المبحث الثالث: التعليل بالمخالفة

٥٣ فقرة، ج ١ ص ٦٩٧

الصفحة ١ من ٢

  1. لعدم الوُضوح في تحرير أصول هذا العلم، ولِما يَقع من إطلاق النُّقاد لعبادة: (رواه فلان وفلان، وخالف فلان) ، صارت عِبارة (مُخالفة) كأنها حقيقة في كل علِّة تقع بسبب مجيء الرواة بالحديث على أكثر من وجه، وليس كذلك، بل الحديث قد يأتي على وَجهين، كأن يُروى مُتصلاً ومُرسلاً، أو مرفوعاً وموقوفاً، ويُسمى الناقد ذلك مُخالفة، أو اختلافاً، وهو كذلك بالنظر إلى صورته: أن جاء هذا على وجهٍ، لكن ليس بين النَّقص والزيادة تعارضُ أصْلاً، إذ الرواية بالزيادة في الأصل تضمنت الرواية الناقصة مع مَزيد فائدة، فغاية ما يحتاج إلى تحقيقه، هو: هل هذه الزيادة مما يُقبل أم لا؟ على ما تقدم في المبحث السابق.

    ج ١ ص ٦٩٧
  2. والمخالفة الواقعة من الثِّقات أنواع:

    [النوع الأول: الشذوذ]

  3. وهو مُخالفة الثقة لمن هو أقوى منه، على ما سيأتي في (الحديث الشاذ) (١) .

    1. (١)في القسم الثاني من هذا الكتاب، وهناك بيانُه بتفصيل وذكرُ أمثلته.
  4. والواجب حصْرها بالمخالفة التي لا وجه لها، وقامت الحُجة على الخطأ فيها، لتعذّر جمعها إلى رواية الأحفظ.

    ج ١ ص ٦٩٨
  5. النوع الثاني: مُخالفة القرآن

    اعلم أنه يُخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يَزعم صِحته، فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافيةٌ للقضاء أن لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن.

  6. لذا ما يُمكن تصور وُجوده من ذلك إن كان ظاهرُه الصحة نقلاً، فلا يَخلو من أحد حاليين:

    الأول: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن لا تعدو أن تكون غلطاً من مُدعيها، لا غلطاً في نفس الأمر، وهذا يكون تارةً وهْماً، وتارة هوىً.

  7. والثاني: أن تكون مُعارضة حقيقة، وعندئذ لا يَسلم الإسناد من علةٍ خفيَّة.

  8. والمقصود: منع وُقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله، وحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا على معنى وُجود النسخ، وواقع الحال: امتناع أن يأتي حديث يَسلمُ من علةٍ، يُعارض آية من كتاب الله، وإنما توجد أمْثلة من الحديث يحسبها بعْض المشتغلين بالحديث صحيحة، ولم يقفوا على عِللها، ووجدها غيرُهم مما يخالف القرآن.

  9. وعرض الحديث على القرآن طريقٌ من طُرق فحصه، اعتبره أئمة هذا العلم وبنوا عليه التعليل لبعض الحديث الآتي على خلافه.

  10. وقد روي في اتباع هذا المنهج في عرض الحديث على القرآن حديثٌ ضعيف.

  11. فعن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها تكون بعدي

    ج ١ ص ٦٩٩رُواةٌ يرون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فُخُذوا به، وما لم يُوافق القرآن فلا تأخذوا به " (١) .

    1. (١)أخرجه الدارقطني في " سننه " (٤/ ٢٠٨ _ ٢٠٩) من طريق جُبارة بن المغلس، والهروي في " ذم الكلام " (ص: ١٧٠) من طريق أبي كُريب محمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِر بن حبيش، عن علي بن أبي طالب، به. قال الدارقطني: " هذا وهْم، والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مُرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ". قلت: وعلته من جهة ضَعف حفظ أبي بكر بن عياش، ولذا حكم الدارقطني بوهم هذا الإسناد. كما أخرج ابن حزم في " الإحكام " (٢/ ٧٦) من وجه آخر عن علي، وإسناده واهٍ.
  12. كما روي معناه من وُجود أخرى، ولا يثبت في هذا خبرٌ مرفوعٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم (٢) .

