ليس بعدل عندناً، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه " (٤) .
قلت: وفي هذا بقاء على أصل استعمال هذه اللفظة فيمن لم يرو إلا المنكر أو غلب ذلك على حديثه، فهذا وإن لم يرو إلا اليسير، لكن جميعُ ذلك منكر، فصح أن يكون (منكر الحديث) ، وهذا جرح له بالنظر إلى مروياته دون حاله.
- (٣)تهذيب الكمال، للمزي (١٦/ ١٩٠).
- (٤)المجروحين (٢/ ٢٨).
-
ويستثنى من دلالة الاصطلاح في استعمال (منكر الحديث) صورة تحتاج إلى تيقظ، وهي:
ما وقع من استعمال بعض المتقدمين هذا الوصف يريد به أن الراوي يتفرد ويُغْرب.
- ج ١ ص ٦١٧
وعلى هذا حمل بعض الأئمة قول يحيى بن سعيد القطان في (قيس بن أبي حازم) : " منكر الحديث " وذكر له أحاديث مناكير (١) .
- (١)تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٩/ ٤٦٤).
-
كما قال يعقوب بن شيبة: " الذين أطْرَوْه يحملون هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب " (٢) .
- (٢)تاريخ دمشق (٤٩/ ٤٦٢).
-
ولذا قال ابن حجر: " ومراد القطان بالمنكر: الفرد المطلق " (٣) .
- (٣)تهذيب التهذيب (٣/ ٤٤٥).
-
وهو استعمال أحمد بن حنبل أيضاً في طائفةٍ من الثقات، لم يكن مرادُهُ يعدو التفرد، مثل: محمد بن حنبل أيضاً في طائفة من الثقات، لم يكن مراده يَعدو التفرد، مثل: محمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أبي أنيسة، وعمرو بن الحارث، والحسين بن واقد، وخالد بن مخلد.
-
ومما يُؤيِّد هذا قول أحمد بن حنبل في (الحسين بن الحسن الأشقر) : " منكر الحديث، وكان صدوقاً " (٤) .
- (٤)مسائل ابن هانئ النيْسابوري (٢/ ٢٤٣).
-
فوصفه بالصدق مع كونه عنده منكر الحديث.
-
٣٢ _ قولهم: (روى أحاديث معضلةً) أو: (يروي المعضَلاتِ) .
-
جاء استعمالُ (المعضلِ) في كلام السلف بمعنى: الحديث المنكر، أو شديد النكارة، أو الموضوع، وقع ذلك في مواضع عدة في كلام الجوز جاني، وابن عدي، وابن حبان، كما وقع بِنْدرة في كلام آخرين، كالبخاري (٥) ، وأبي حاتم الرازي (٦) ، والعقيلي (٧) .
- (٥)كقوله في ترجمة (عُمر بن غِياث): " مُعضل الحديث " (التاريخ الأوسط ٢/ ١٨٦) هامشاً، ونقله ابنُ عدي في " الكامل " (٦/ ١١٧).
- (٦)في ترجمة (عِمران بن وَهب) في " الجرح والتعديل " (٣/ ١ / ٣٠٦)، و (عُفير بن مَعدان) في " علل الحديث " (٢/ ١٧٣).
- (٧)كقوله في ترجمة (عُمر بن يزيد الشيباني): " مَجهولٌ بالنقل، جاءَ عن شُعبة بحديث مُعضلٍ " (الضعفاء ٣/ ١٩٥).
- ج ١ ص ٦١٨
ومن عبارتهم فيه:
قال الجوزجاني في (ضبارة بن عبد الله بن مالك الحضرمي) : " روى عن ذُويد عن الزهري حديثاً معضلاً عن أبي قتادة " ، يعني منكراً، وهذا رجل مجهول.
-
وقال ابن عدي في (الحسن بن زيد بن الحسن الهاشمي) : " يروي عن أبيه، وعكرمة أحاديث معضلة " (١) ، أراد منكرة.
- (١)الكامل (٣/ ١٧٢). ونحوه في ترجمة (الحسَن بن علي النخعي) وكانَ ابنُ عدي قد كذَّبه (الكامل ٣/ ٢١٣).
