المبحث الثاني: التعليل بالزيادة

١٦٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦٩

الصفحة ١ من ٥

  1. صورتها: أن يروي جماعة من الثقات حديثاً واحد بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة الثقات فيه زيادة لم يذكرها سائرهم (١) .

    1. (١)هذا التعريف في الأصل مستفاد من قول الحافظ ابن رجب، حيث قال: " أن يرويَ جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد ومتْن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة " "شرح علل الترمذي " (١/ ٤٢٥)، لكنه لم ينعت الرُّواة بالثقة، مع أنه قال ذلك في معرض تعريف زيادة الثقة.
    ج ١ ص ٦٦٩
  2. وعليه: فيخرج الحديث الفرد يرويه الثقة لا يشاركه فيه غيره، فإنه وإن كان زاد علماً لم يأت به سواه لكنه انفصل به عن غيره، فلم يشاركوه في أصله، وليس مما عنوا به كما عني به، ومقتضى ثقته قبول ما حفظه من العلم فتقبل أفراده ابتداء ما لم يقم دليل على غلطه.

  3. وأما لو شارك غيره في الرواية، ثم أتى بما لم يأت به غيره فيها، فذلك المقصود بزيادة الثقة.

  4. والقول في زيادات الثقات يتحرر ببيان أصلين:

    ج ١ ص ٦٧٠الأصل الأول: محل وقوع زيادات الثقات.

  5. يتبين من التعريف المتقدم لزيادة الثقة أنها تقع في الإسناد، وتقع في المتن.

  6. وصورها محصورة في خمس، ثلاث في الإسناد: وصل مرسل، ورفع موقوف أو مقطوع، والزيادة خلال الإسناد، ومنه: المزيد في متصل الأسانيد، وواحدة في المتن، وهي زيادة الكلمة، أو الجملة أو أكثر، ومشتركة بينهما، وهي: الإدراج، وهذا بيانها:

    أولاً: وصل المرسل.

  7. والمقصود بالمرسل هنا: ما رفعه التابعي فقط، لأننا احترزنا بما ذكرنا من الزيادة خلال الإسناد عن وصل المنقطع، وسيأتي. ومثاله، قال أبو يعلي الخليلي: " حدثني رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو ثقة إمام، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.

  8. هذا مما يتفرد به أبو عاصم مسنداً مجوداً.

  9. والناقلون رووه عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم

    ليس فيه أبو هريرة.

  10. وتابع على ذلك أبا عاصم عبد الملك بن الماجشون، ويحيى بن أبي قتيلة من أهل مصر، وليسا بذاك.

    وقال أهل البصرة لأبي عاصم: خالفك أصحاب مالك في هذا، فقال: حدثنا به مالك بمكة، وأبو جعفر المنصور بها، هاتوا من سمع معي.

  11. ورواه معمر بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  12. وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري وغيره " (١) .

    1. (١)الإرشاد، للخليلي (١/ ١٦٥ _ ١٦٦).
    ج ١ ص ٦٧١
  13. ثانياً: رفع الموقوف.

  14. مثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: " لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه ".

  15. رواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو.

  16. واختلف عنه:
  17. فرواه هشام الدستوائي، فقال: عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قوله موقوفاً.

  18. ذكره العقيلي (٢) معلقاً دون إسناد، وأتبعه بقوله: " وهذا أولى " يعني من المرفوع الآتي.

    1. (٢)في " الضعفاء " (٢/ ٢٠).
  19. ورواه شعبة وغيره عن قتادة، واختلف على شعبة فيه وقفاً ورفعاً:

    فرواه يحيى بن سعيد القطان، وهو من أتقن الناس، ومحمد بن جعفر غندر، وهو من متقني أصحاب شعبة، وعمرو بن مرزوق، وهو ثقة، ثلاثتهم عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قوله، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  20. وتابع الثلاثة: عبد الله بن المبارك، ومعاذ بن هشام، عن شعبة، بإسناده إلى عبد الله بن عمرو، لكن زادا: عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرفعاه.

  21. رواه عن ابن المبارك من ثقات أصحابه: أحمد بن جميل، ويعمر بن بشر وهو صحيح عنه، وكذلك هو جيد الإسناد إلى معاذ بن هشام.

  22. وابن المبارك شيخ الإسلام، الحافظ المتقن الإمام، أتى عن شعبة بما

    ج ١ ص ٦٧٢لم يأت به يحيى بن سعيد القطان وهشام الدستوائي ومحمد بن جعفر، فحفظ من العلم عليهم زيادة، وافقه عليها عن شعبة: معاذ، وهو صدوق جيد الحديث.

