المبحث الثاني: تاريخ هذا (المصطلح)

٣٦ فقرة، ج ١ ص ٨١٩

  1. يعزو كثير من المتأخرين استعمال مصطلح (الحديث الحسن) بمعنى: الحديث النازل عن درجة (الصحيح) دون الرد، إلى الإمام الترمذي صاحب " الجامع " .

    ج ١ ص ٨١٩
  2. نعم، تقسيم الحديث المقبول إلى: صحيح، وحسن، لم يكن شائعاً قبل الإمام الترمذي، وكان بعض من تقدم قبله من أئمة الحديث يرون الحديث الحسن درجة من الضعف كما تقدم عن أحمد وغيره فيما كانوا يقدمونه على القياس، ولم يكن مرادهم الضعيف المردود.

  3. فلما جاء الترمذي أظهر الاصطلاح بجعل (الحسن) أحد قسمي المقبول.

  4. والتحقيق: أنه مسبوق إلى استعمال هذا المصطلح بالمعنى الذي قصد إليه، سبقه به أئمة الحديث، لكنه لم يتحرر يومئذ بتعريف، وفضل الترمذي أنه أول من صاغ قانونه، وحرر تعريفه.

  5. فممن استعمله قبله أو من معاصريه من أئمة الحديث:

    (١) الإمام مالك بن أنس، وهو أقدم من عرف عنه ذكر (الحديث الحسن) .

  6. وذلك فيما أخرجه الحافظ ابن أبي حاتم الرازي (١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي (يعني عبد الله بن وهب) يقول: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال:

    رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه ".

    فقال: " إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة " ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع.

    1. (١)في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٣١ _ ٣٢) .......
    ج ١ ص ٨٢٠
  7. وهذا الحديث لو تتبعته صرت إلى أنه (حسن) بالمعنى الاصطلاحي، مع أن الاصطلاح لم يعرف بعد.

  8. (٢) الإمام علي بن المديني.

    1. (٢)نقله المزِّي في " تهذيب الكمال " (٢٩/ ٤٨٢).
  9. ومما جاء عنه في ذلك في حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان ذا وجهين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة "، قال ابن المديني: " إسناده حسن , ولا نحفظه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الطريق " (٢) .

  10. (٣) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب " الصحيح ".

  11. فقد نقل عنه الترمذي تحسينه لعدة أحاديث، وذلك في كتابي " الجامع " و " العلل الكبير "، جميعها مما يتطابق مع تعريف الحديث الحسن بما تقدم، وعنى به البخاري درجة في الثبوت، منها: حديث عثمان في تخليل اللحية

    ج ١ ص ٨٢١في الوضوء، وحديث ابن عباس في تخليل الأصابع، وحديث عائشة في " ويل للأعقاب من النار " في الوضوء كذلك، وغيرها.

  12. (٤) أبو حاتم الرازي، فحكم به على الحديث المعين، قوله في ترجمة (عمرو بن محمد) الراوي عن سعيد بن جبير: " هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير فهو حسن " (١) .

    وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه شعبة والليث عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا: فقال الليث: عن عمران بن أبي أنس.

    وقال شعبة: عن أنس بن أبي أنس.

    1. (١)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٦٢) .......
  13. واختلفا: فقال الليث: عن ربيعة بن الحارث.

    وقال شعبة: عن المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الصلاة مثنى مثنى، تخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع بيديك _ يقول: يرفعهما _ وتقول: يا رب، يا رب، فمن لم يفعل ذلك لم يفعل ذلك فهيَ خداج " .

    قال أبي: " ما يقول الليث أصح؛ لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ " .

    قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: " حسن " .

    قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: " هو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب " . قلت: سمع من الفضل؟ قال: " أدركه " . قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: " حسن " . فكررت عليه مراداً فلم يزدني على قوله: " حسن " ، ثم قال: " الحجة سفيان وشعبة " .

    قلت: فعبد ربه بن سعيد؟ قال: " لا بأس به " . قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " هو حسن الحديث " (٢) .

    ج ١ ص ٨٢٢قلت: حكم أبي حاتم على راو بكونه (حسن الحديث) كثير، يأتي قريباً بعض مثاله.

