المبحث الثالث: تحديد إطار النقد الخفي
٣٥ فقرة، ج ١ ص ٦٥٠
- ج ١ ص ٦٥٠
تقدم أن الحديث يخضع في بحث الناقد إلى إدخاله في مخبرةٍ؛ ليستكشف ما يمكن أن يكون مانعاً من القول بثبوته، وذلك يجعل الناقد يستعرض جميع ما يقف عليه مما يمكن أن يكون له تأثير ولو احتمالاً، وفيه ما تأثيره ظاهر، وفيه ما تأثيره خفي، وفيه ما يورد الشبهة.
-
ولكوْن هذا العلم من علوم الحديث كان النقاد يتكلمون فيه دون مصطلحات مستقرة، فقد دخل بعض صوره في بعض، كما دخل فيه ما ليس منه.
-
وتوضيح ذلك بحصر أنواع التعليل الواقع في كلامهم في صور أربع، أذكرها مبيناً ما ينبغي إدراجه تحت هذا العلم، وما يخرج عنه، إما لكونه غير مرادٍ أصلا أن يدخل في هذا الباب، بل ذكره فيه خطأٌ، وإما لكونه اندرج بعد الاصطلاح تحت باب آخر:
الصورة الأولى: ما أطلق عليه مسمى (العلة) وليس من هذا الباب.
-
وله مثالان:
الأول: الحديث المنسوخ.
-
تسمية (النسخ) علة، وقع بنَدرة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم
ج ١ ص ٦٥١الرازي (١) والترمذي ... (٢) .
- (١)مثاله: إيراد حديث: " الماء من الماء " في علل الحديث " لابنِهِ (رقم: ١١٤).
- (٢)فقد قال في كتاب (العلل) في آخر كتاب " الجامع " (٦/ ٢٢٧) بعد أن ذكر حديثَ ابن عباس في الجمع بينَ الصَّلاتين في الحضر، وحديثَ قتْل شارب الخمر في الرابعة بعد جلده ثلاثاً: " وقد بيَّنَّا علَّة الحديثين جميعاً في الكتاب "، وكان قد أخرج الأول في " الجامع " (رقم: ١٨٧)، والثاني (رقم: ١٤٤٤)، ولم يذكر لهما علة تقدح في صحتهما عنده، وإنما عنَى ترك العمل بهما فيما بدا له، كما ذكر ذلك أول كتاب (العلل)، وذكر بعدَ حديث شارب الخمر دعوة النَّسْخ، فتأمل كيف أطلق على ذلك اسم العلَّة !
-
وليس هذا من موضوع (علل الحديث) ؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعاً صحيحا النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث لقادح خفي.
-
والثاني: مُشكل الحديث.
-
وذلك في الحديث يشكل معناه، أو الحديثين يتعارضان ظاهراً، فهذا طريق لعلك لا تجد في أهل الحديث المتقدمين من أعلَّ حديثاً بمقتضاه، وإنما وقع في أزمانهم من بعض أهل البدع طعناً منهم في السنن الصحيحة بما استشكلوه من ظاهرها، أو جاءت على النقض لبدعهم، ولو ردوه إلى أهل العلم بالسنن لعلمه الذين يستنبطونه.
-
وقد اصطفى الله تعالى رجالاً من أهل الذكر، فذَبُّوا عن السنن بدفع الإشكال بأحسن البيان، كالشافعي في " مختلف الحديث " ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار " وهو أجمع كتاب في بابه وأجله، وابن قتيبة الأديب البارع في " تأويل مختلف الحديث " ، وغيرهم.
-
والمقصود: أنَّ ما استشكل الإنسان معناه، أو ظنه معارضاً لأصل، فإنه لا يجوز له رده حتى يستيقن فساده، ويجد في نقلته من يحمل تبعته، كما كان يصنع نقاد أهل الحديث، فإنهم ردوا أحاديث بمخالفة الأصول،
ج ١ ص ٦٥٢وبينوا أن الغلط وقع فيها من بعض نقلتها، كما سأذكر بعض أمثلته في (التعليل بمخالفة القرآن) ، أو (السنن المحفوظة) .
-
الصورة الثانية: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ولا أثر له على ثبوت الحديث.
-
وهذه الصورة وقعت في كثير من الأحاديث المعللة في كلام أئمة الحديث، ترجع عامتها إلى اختلاف الرواة في الإسناد، أو المتن.
-
وهذا له أمثلة عديدةٌ، يأتي التنبيه عليها أثناء بيان أسباب التعليل من خلال منهج النقاد، وذِكر ما لا يتأثر بالتعليل منها، كالتعليل بمجرد التفرد، وتعليل زيادة الثقة في أحوال، وكالحديث يختلف في إسناده ثقتان، كلٌّ يأتي به على وجه، ولا علة له فوق ذلك الثقة، فإن لم يترجح الخطأ في أحدهما فهو صحيح على أي حال، إذ كيفما كان المحفوظ فيه فهو صحيح إلى منتهاه.
- ومما ينبغي التنبه له أمران:
-
الأول: يعود إلى اختلاف ألفاظ المتن للحديث الواحد.
-
فهذا إن وجدته في حديث، فليس بعلة، ما لم تتضاد تلك الألفاظ في معانيها، وذلك من أجل جواز الرواية بالمعنى بشروطه، فلا تعجل بالتعليل لهذا السبب، حتى تعدم ردَّ ذلك الاختلاف إلى معنى واحد صحيح، أو معان غير متناقضة.
-
والثاني: إذا قام الدليل على كون المختلف فيه حديثين، فليس هذا اختلافاً في التحقيق، وعليه فليس هو بعلة.