    1. (٢)رُوي فيه كذلك من حديث ثوبان وعبد الله بن عمر، فأما حديث ثوبان، فعنْه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا إن رَحى الإسلام دائرة "، قال: فكيف يُصنع يا رسول الله؟ قال: " اعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو مني، وأنا قلته ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (٢/ ٩٤ رقم: ١٤٢٩) وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو منكر الحديث عن أبي الأشعث. وأما حديث ابنِ عُمر، فأخرجه الطبراني كذلك (١٢/ ٣١٦ رقم: ١٣٢٢٤) عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سُئلت اليهود عن موسى، فأكثروا، وزادوا، ونقصوا، حتى كفروا، وسُئلت النصارى عن عيسى، فأكثروا فيه، وزادوا، ونقصوا، حتى كفروا، وإنه سَيفشو عني أحاديث، فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كِتاب الله واعْتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قُلته، وما لم يُوافق كتاب الله فلم أقله ". قلت: وفي إسناده أبو حاضرٍ يرويه عن الوَضين بن عطاء، قال أبو حاتم الرازي: " مجهول " (علل الحديث ٢/ ١٣٣)، وسماه غيرُ واحد من الأئمة (عبد الملك بن عبد ربِّه) وقال الذهبي في " الميزان " (٢/ ٦٥٨): " منكر الحديث، وله عن الوليد بن مسلم خبرٌ موضوع "، وذكره ابنُ حبان في " ثقاته " (٧/ ٩٩) فلم يُصب. كما رُوي فيه بعض المراسيل، لم تقتصر عِللها على الإرْسال، إنما في أسانيدها من العلل سِواه.
  13. ولسْنا بحاجة إلى مثله لإقرار صِحة هذا المنهج، فإن القرآن حكمٌ

    ج ١ ص ٧٠٠على ما سواه، ووجدْنا في صنيع بَعْض أعيان أئمة الصحابة من استعمل هذا المنهج في نقد الروايات.

  14. وذلك مثل: ما صحَّ عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين حدثت فاطمة بنْت قيسٍ بقصتها في سُكنى المطلقة:

    فعن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي، عن فاطمة بنْت قيس، قالت: طلقني زوجي، فأردت النُّقلة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " انْتقلي إلى بيت ابن عمك عمْرو بن أم مكتوم، فاعتدَّي فيه " . فحصبه (١) الأسود، وقال ويْلك، لم تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة: {لا تُخرجوهنَّ من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة بينة} [الطلاق: ١] (٢) .

    1. (١)هذا من قوْل أبي إسحاق، والأسود هو ابن يزيد النخعي، حَصبَ عامراً الشعبي حين حدَّث بهذا.
    2. (٢)حديث صحيح. أخرجه بهذا السياق النسائي في " الكبرى " (رقم: ٥٧٤٣) وأبو عوانة (رقم: ٤٦١٧) من طريق الأحوص بن جوَّاب، قال: حدثنا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، به. وإسناده جيد. وتابع الأحوص عليه: قبيصَة بن عقبة، عند أبي عوانة (رقم: ٤٦١٨) والدارقطني (٣٤/ ٢٦) مثله. ويحيى بن آدم عند الدارقطني أيضاً وأبي نُعيم (رقم: ٣٥٠٤) بنحوه. كذلك تابعهم: أبو أحمد الزُّبيري، عند مسلم في " صحيحه " (٢/ ١١١٨ _ ١١١٩) وأبي داود (رقم: ٢٢٩١) وأبي عوانة (رقم: ٤٦١٥، ٤٦١٦) والطحاوي في (شرح المعاني) (٣/ ٦٧) والدارقطني (٤/ ٢٥) وأبي نعيم (رقم ٣٥٠٤) والبيهقي في " الكبرى " (٧/ ٤٧٥)، وفي لفظه: " لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة ". لكنَّ ذكرَ (السنة) أعله الدارقطني، من أجل تفرُّد أبي أحمد الزبيري دون سائر من رواه، غير أني وجدت في سياق رواية يحيى بن آدم عند أبي نعيم في " المستخرج " ما يُوافقها. وانظر تعليل الدارقطني في: " السُّنن " (٤/ ٢٦) و " العلل " (٢/ ١٤١). كما رواه سُليمان بن معاذ الضبي عن أبي إسحاق، بنحو رواية الأحوص، دون ذكر (السنة)، أخرجه أبو نعيم (رقم: ٣٥٠٥)، لكن سُليمان هذا لين الحديث. وحسِبَ بعْض الناس أن سبب رد عمرَ رواية فاطمة من أجل كونها امرأة، وليس كذلك، فقد قبل عمر وغيره روايات النساء كعائشة وغيرها، ولا معنى للتعليل بكونها امرأة، وإنما حين عرض ما روت على القرآن، قامت عنْده الشبْهة في قبول رواية تأتي في ظاهرها على خلاف عموم دلالة القرآن، لذا قال في رواية أبي أحمد: " لا ندري لعلها حَفظت أو نسيت "، وطلب على قولها شاهدين، وهذا قد فعل عمر نظيره في رواية بعضِ الرجال من الصحابة، كأبي موسى الأشعري في قصة الإستئذان.
  15. وكانت أم المؤمنين عائشة تعرض ما يبلغها من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتاب الله، وكانت ترد من ذلك ما يأتي على خلاف القرآن، في وقائع عدة.

