المبحث الأول تعريف الحديث الصحيح

٦٣ فقرة، ج ١ ص ٧٩١

الصفحة ٢ من ٢

  1. وأما فقه الراوي فوجده ليس علامة على كونه ضابطاً؛ فإن من الفقهاء من كان همه الاستدلال للمسألة، فلا يبالي كيف ساق متن الحديث، فربما تصرف في لفظه وحدث به على ما فهم، وهذا كثير شائع في كتب الفقه.

    ج ١ ص ٧٩٦
  2. كما أن طائفة منهم لغلبة اعتنائها بالفقه فإنهم لم يكونوا يقيمون الأسانيد، فتراهم تكثر في رواياتهم المراسيل، وحمل اللفظ على اللفظ، وإدخال حديث في حديث، مثل الفقيه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١) .

    1. (١)انظر: المجروحين، لابن حبان (١/ ٩٣) .......
  3. لا ريب أن الفقه إذا انضم إلى الحفظ فهو مزية للتقديم، ولكنه ليس بشرط يطلب لصحة الحديث.

  4. وقد كان أئمة السلف يعتبرون فقه الراوي مع حفظه مرجحاً على مجرد الحفظ، وإنه والذي نفسي بيده لجدير بذلك.

  5. كما جاء عن وكيع بن الجراح، قال: " أيما أحب إليكم: سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؟ أو سفيان عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال علي؟ " ، قيل له: أبو إسحاق عن عاصم عن علي، قال: " كان حديث الفقهاء أحب إليهم من حديث المشيخة " (٢) .

    1. (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.
  6. كذلك قال الثقة عبد الله بن هاشم النيسابوري: قال لنا وكيع: " أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله؟ أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ " ، فقلنا: الأول، فقال: " الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء خير مما يتداوله الشيوخ " (١) .

    1. (١)أخرجه ابن عدي في" الكامل " (١/ ١٧٢) والحاكم في " تاريخه " (كما في " السير " ١٢/ ٣٢٨ ـ ٣٢٩) والسياق له، والبيهقي في " المدخل " (رقم: ١٤، ١٥) وإسناده صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٢٣٨) عن شيخٍ مجهول بإسناده إلى ابن هاشم. كما أخرجه الحاكم في " المعرفة " (ص: ١١) والخطيب في " الكفاية " (ص: ) من رواية علي بن خشرم، عن وكيع.
    ج ١ ص ٧٩٧
  7. وكان مالك بن أنس لا يحمل الحديث عمن لم يكن يفهمه، حيث قال: " لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئاً، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافاً: فمنهم من كان كذاباً في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، فلم يكن عندي موضعاً للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء " (٢) .

    وقال مالك: " أدركت بالمدينة مشايخ أبناء مئة وأكثر، فبعضهم قد حدثت بأحاديثه، وبعضهم لم أحدث بأحاديثه كلها، وبعضهم لم أحدث من أحاديثه شيئاً، ولم أترك الحديث عنهم لأنهم لم يكونوا ثقات فيما حملوا، إلا أنهم حملوا شيئاً لم يعقلوه " (٣) .

    1. (٢)أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٥) بإسناد صحيح.
    2. (٣)أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٧) وإسناده حسن.
  8. وقد شدد ابن حبان، فجعل الفقه شرطاً في راوي الحديث الصحيح، وبين علة ذلك بقوله: " إذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهاً وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغير المعنى؛ حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي

    ج ١ ص ٧٩٨الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار " (١) .

    قلت: وهذا تعليل ذاهب الأثر باشتراطنا الإتقان للمحفوظ؛ إذ القلب في الرواية وتغيير المعنى مظنة لا تجتمع في الراوي مع نعته بالحفظ.

    قال الخطيب: " إن لم يكن من أهل العلم بمعنى ما روى لم يكن بذلك مجروحاً؛ لأنه ليس يؤخذ عنه فقه الحديث، وإنما يؤخذ منه لفظه، ويرجح في معناه إلى الفقهاء، فيجتهدون فيه بآرائهم " (٢) .