  23. وجزم أبو علي النيسابوري بترجيح الوقف، وتردد تلميذه الحاكم، وجزم تلميذه البيهقي بموافقة أبي علي.

  24. ولو نظرت إلى ما أتى به ابن المبارك وحده عن شعبة لما جاز على الأصول رده، لإتقانه وحفظه، فكيف وقد وافقه غيره عن شعبة؟

  25. ثم كيف وأن عامة أصحاب قتادة عدا ما ذكره العقيلي عن هشام الدستوائي، يروونه عن قتادة مرفوعاً؟

  26. كذلك قال: سعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، وعمران بن داور القطان، وعمر بن إبراهيم العبدي، رووه جميعاً عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا بنظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه " .

  27. وسعيد من أتقن أصحاب قتادة قبل أن يختلط، وهذا رواه عنه سرار بن مجشر، ونص النسائي على تقديمه فيه، لكونه روى عنه قبل الاختلاط.

  28. وهمام من ثقات أصحاب قتادة.

  29. وعمران صدوق حسن الحديث، وهو في المتابعات أحسن، والإسناد إليه حسن.

  30. وعمر صدوق، لكنه لم يكن متقناً لحديث قتادة، كان يخالف فيه، غير أنه ههنا جاءت روايته على الوفاق لرواية ثلاثة من ثقات أصحاب قتادة فلم يخالف ولم يتفرد، وذلك من طريقين صحيحين عنه، وخالف في رواية جاءت من طريق ابنه الخليل عنه، وهي ضعيفة، ذكر فيها (الحسن) بدل (سعيد بن المسيب) .

  31. وحاصل هذا: أن الرفع زيادة في رواية هذا الحديث، جاءت من طريق خمسة من أصحاب قتادة: سعيد، وهمام، وعمران القطان، وعمر بن إبراهيم، والخامس شعبة، ولم يبق يقابل ذلك في النقص، سوى رواية هشام الدستوائي عن قتادة، فإن صحت فقد قصر فيها هشام، وحفظ الزيادة عن قتادة غيره من أصحابه، وقد اجتمع فيهم الضبط والعدد (١) .

    1. (١)وتفصيل تخريج هذا الحديث في كتابي " علل الحديث ".
    ج ١ ص ٦٧٣
  32. ثالثاً: الزيادة خلال الإسناد.

  33. وهي غير ما يدرجه بعض الرواة من تفسير راوٍ مهمل، أو الزيادة في اسمه ونسبه، أو بيان درجته في الرواية، أو شبه ذلك.

  34. وإنما هي واقعة على صور ثلاث:
  35. الصورة الأولى: زيادة راوٍ خلال الإسناد في موضع عنعنة.

  36. لم يأت ذكره في رواية أخرى للحديث، فتكشف انقطاعاً في الإسناد الناقص، لم يكن ليظهر لولا تلك الزيادة.

  37. مثاله: ما أخرجه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن حصين:

    أي مطرف، والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم يومين متتابعين لا أعيد حديثاً، ثم لقد زادني بطأً عن ذلك وكراهية له: أن رجالاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو من بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , شهدت كما شهدوا، وسمعت كما سمعوا، يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمت أنهم لا يألون عن الخير، فأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فكان أحيانا ً يقول: لو حدثتكم أني سمعت من نبي الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا رأيت أني قد صدقت، وأحياناً يعزم فيقول: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا.

    ج ١ ص ٦٧٤قلت: فهذا الحديث ظاهر إسناده الاتصال والسلامة من العلة، ورواته جميعاً ثقات (١) .

    1. (١)وإسماعيل فيه هو ابن علية، وأبو هارون هو إبراهيم بن العلاء، ومطرف هو ابنُ عبد الله بن الشخير.
  38. لكن كشف بشر بن المفضل عن علته، فقال: عن أبي هارون الغنوي، قال حدثني هانئ الأعور، عن مطرِّف، عن عمران بن حصين.

  39. حدث به عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني نصر بن علي، حدثنا بشر، به.

    قال عبد الله: فحدثت به أبي، فاستحسنه، وقال: زاد فيه رجلاً (٢) .

    قلت: فبينت رواية بشر أن الرواية الأولى كانت منقطعة، ونظرنا من بعد إلى حلقة الوصل هانئاً هذا فوجدناها لينة، لا تقوم معها رواية الحديث.

    1. (٢)انظر الحديث في " مسند أحمد " (٣٣/ ١٢٢ _ ١٢٣ رقم: ١٩٨٩٣).
  40. وزيادة بشر محفوظة، لكونه ثقة ضابطاً.