    ج ١ ص ٧٠١
  16. كقصتها في تخطئة عمر وابنه عبد الله عندما حدثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " ، فقالت عائشة: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهل عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهل عليه " ، وقالت: حسبكم القرآن: {ولا تزرُ وازرةٌ وزر أُخرى} [الإسراء: ١٥] .

    وقالت في رواية: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ (١) .

    1. (١)متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢٦) ومُسلم (٢/ ٦٤٠ _ ٦٤٢)، والرواية الأخرى له.
  17. وعن عروة بن الزبير، قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه " ، فقالت: وَهل (٢) ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن " ، وذاك مثل قوله (٣) : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: " إنهم ليسمعون ما أقول " ، وقد وهل، إنما قال: " إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق " ثم

    ج ١ ص ٧٠٢قرأت: {إنك لا تسمع الموتى} الآية [النمل: ٨٠] ، {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: ٢٢] (١) .

    قلت: في هذا الذي استدركته عائشة في الجملة مناقشة وكلام، ولكن المقصود أن من أعيان الصحابة من كان يعرض ما يبلغه من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن، ولا يقبل منها ما أتى على خلافه.

    1. (٢)أي: غلط ونسي.
    2. (٣)تعني ابن عمر.
    3. (١)أخرجه مسلم (رقم: ٩٣٢).
  18. وسئل الأوزاعي: أكل ما جاءنا عن النبي صلى الله عليه وسلم نقبله؟ فقال: " نقبل منه ما صدقه كتاب الله عز وجل، فهو منه، وما خالفه فليس منه " ، فقيل له: إن الثقات جاءوا به؟ قال: " فإن كان الثقات حملوه عن غير الثقات؟ " (٢) .

    1. (٢)أخرجه أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٢٧١) وإسناده جيد.
  19. ومن أمثلته في نظر المتقدمين ما سأذكره عن الشافعي في النوع التالي. ... وتعليل بعض أهل العلم لحديث أبي هريرة، قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: " خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل " (٣) .

    1. (٣)أخرجه مسلم في " صحيحه " (رقم: ٢٧٨٩).
  20. فهذا رده جماعة من محققي الأئمة، وأقوى مستند في رده معارضة القرآن، فإنه إذا استثني اليوم السابع في خلق آدم، فإن الحديث دل على أن الأرض خلقت في ستة أيام، والله عز وجل يقول في كتابه: {قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} [فصلت: ٩، ١٠] ، أي فعدة مدة خلق الأرض بما فيها أربعة

    ج ١ ص ٧٠٣أيام، لقوله من بعد في مدة خلق السماوات: {فقضاهنَّ سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها} [فصلت: ١٢] ، فهذه ستة أيام لخلق السماوات والأرض، كما قطع بذلك القرآن العزيز في مواضع، كقوله تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: ٣٨] .

  21. وأبان البخاري أن الوهم من الثقة دخل فيه من جهة أن بعض الرواة أخطأ، فهذا مما حمله أبو هريرة عن كعب الأحبار، وليس هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: " وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح " (١) ، وأعله غيره بغير ذلك (٢) .