قال ابن رجب: " وعلامة ذلك: أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو نقص منه، أو تغييرٌ، يُستدل به على أنه حديث آخر " (١) .
- (١)شرح علل الترمذيِّ (٢/ ٧٢٩).
- ج ١ ص ٦٥٣
واعتبار كونهما حديثين، ولا يُعل أحدهما بالآخر، هو على طريقة ابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيَّين وأكثر الحفَّاظ.
-
أما الدارقطني، فقد كان يعل الحديث بمثل هذا الاختلاف، إذا تقارب المعنى بين الحديثين، كأحاديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد (١)
- (١)انظر: شرح العلل، لابن رجب (٢/ ٧٢٩ _ ٧٣٠).
-
الصورة الثالثة: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ، وهو من العلل الظاهرة.
-
وهي العلَّة العائدة إلى انقطاع ظاهر، أو مجيء الرواية من طريق مجروح، أو اشتراك اسم بين راوٍ ثقة وآخر مجروح.
-
والطريق لتمييز هذه العلة معرفة المراسيل، وتواريخ الرواة لمعرفة الإدراك، والجرح والتعديل، والمتفق والمفترق أو مشتبه الأسماء.
-
ومن أمثلة العلل الظاهرة:
أولاً: أن يختلف ثقة ومجروح، فليس هذا من خفي العلل، إذ رواية المجروح مرجوحة ضعيفة من جهة ضعفه المتميز، وهو لو تفرَّد فهو واهٍ، فكيف به وقد خالف؟
-
نعم، يستثنى من ذلك اختلاف الرواية بين ثقة أو ثقات ومن هو ثقة أو صدوق في الأصل، يُلين في بعض شيوخه لا مطلقاً، إذا كان وقع الاختلاف على شيخه الذي هو فيه ضعيف، إذ هذا مما قد يخفى، إجراء على أصل ثقته، كرواية بعض الثقات من أصحاب الزهري عنه، وقد ضُعِّفوا فيه، وسأذكر له مثالاً بمخالفةٍ من هشام بن سعد لسائر أصحاب الزهريِّ، عنه.
-
ثانياً: تعليل الحديث براوٍ غير منسوب، يشترك في إطلاقه راويان: ثقة ومجروح.
- ج ١ ص ٦٥٤
وذلك كرواية وكيع بن الجراح عن النضر، لا يبينه: وهو يروي عن النضر بن عربي وهو ثقة، وعن النضر الخزاز وهو ضعيف.
-
ورواية حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن البصري، وهو يروي عن أشعث بن عبد الملك وهو ثقة، وعن أشعث بن سوار وهو ضعيف.
-
فهذا وإن كان فيه خفاء من أجل تعيين الراوي المهمَل، لكن ليس ذلك الخفاء علة بنفسه، واعتبار عدالة الرواة وضبطهم يوجب تمييزه، فيصار فيه إلى رواية العدل الضابط فتقبل الرواية، أو رواية المجروح فترد بالعلة الظاهرة.
-
وجدير أن تعلم بخصوص التعليل بالعلة الظاهرة مسألتين تتصل إحداهما بالأخرى:
المسألة الأولى: الإسناد فيه أكثر من مجروح، والأعلى أشد ضعفاً ممن دونه، فعلى من تُحمل النكارة في ذلك الحديث؟
-
والمسألة الثانية: إذا جاء المجروحون في الإسناد على نسق، فبمن تلصق النكارة؟
-
الجواب: إذا توالى في الإسناد أكثر من مجروح، ألصقت النكارة بأشدهم ضعفاً، إلا أن يتابع بما يقوم دليلاً على أن النكارة ليست من جهته، فيصار إلى من فوقة.
قال يعقوب بن سفيان: حدثني عبيد بن إسحاق العطار الكوفي، حدثنا سيف بن عمر، قال: كنت عند سعد الإسكاف، فجاءه ابنه يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: أما لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " معلمو صبيانكم أشراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين " (١) .
ج ١ ص ٦٥٥قال يعقوب: " سيف وسعد بن طريف الإسكاف، حديثهما وروايتهما ليس بشيء " .
وقال ابن عديٍّ: " هذا حديث منكر موضوع، وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فروَوه: عبيد بن إسحاق الكوفي العطار، يلقب عطار المطلقات، ضعيف، وسيف بن عمر الضَّبِّيُّ كوفي، وسعد الإسكاف كوفي ضعيف، وهو أضعف الجماعة، فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته " .
قلت: فيعقوب أعله بمن وافق وروده في سياقه من المجروحين، دون الإبانة عمن تلصق به التهمة، أما ابن عدي فكان كلامه أبين، فإنه بين إعلاله بالثلاثة جميعاً، لكنه صار إلى إلصاق التهمة بسعد، مع الضعف دونه، من أجل كونه عنده أشدهم ضعفاً.
- (١)أخرجه في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ٥٨) ومن طريقه: ابن عَدي في " الكامل " (٤/ ٥٠٧).
-
وههنا أيضاً فائدة في التعليل بالأعلى دون الأدنى، لأنه جهة مخرج الحديث، كذلك فإنه لو وقف على متابع الأدنى _ كما يقع كثيراً في مثل هذه الأحاديث الغرائب _ بقي معلولاً بالأعلى، فإن المتابعة تتعذر على أصله، إلا أن تكون من سارق.
-
الصورة الرابعة: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ، وهو صواب.
-
وهي التي تقع في روايات الثقات، وفي الأسانيد التي ظاهرها الاتصال.
-
وهذا محل العلل الخفية القادحة.
قال الحاكم: " إنما يعلل الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات: أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولاً " (١) .
- (١)مَعرفة علوم الحديث (ص: ١١٢ _ ١١٣).