    قلت: والأشبه أن يكون ما اصطلحه الترمذي في عد الحديث الحسن قسيماً للصحيح في جملة الحديث المقبول، مما أخذه عن شيخه البخاري، وأخذه البخاري عن شيخه علي بن المديني.

    1. (٢)علل الحديث (رقم: ٣٦٥).
  14. ولا نعلم أحداً من أئمة هذا الشأن عاب على الترمذي هذا الاصطلاح عند ظهوره منه، بل إن من جاء من بعد قد تواردوا على متابعة الترمذي في استعماله.

  15. ويعتضد ما بينته عن الترمذي في معنى (الحسن) وعمن سبقه إليه أو وافقه فيه: ما شاع من استعمال إطلاق وصف (حسن الحديث) على الراوي، فمن تأمل أحوال من أطلقت عليه هذه العبارة عند متقدمي العلماء وجدها صفة من يحكم على حديثه بالحسن الاصطلاحي.

  16. فمن ذلك:

    (١) قال أحمد بن حنبل في (شهر بن حوشب) : " ما أحسن حديثه " ووثقة، قال: " روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حساناً " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٨٣).
  17. (٢) وقال أبو داود في (أشعث بن عبد الرحمن) : " حسن الحديث " (٢) .

    1. (٢)سؤالات الآجرِّي (النص: ٣١٢).
  18. (٣) وقال أبو حاتم الرازي في (عبد الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة المسعودي) : " حسن الحديث، لا بأس به عنده غرائب عن الأعمش " (٣) .

    1. (٣)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٠٥).
  19. (٤) وقال أبو حاتم في (محمد بن راشد المكحولي) : " كان صدوقاً، حسن الحديث " (٤) .

    1. (٤)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٣).
  20. (٥) وقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الله المرادي) : " شيخ لشريك، حسن الحديث، صدوق " (١) .

    1. (٥)انظر مثلاً قوله في: سعيد بن سالم القدَّاح، وعبد الله بن لَهيعة، وعبد الله بن عُثمان بن خثيم، ومُحمد بن دينار الطاحي، ومُحمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع (الكامل ٤/ ٤٥٤، و ٥/ ٢٥٣، ٢٦٨، و ٧/ ٤١٤، ٤٨٩) .......
    2. (١)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣٠٩) .......
    ج ١ ص ٨٢٣
  21. وعلى نفس المعنى جرى الناقد أبو أحمد بن عدي في تحرير عبارات المتقدمين، وإن كان قد جاء بعد الترمذي لكنه كان على سنن السابقين، ومن أمثلة كلامه في ذلك:

    نقل عن يحيى بن معين قوله في (إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب) : " ضعيف " ، ثم قال: " هو عندي حسن الحديث، ليس كما رواه معاوية بن صالح عن يحيى، وله أحاديث كثيرة غرائب حسان، تدل على أن أبا إسماعيل من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه " (٢) .

    وقال ابن عدي في (أبان بن يزيد العطار) : " هو حسن الحديث متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق " (٣) .

    1. (٢)الكامل (١/ ٤٠٤).
    2. (٣)الكامل (٢/ ٧٣).
  22. وقال ابن عدي في (بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري) وقد ذكر له حديثاً تفرد به: " هذا طريق حسن، ورواة ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم، وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأس " (٤) .

    1. (٤)الكامل (٢/ ٢٤٧).
  23. ولابن عدي بمثل المعنى في رواة آخرين (٥) .

    قلت: وقول ابن عدي: (يكتب حديثه) ولم يقل: (يحتج به) ؛ لأن

    ج ١ ص ٨٢٤من كان (حسن الحديث، صدوقاً) لا يصلح الاحتجاج بخبره ابتداء حتى ينظر فيه، فيعرف أنه محفوظ، وإنما تكون عبارة (يكتب حديثه) جرحاً لو جاءت مفردة، أو مضمونة إلى لفظ جرح.