    1. (١)المجروحين (١/ ٩٣) .......
    2. (٢)الكفاية (ص: ١٥٧).
  9. واستدل لذلك بحديث: " نضر (٣) الله امرأ سمع منا حديثاً، فبلغه كما سمعه. . " الحديث (٤) .

    قلت: وهذا الذي قاله الخطيب هو الصواب، ولو تأملت حال أكثر النقلة الثقات لم تجدهم ممن عرف بالفقه، أو حتى ذكر به أصلاً، فالعبرة بثقة الراوي وصحة الإسناد.

    قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صح مثل حديث سعيد وأبي سلمة، والرواية عن علقمة والأسود عن ابن مسعود، والرواية عن سالم عن ابن عمر، إذا رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: " كل ثقة، وكل يقوم به الحجة إذا كان الإسناد صحيحاً " (٥) .

    1. (٣)بالتخفيف أصح، وانظر ما تقدم من تعليقٍ بخصوصه في (المبحث السابع) من مباحث (تفسير التعديل).
    2. (٤)سبق تخريجه في القسم الأول في المبحث المشار إليه في التعليق السابق.
    3. (٥)أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.
  10. وذكر ابن رجب كلام ابن حبان المتقدم، وقال: " وفيما ذكره نظر،

    ج ١ ص ٧٩٩وما أظنه سبق إليه، ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين، كالأعمش وغيره، ولا قائل بذلك، اللهم إلا أن يعرف من أحد أنه كان لا يقيم متون الأحاديث، فيتوقف حينئذ فيما انفرد به، فأما مجرد الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه فلا يكفي في رد حديثه " (١) .

    1. (١)شرح علل الترمذي (١/ ١٥١).
  11. كذلك فإن الراوي قد يكون حافظاً، لكن جل اهتمامه بمراعاة الطرق والأسانيد، ولا يلتفت إلى سياقات المتون (٢) .

    1. (٢)نبَه على ذلك ابن حبان قبلَ سياق النص السابق .......
  12. ومن أسوأ ما يقع من بعض الرواة: اختصار متن الحديث، دون وقوع العلم به من طريق آخر، ودون تحديث هذا المختصر له في موضع آخر بتمام سياقه، فهذا يفوت مصلحة ما يقع في ذلك المتن من الفائدة.

  13. لكن هذا القصور لا أثر له في الجملة على تحقق شرط الضبط الذي يصح به الحديث.

  14. الشرط الرابع: السلامة من العلل المؤثرة.

  15. والعلة: سبب قادح في الحديث يظهر بالتتبع.

  16. فإن كانت في المتن فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك المتن بنظائره بعد صحة الإسناد، فتبدو فيه مخالفة لما هو مسلم أو أصح منه، كحكاية خلق الأرض دون السماوات في ستة أيام، وكمجيئه على غير ما رواه من هو أقوى.

  17. وإذا كانت في الإسناد فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك الإسناد بسائر أسانيد الحديث، كالحديث يرويه الثقة مرفوعاً، فإذا بك تجده موقوفاً أو مقطوعاً، أو يرويه متصلاً فإذا بك تجده منقطعاً أو مرسلاً.

  18. على ما تقدم من بيانه في (النقد الخفي) من هذا الكتاب.

    ج ١ ص ٨٠٠
  19. ومنها الشذوذ، وهو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه.

  20. والعلة المؤثرة هنا: هي رواية الثقة المرجوحة.

  21. وفي هذا ما يدل على أن وصف الراوي بالثقة وإن كانت القاعدة أن يصحح حديثه، لكن ذلك مشروط بسلامة رواياته من القوادح.

  22. ولا يتم إلا بجمع طرق حديثه المعين للتأكد من حفظه له.

  23. وهذا على خلاف ما يظنه كثير من الناس أن ثقة الراوي مجردة كافية وحدها للحكم لحديثه بالصحة دون تحقيق هذا الشرط.