    1. (١)التاريخ الكبير (١/ ١ / ٤١٣ _ ٤١٤)، وحاول الشيخ عبد الرحمن المعلمي أن يذُبَّ عن الحديث في كتابه " الأنوار الكاشفة " في رده على أبي ريَّة (ص: ١٨٨ _ ١٩٣)، وفي بعض ما قاله تكلف.
    2. (٢)انظر الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ٢٥١).
  22. [النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية]

  23. وهذا طريق يكشف به إتقان الرواة وحفظهم: أن يقارن حديث الراوي بالمحفوظ المعروف من روايات غيره، كما بينته في (الجرح والتعديل) ، وكذلك هو طريق يكشف به وهم الثقة.

  24. مثاله: عرض الروايات المختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة صلاة الكسوف، على السنن المحفوظة عنه أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، كما صح من حديث عائشة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم.

  25. ورويت فيها صفات غير ذلك من طريق بعض الثقات، لكنها لا تصح، من أجل خلافها للمحفوظ من السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى في حياته الكسوف مرة واحدة، ويمتنع تعدد الصفة لصلاة واحدة.

  26. ومن عمل الأئمة بهذا الأصل قول الشافعي وقد استدل بالمحفوظ من السنة أن لا يقطع الصلاة شيء: " فإن قال قائل: فقد روي أن مرور الكلب والحمار يفسد صلاة المصلي إذا مرا بين يديه. قيل: لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار " (١) وكان مخالفاً لهذا الأحاديث، فكان كل واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن، أن يترك إن كان ثابتاً، إلا بأن يكون منسوخاً، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد ما يكون غير محفوظ " .

    قال: " وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وعائشة بينه وبين القبلة (٢) ، وصلى وهو حامل أمامة، يضعها في السجود ويرفعها في القيام (٣) ، ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحداً من الأمرين، وصلى إلى غير سترة (٤) ، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد، وإن أخذت فيه أشياء.

    1. (١)أخرجه مسلم في " صحيحه " (رقم: ٥١٠) من حديث أبي ذر الغِفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قام أحدكم يُصلي فإنه يَستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مِثل آخرة الرحل فإنه يَقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود "، قال عبد الله بن الصامت راويه عن أبي ذر: قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: " الكلب الأسْود شيْطان ". وله شاهد عند مسلم كذلك من حديث أبي هريرة.
    2. (٢)سيأتي ذكره وتخريجه.
    3. (٣)مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٩٤، ٥٦٥٠) ومسلم (رقم: ٥٤٣) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
    4. (٤)فيه عن عبد الله بن عباس، وأخيه الفَضل، والمطلب بن أبي وداعة، والحسن بن علي، وحديث ابن عباس فيها صحيح، بيّنتُ الجميع في الحلقة الأولى من كتاب " الأجوبة المرْضية " (ص: ٢٢ _ ٢٩).
    ج ١ ص ٧٠٤
  27. فإن قيل: فما يدل عليه كتاب الله من هذا؟ قيل: قضاء الله أن {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: ١٥] ، والله أعلم: أنه لا يبطل عمل رجل

    ج ١ ص ٧٠٥عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجزْ أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره " (١) .

    قلت: وسبقت عائشة أم المؤمنين الشافعي لترد ما بلغها في هذا الباب إلى ما تعلمه من حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    فعنها، وذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ (وفي رواية: إن المرأة لدابة سوء) ، والله، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنسل من عند رجليه (٢) .

    قلت: وهذا المثال الذي ذكرته عن الشافعي محل مناقشة بين أهل العلم، لكنك رأيت من خلاله أنهم كانوا يردون الحديث الواحد من رواية الثقة إلى المحفوظ من السنن، ويجعلون من ذلك المحفوظ ميزان يزنون به رواية ذلك الثقة، فإن جاءت على خلاف المحفوظ جعلوا ذلك علة لها.

    1. (١)اختلاف الحديث (ص: ١٣٩ _ ١٤٠).
    2. (٢)متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٨٦، ٤٨٩، ٤٩٢، ٤٩٧) ومسلم (١/ ٣٦٦)، والرواية الأخرى له.
  28. وهذا يحتاج إلى تحوط شديد، كالذي ذكرته في العرض على القرآن، إذ لا يحل رد خبر الثقة بالمظنة الضعيفة، حتى تظهر حجة بينة فتكون تلك الحجة هي المعللة لروايته.

  29. [النوع الرابع: مخالفة المحسوس]

  30. والمقصود: أن تأتي رواية الثقة على خلاف المشاهد.