  24. نعم، ربما قال الناقد في الراوي (حسن الحديث) وهو من الثقات المتقنين، كما قال أحمد بن حنبل في أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج: " شعبة حسن الحديث عن أبي إسحاق، وعن كل من يحدث عنه " (١) ، وقال في (عيسى بن يونس بن أبي إسحاق) : " حديثه حسن " (٢) ، وقال العجلي في (سفيان بن عيينة) : " كان حسن الحديث " (٣) ، وقال أحمد بن حنبل في (زيد بن أبي أنيسة) : " إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث " (٤) ، وقال علي بن المديني: " ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبري من ابن أبي ذئب وليث بن سعد ومحمد بن إسحاق، هؤلاء الثلاثة يسندون أحاديث حساناً، ابن عجلان كان يخطئ فيها " (٥) .

    1. (١)تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٧٦).
    2. (٢)مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٩٧).
    3. (٣)معرفة الثقات (النص: ٦٣١).
    4. (٤)الضعفاء، للعقيلي (٢/ ٧٤)، قلت: وزيد ثقة، وأحسب النكارة التي عنى أحمد التفرد، فإنه ربما أراد ذلك.
    5. (٥)معرفة الرجال، لابن مُحرزٍ (٢/ ٢٠٧).
  25. غير أن هذا قليل، فيكون التأصيل: أن من قيلت فيه عبارة (حسن الحديث) فهو صدوق حسن الحديث على المعنى الاصطلاح، حتى تدل قرينة على عدم إرادة ذلك.

  26. ومن دلالة القرينة على عدم إرادة ذلك مثلاً قول ابن عدي في (حسام بن مصك) : " عامة أحاديثه إفرادات، وهو مع ضعفه حسن الحديث، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق " (٦) .

    1. (٦)الكامل (٣/ ٣٦٦).
  27. فسائر قول ابن عدي مع النظر في كلام غيره من نقاد الحديث في (حسام) هذا، يتبين أن حسن الحديث هنا لم يرد به المعنى الاصطلاحي له، إنما ما يكون من حديث الراوي صالحاً للاعتبار.

    ج ١ ص ٨٢٥
  28. خلاصة ما تقدم:
  29. استعمال مصطلح (الحديث الحسن) قديم لأهل العلم بالحديث، واقع في كلام المتقدمين، يعنون به مرتبة من مراتب القبول والاحتجاج، وإنما كان للترمذي فيه فضل الإبراز والتعريف.

  30. [تنبيهان:]

  31. الأول: وقع إطلاق لفظ (حديث حسن) في كلام بعض المتقدمين، يعنون به الغريب، وليس هذا من المعنى الاصطلاحي في شيء، والقرينة هي التي أخرجت المراد به عن المعنى المتقدم.

  32. فمن ذلك:

    قول وكيع بن الجراح: " كل حديث حسن عبد السلام بن حرب يرويه " (١) .

    1. (١)أخرجه العُقيلي (٣/ ٧٠) بإسناد صحيح .......
  33. فهو يشير إلى أفراده وروايته الغرائب، وليس هذا من الحسن الاصطلاحي.

  34. ومن هذا ما حدث به أمية بن خالد، قال: قلت لشعبة: ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: " تركت حديثه " ، قال: قلت: تحدث عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: " تركته " ، قلت: إنه كان حسن الحديث، قال: " من حسنها فررت" (٢) .

    1. (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٤٦) والعقيلي في " الضعفاء " (٣/ ٣٢) وابن عدي في " الكامل " (٦/ ٥٢٥) _ ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى " (٦/ ١٠٦) _ والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٢٩٦) وإسناده صحيح.
  35. والثاني: وقع في كلام بعض العلماء إطلاق وصف (حديث حسن) يريدون به حسن السياقة لا الثبوت، وهذا ليس بجيد ممن فعله؛ لأنه يشكل ويلتبس بالاصطلاح، لكنه قليل نادر.

    ج ١ ص ٨٢٦
  36. منه قول الحافظ أبي عمر ابن عبد البر بعد إيراده حديثاً هو عند أهل العلم موضوع من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح " في سياق طويل، قال: " هو حديث حسن جداً، ولكن ليس له إسناد قوي " (١) .

    1. (١)جامع بيان العلم وفضْله (١/ ٥٥).