المبحث الثاني: منزلة هذا العلم والطريق إليه

٢٥ فقرة، ج ١ ص ٦٤٥

  1. هذا العلم من علوم الحديث من أشرفها وأعظمها قدراً، وهو علم لا تتهيأ المعرفة به إلا بصبر طويل، وسعة تحصيل، ودراية بمقدمات في هذا العلم تكتسب بالخبرة، ويقود إليها عمق النظرة، لا يقتصر فيه على حفظ ظاهر، بل هو بحفظ وتحقيق، اقترن فيه الأخذ بالأسباب بالتوكل الموجب للتوفيق.

    ج ١ ص ٦٤٥
  2. وهو علم تخصص، كأي تخصص، لا يجرؤ عليه من ليس من أهله إلا سقط، ولا من لم يتأهل فيه بعد إلاَّ أكثر الغلط، فتخيله إن شئت فيمن تعرض لتطبيب إنسان، وما له نصيب في دراسة طب الأبدان، أو طالب أقبل على علم الطب بالكلية، لكنه لم يكتسب من الأهلية ما يمكنه معه إجراء عملية جراحية، فهل ترى يستغرب من عاقبة استعجاله هلاك نفس بشرية؟

  3. فعلم (علل الحديث) هو علم الطب لأبدان الأحاديث المروية، وليس الذكي فيه من شخص ظاهر العلل، فذلك باد بالحسن، وإنما الذكي من اكتشف العلل الباطنة الخفية.

  4. فلهذا، كانت معرفة هذا العلم صعبة إلا على من فتح الله عليه ومنحه من فضله، بصدق تحصيله له وسلامة قصده، مع السعي الدؤوب للبلوغ مبلغ أهله.

  5. ومن هذه الجهة جاءت عن السلف عبارات تنبئ عن هذه الحقيقة، ففسرها من لم يفهم مراد أهلها بأن هذا العلم كهانة.

    قال علي بن المديني: جاء رجل لعبد الرحمن (يعني ابن مهدي) ، فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ قال عبد الرحمن: " أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا ستوق، وهذا نبهرج (١) ، أكنت تسأل عمن ذلك، أو كنت تسلم الأمر إليه؟ " ، قال: لا، بل كنت أسلم الأمر إليه، قال: " فهذا كذلك؛ لطول المجالسة أو المناظرة والخبرة " (٢) .

    قلت: فانظر كيف أعاده إلى أمر مدرك: طول مجالسة لأهله، وكثرة مناظرة فيه، وخبرة مكتسبة.

    1. (١)ستُّوق، ونبهرج: نقد مُزيَّف.
    2. (٢)أخرجه ابنُ عدي (١/ ١٩٨) ومن طريقه: البيهقي في " دلائل النُّبوة " (١/ ٣١) وإسنادُهُ صحيح.
    ج ١ ص ٦٤٦
  6. وكذلك انظر إلى مثله المضروب، فالصَّرَّاف يميَّز مزيَّفَ النَّقد من صحيحه، لا بصدفةٍ أو إلهام مجرد، بل بدراية ومعرفة، أكسَبَها طول الملازمة، وشُغْل الوقت في المعالجة.

  7. المبرّزون من أئمة الحديث في معرفة علله:
  8. حفَّاظ الحديث خلق كثير على مرِّ الأزمان، وإن شحَّ بهم هذا الزمان، لكنك لا تجد فيهم المتعرِّض إلى هذا الفن من فنون هذا العلم، إلا قليلاًَ، وذلك لما تقدمت الإشارة إليه، أن معرفة هذا العلم لا تقتصر على مجرد حفظ، فإذا كان في بعض من يحفظ الحديث من لا يميز علله الظاهرة وهم أكثر المعدودين في حفَّاظه، فكيف يفهم علله الباطنة؟

  9. ولذا كان من عدَّ في العارفين به قلة في أئمة الأمة.

    ج ١ ص ٦٤٧قال أبو حاتم الرازي: " الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه وعنده تمييز ذلك، ويحسن علل الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك " فقيل له: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحداً؟ قال: " لا " (١)

    قلت: بل منهم في عصره: البخاري، ومحمد بن يحيي الذهليُّ، ثم بعدهم مسلم والترمذي، فالنسائي وهكذا، وأبو حاتم نفسه رأسٌ من رءوس أهله.

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٢٣).
  10. فأما أحمد بن حنبل، فعنه كلام كثير منقول في هذا الباب.

  11. ويحيى بن معين، ففي بعض كتبه منثورات في علل الحديث.

  12. وعلي بن المديني، له فيه تصنيف، وصلنا بعضه، وقد قال فيه الخطيب: " كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبها، ولسان طائفة الحديث وخطيبها " (٢) .