  31. وهذه الصورة من التعليل معدومة في أحاديث الثقات، ولا يؤخذ على ثقة أنه روى ما يخالف المحسوس.

  32. لكن قد تشتبه بعض النصوص على قوم، يحسبونها تخالف الواقع المشاهد، وإنما ذلك أنهم أتوا من قبل أفهامهم أو أهوائهم، والدليل على خطئهم وجود المخالف لهم فيما يدعونه، وما يخالف المحسوس على سبيل اليقين لا يماري فيه أحد.

    ج ١ ص ٧٠٦
  33. وذلك مثل تعليل من ليس من أهل الصنعة لحديث أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لن يفلح قوم ولًّوا أمرهم امرأة " (١) . فقال: الواقع شاهد بأن المرأة حكمت في بعض البلدان في الغابر والحاضر، وأفلح قومها بعقلها ورشدها، كبلقيس التي قصًّ الله تعالى نبأها مع نبيه سليمان، عليه السلام، وكيف صارت بقومها إلى الإسلام.

    1. (١)أخرجه البخاري (رقم: ٤١٦٣، ٦٦٨٦).
  34. وأقول: إذا كان هذا هو معنى الحديث، فله نصيب من هذا التعليل، ولكن الحديث ورد على سبب، فقد قال أبو بكرة في صدره: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال (فذكر الحديث) .

  35. نعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، خصوصاً عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب، وقوم كسرى بعد هلاكه ما رفع الله لهم ذكراً، ما أفلحوا حين ولوا ابنته، لما دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وسلم (٢) ، ولقوله: " هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده " (٣) .

    1. (٢)فيما قاله الزهري: حسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمزقوا كل مُمزق. أخرجه البخاري (رقم: ٦٤ ومواضع أخرى) في آخر حديث ابن عباس في قصة بَعث النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى كسرى يَدعوه إلى الإسلام، فمزّق كِسرى الكتاب. وهذا المرسل مُعتَضِدٌ ببعض الطرق.
    2. (٣)متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٢٨٦٤ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٢٩١٨) من حديث أبي هريرة.
  36. فحديث أبي بكرة عام في قوم أشبهوا في الحال قوم كسرى فيما كتب الله عليهم من الهزيمة.

    ج ١ ص ٧٠٧
  37. وهكذا ربما اعترض بعض الناس من غير أهل الحديث على رواية الثقة الصحيحة، زعماً أنها على خلاف الواقع، وإنما وقعت له شبهة، أو قصد الطعن على السنن فحجب بسوء قصده عن الوقوف على المعنى.

  38. وليس من هذا النوع: أن يفسر العلم الحديث شيئاً من الخلق بتفسير علمي يدل عليه النظر والمشاهدة، وأن يكون له تفسير نبوي آخر لا يعرف مثله إلا عن طريق الوحي، ولا يتناقض في معناه مع التفسير العلمي.

  39. مثاله: حديث أبي ذر الغفاري، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس: " تدري أين تذهب؟ " ، قلت الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم} [يس: ٣٨] " (١) .

    قلت: فلا يصح الاعتراض على هذا الحديث الصحيح بالمشاهد، وهو أن الشمس لا تغيب إلا باعتبار البقعة المعينة من الأرض، وهو في الوقت الذي تغيب فيه عن موضع، تكون طالعة في موضع آخر، فمتى يكون ذهابها لتسجد عند العرش وتستأذن لطلوعها؟ وذلك أن أمر العرش غيب، وخضوع غير الإنسان لله وسجوده لله على صفة يعلمها الله ليست مما يدرك بالمشاهدة، والقرآن أثبت سجود المخلوقات جميعاً لله رب العالمين في مواضع منه، كما قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب} [الحج: ١٨] .

    1. (١)متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣٠٢٧ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٥٩).
  40. والحديث لم يتحدث عن غياب للشمس بمعنى انقطاعها عن الأرض، وإنما اعتبر لها حالاً غيبيا عند غروبها عن محل من الأرض، هو السجود تحت العرش، وعلى اعتبار أن الشمس في حال غياب وطلوع دائم لما نعلمه من طبيعة الخلق فهي في سجود لله دائم، وفي استئذان للطلوع دائم، وذلك أنها مسيرة بأمره وتدبيره تبارك وتعالى.

    ج ١ ص ٧٠٨