-
وبمعناه قوله في (حصين بن عمر الأحمسيِّ) : " عامة أحاديثه معاضيل ينفرد عن كل من يروي عنه " (٢) .
- (٢)الكامل (٣/ ٣٠١).
-
وقال ابن حبان في (عمر بن محمد بن صهبان الأسلمي) : " كان ممن يروي عن الثقات المعضلات التي إذا سمعها من الحديث صناعته لم يشك أنها معمولة، يجب التنكُّب عن روايته في الكتب " (٣) .
- (٣)المجروحين (٢/ ٨١ _ ٨٢).
-
ولابن حبان في هذا الاستعمال نظائر أخرى معروفة.
-
ومنه قوله في (سلام بن أبي خُبْزة العطار) : " كثير الخطأ، معضل الأخبار، يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به " (٤) .
- (٤)المجروحين (١/ ٣٤٠).
-
وجميع هذا لا يعنون به (المعضل) بمعناه الاصطلاحي الذي شاع استعماله عند المتأخرين، وكان يُذْكر عند المتقدمين نادراً، كما بيَّنته في (ألقاب الحديث) .
-
٣٣ _ قولهم: (أستخير الله فيه) .
-
عرفت هذه العبارة عن ابن حبَّان، ولا تكاد تراها لغيره، ووجدتها من
ج ١ ص ٦١٩كلام عبد الرحمن بن مهدي، لكنِّي لم أجدها عنه بإسناد يصحُّ، ولو صحَّ عنه فهو نادر قليل.
-
وظاهرها: تردُّدُ الناقد في الراوي: يُلْحق بالثقات أو الضعفاء، والترجيح بحسب ما يتبين من كلام سائر النقاد والنظر في حديث الراوي.
-
٣٤ _ قولهم: (ليس بشيء) .
-
تكثر في كلام يحيى بن معين، ويقولها غيره.
قال الحاكم: " قول يحيى بن معين: (ليس بشيء) ، هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء، يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به " (١) .
قلت: ومن مثاله قول يحيى بن معين في (حنظلة بن عبد الرحمن التيمي) : " ليس بشيء " ، وقال مرَّة: " لم يكن به بأس إن شاء الله " (٢) ، وفي رواية: " ضعيف، يكتب حديثه " (٣) ، فترددت فيه عبارته في معنى متقارب، والسبب فيه ما قال ابن عدي: " لم أر له من الحديث إلا القليل، إلا أن الثوري قد حدث عنه بشيء يسير، ولم يتبين لي ضعفه؛ لقلة حديثه " (٤) .
قلت: أراد الضعف المسقط.
- (١)نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (٣/ ٤٦١).
- (٢)تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٨٤٤، ٣٤٣٠).
- (٣)الكامل، لابن عدي (٣/ ٣٤٣).
- (٤)الكامل (٣/ ٣٤٣).
-
ولم يبد لي صحة ما قاله الحاكم في أكثر من أطلق عليهم ابن معين هذه العبارة، وهو قد أطلقها على عدد كثير من الراوة، وجدت أكثرهم من المعروفين بالرواية، لكنهم من الضعفاء والمتروكين والمتهمين، ومثاله منتشر جداً في الروايات عن ابن معين.
- ج ١ ص ٦٢٠
نعم، يوجد في بعضهم من يمكن وصفه بقلة الرواية على ضعفه، لكن لا يصح أن يحمل عليه مراد يحيى؛ لأنه الأقل مقارنة بالصنف الآخر.
-
والصواب أن عبارة يحيى هذه: عبارة جرح مجملة في تحديد قدر الجرح وسببه، ولا تخرج عن نفس مراد غيره من النقاد على ما يأتي ذكره عن المنذري.
- ومما يدل على ذلك:
-
ما حكاه الآجري، قال: قلت لأبي داود: العوَّام بن حمزة حدث عنه يحيى القطان، قال عباس عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء، قال: " ما نعرف له حديثاً منكراً " (١) .
- (١)سؤالات الآجري (النص: ٣٥٥)، وعِبارة ابنِ معين في رواية عباس الدوري (النص: ٤٢٤٤): " ليسَ حديثه بشيء ".