    1. (٢)الجامع لأخلاق الرَّاوي (٢/ ٣٠٢).
  13. وتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري، وله كلام كثير منثور في " تاريخيه " وحكى عنه الترمذي الكثير في مصنفه في (العلل) ، بل " صحيحه " أعظم الأدلة على قوة تمكنه وكبير منزلته، فإن نقاد الحديث توالوا على تتبعه فيه ونقده في خفي علل الحديث، وما كاد يرجح فيه رأيهم على رأيه إلا في مواضع معدودة.

  14. وتلميذه مسلم بن الحجاج، وله فيه كتاب " التمييز " ، وصلنا بعضه، وهو ينبئ عن تمكن ودراية، مثله الذي جعل لـ " صحيحه " التقدم حتى صار ثاني الكتب في صحيح السنة.

  15. ويعقوب بن شيبة، وقد ألف مسنداً معللا، تدل القطعة التي وصلتنا

    ج ١ ص ٦٤٨منه من (مسند عمر بن الخطاب) على تبحره في معرفة هذا العلم، وذكروا أنه لم يتم ذلك الكتاب (١) .

    1. (١)انظر ترجمته في " تاريخ بغداد " للخطيب (١٤/ ٢٨١).
  16. وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، قدوة في معرفة هذا العلم، وكلامهما في علل الحديث كثير نافع، ضمَّنه عبد الرحمن بن أبي حاتم الكتاب الذي جمعه في ذلك عنهما.

  17. وأبو بكر البزار، وقد ضمَّن " مسنده " المعروف بـ " البحر الزَّخَّار " من علوم الحديث أنواعاً، وضرب منه بنصيب وافر في بيان علل الحديث، وإن كان مختصر العبارة فيه.

  18. وأبو عبد الرحمن النسائي، وفي كتابيه " السنن الكبرى " و " المجتبى " من بيان علل الحديث شيء كثير.

  19. وغيرهم عدد ليس بالكثير من أقرانهم من الحفاظ، وبعدهم طائفة من الكبار، هم قلة في أئمة الحديث، من أبرزهم:

    الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني، وكتابه " العلل الواردة في الأحاديث النبوية " الذي رواه عنه تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني، من أعظم هذه الكتب نفعاً، يبين عن دقة هذا العلم، وتمكن الدارقطني فيه.

    قال ابن كثير يبين قدر هذا الكتاب: " هو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، رقد أعجز من يريد أن يأتي بعده " (٢) .

    1. (٢)اختصارُ علوم الحديث، لابن كثير (ص: ٥٤) مع " الباعث الحثيث ".
  20. لكن ينبغي أن تلاحظ أنه يعل بالعلل القادحة وغير القادحة، فقد توسع في ذلك.

  21. هل انتهى الزمن الذي يمكن فيه تمييز العلل الخفية للأحاديث؟.

    ج ١ ص ٦٤٩
  22. كذا قد يخيل لبعض الناس، وذلك لما رأوا في المتأخرين من ضعف المعرفة بهذا العلم، لكن إدراك أن الحاجة إليه لا زالت قائمة , يوجب أن يكون في الأمة من يفهمه، ولو عجز عنه أهل زمان فلا يعني تعذره، بل الواجب تحصيله كسائر علوم الاجتهاد، فهذا علم قام على اجتهاد النقاد، وباب الاجتهاد لا يحل لأحد غلقه، وبقاء الحاجة علة بقائه، والحاجة لمعرفة الصحيح من السقيم من الحديث لم تنته، ونقد السنن المروية لم يزل.

  23. وإذا كان يجب على الأمة أن توجد من بينها من يجتهد لها في دينها، ليميز لها الحلال من الحرام، وعلة ذلك بقاء الحوادث، أو للترجيح في الخلاف، فالسنن المروية لم يزل كثير منها مما يجتهد فيه أهل الحديث، وأكثره مما يحتاج فيه إلى الترجيح في الخلاف، فوجب أن يوجد فيها من يميز الصحيح من السقيم، ولا سبيل إليه إلا بتمييز علل الحديث.

  24. والحق أن في المتأخرين طائفة من الأئِمة تعرضوا لنقد الأحاديث بالعلل الخفية، وإن لم يكثر ذلك منهم بالنظر إلى تعرضهم له، أو بالمقارنة بكلامهم في العلل الظاهرة، منهم: الخطيب البغدادي، وابن عبد البرِّ المالكي، وأبو طاهر السلفي، وابن القطان الفاسي، وتقي الدين ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وابن كثير الدمشقي، وابن رجب الحنبلي، وأبو الفضل العراقي، وابن حجر العسقلاني، ومحمد ناصر الدين الألباني.

  25. والمتعرضون من أهل هذا الزمان لهذا العلم كثير، لكن الشأن في أغلبهم على حد قول القائل:

    أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل