المبحث الأول تعريف الحديث الصحيح

٦٣ فقرة، ج ١ ص ٧٩١

الصفحة ١ من ٢

  1. المتحرر في تعريف الحديث الصحيح من مجموع عبارات المتقدمين واستعمالهم، هو:

    الحديث الذي يجمع الشروط الأربعة التالية:

    الأول: اتصال السند.

    ج ١ ص ٧٩١
  2. والثاني: عدالة الرواة.

  3. والثالث: ضبط الرواة.

  4. والرابع: السلامة من العلل المؤثرة.

  5. وجرى المتأخرون على جعل نفي الشذوذ شرطاً مستقلاً غير نفي العلة، والتحقيق: أنه صورة من صور العلل المؤثرة، وأئمة النقاد في هذا الفن أعلوا بالشذوذ في معنى التعليل بسائر العلل غير الظاهرة.

  6. والحديث إذا حقق الشروط المتقدمة مجتمعة فهو (الحديث الصحيح لذاته) ، وإن تخلف شرط فلا يوصف بالصحة.

  7. ومن عبارات الأئمة المتقدمين في تعريف الحديث الصحيح ما يلي: ١ _ قال الشافعي: " ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً:

    منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه.

    ج ١ ص ٧٩٢
  8. معروفاً بالصدق في حديثه.

  9. عاقلاً لما يحدث به.

  10. عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ.

  11. وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث.

  12. حافظاً إذا حدث به من حفظه.

  13. حافظاً لكتابه إذا حدث من كتابه.

  14. إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.

  15. بريا من أن يكون مدلساً: يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  16. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى من انتهي به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت " (١) .

    1. (١)الرسالة (النص: ١٠٠٠ _ ١٠٠٢) .......
  17. ٢_ وقال أبو بكر الحميدي: " فإن قال قائل فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟

    ج ١ ص ٧٩٣قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته، وعرفه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو: (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقاً، مدركاً لمن روى ذلك عنه.

  18. مثل شاهدين شهدا عند حاكم على شهادة شاهدين، يعرف الحاكم عدالة اللذين شهدا عنده، ولم يعرف عدالة من شهدا على شهادته، فعليه إجازة شهادتهما على شهادة من شهدا عليه، ولا يقف عن الحكم بجهالته بالمشهود على شهادتهما.

  19. فهذا الظاهر الذي يحكم به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث، وكذبه، ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً أو أكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال؛ فلا نكلف علمه، إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله؛ لما ظهر لنا منه " (١) .

    1. (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٣ _ ٦٤) وإسناده صحيح.
  20. ٣_ وقال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: " لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح (٢) .

    1. (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٦) وإسناده جيد.
  21. ٤ _ وقال ابنه الثقة يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي: " لا يكتب الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يرويه ثقة عن ثقة، حتى يتناهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت

    ج ١ ص ٧٩٤الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة؛ وجب قبوله، والعمل به وترك مخالفته " (١) .

    قلت: وشرط صاحبي الصحيح، ومن عرف عنه من الأئمة المتقدمين الحكم على الحديث بالصحة، وطرقهم في تعليل الحديث، مع هذه التعاريف عن هؤلاء الأعلام، استخلصنا منه هذه القيود كحد للحديث الصحيح.

    1. (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٦) وإسناده صحيح .......
  22. وعلى المنهج ذاته جرى المتأخرون كابن الصلاح فمن بعده في تعريف الحديث الصحيح، واجتهدوا على حصره بأوصاف هي واضحة المعالم في الجملة، سوى ما حصل من مناقشات لهم في اشتراط نفي الشذوذ مستقلاً بالشرط عن شرط نفي العلة، وكذلك في اشتراط نفي العلة مطلقاً، أو مقيداً بالقادحة.

  23. وما حرزته من عبارات جميعهم فمغن إن شاء الله عن الإيراد والنزاع، وناقل إلى اعتبار تحرير المراد بهذه الأوصاف، لا الإسهاب في كلام نظري أطال فيه المتأخرون دون فائدة تذكر سوى القصد إلى تقويم تعريف ابن الصلاح.

  24. [المراد بشروط صحة الحديث على سبيل الإجمال]

  25. تحرير المراد بالشروط الأربعة المتقدمة المثبت اجتماعها صحة الحديث، سبق مفصلاً في فصوله ومباحثه من هذا الكتاب، وإنما يوجب فهم التعريف إيضاح المراد بقيوده، ودفع محترزاته، وبيانها كالآتي:

    الشرط الأول: اتصال السند.

  26. المراد به: أن يكون كل راو من رواة الإسناد أخذ الحديث ممن فوقه

    ج ١ ص ٧٩٥مباشرة، وذلك بصيغة من صيغ التحمل الصريحة بالسماع كأن يقول: (سمعت فلاناً) ، أو الصريحة بالاتصال دون سماع كالمكاتبة من الشيخ للتلميذ بخط موثوق به، أو المحتملة للسماع احتمالاً راجحاً، كالعنعنة ممن انتفت عن روايته عن شيخه شبهة الانقطاع بتدليس أو إرسال.

  27. فيخرج بذلك المنقطع في جميع صوره، وألقابه المعروفة في هذا العلم هي: المنقطع، والمرسل، والمعضل، والمدلس، والمعلق.

  28. الشرط الثاني: عدالة الرواة.

  29. العدالة: استقامة الراوي في الظاهر على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

  30. وطريق تمييز الطاعة: الكتاب والسنة، وذلك فيما لا يحتمل خلافاً من نصوصهما.

  31. فخرج به: ......

  32. رواية الفاسق بالكذب في الحديث، أو في لسانه في غير الحديث، ومن يدعي سماع ما لم يسمع، أو الفاسق بالمعصية التي لا يدخلها تأويل كشرب الخمر المتفق على حرمته، ورواية الكافر.

  33. ولا يقدح في العدالة شيء مما يلي:

    أولاً: فعل المباحات مجردة عن المخالفة في أمر آخر، وإن جرى العرف على العيب بها.

  34. ثانياً: موافقة الصغيرة بمجرده؛ من أجل انتفاء العصمة منه.

  35. ثالثاً: موافقة المعاصي بالتأويل؛ لاعتقاد المواقع كونها مباحة.

  36. رابعاً: البدعة غير القاضية بكفر صاحبها لعينه؛ لكون الأصل فيه قصد إصابة الحق.

  37. وقد تشددت طائفة فقدحت في الرواة بما تقدم، وحررت المذهب الراجح من مذاهب أهل العلم في الفصول المعقودة لذلك من هذا الكتاب.

  38. الشرط الثالث: ضبط الرواة.

    ج ١ ص ٧٩٦
  39. والمعتبر في الضبط أن يكون الراوي حافظاً لحديثه، إما عن ظهر قلب، وإما في كتاب متقن صحيح، بحيث يقدر على أداء الحديث كما سمعه، لفظاً أو معنى، على ما تقدم شرحه في القسم الأول.

  40. واعتبار الحفظ شرط لا يختلف فيه لصحة الحديث.