المبحث الثالث: تطبيق لتحقيق شروط حسن الحديث

٢٠ فقرة، ج ١ ص ٨٢٧

  1. [تطبيق للحديث الحسن لذاته]

    قال الإمام أبو داود السجستاني (١) : حدثنا مؤمل بن الفضل، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    " من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان " .

    1. (١)في " سننه " (رقم: ٤٦٨١) .......
    ج ١ ص ٨٢٧
  2. حال الإسناد من حيث أحوال الرواة واتصاله:
  3. شيخ أبي داود مؤمل وشيخه ابن شابور وشيخه يحيى ثقات، سمع مؤمل من شيخه، وابن شابور لا يعرف بتدليس، ثم هو وشيخه وسائر الإسناد رواة دمشقيون لا ينكر لقاء بعضهم بعضاً وسماع بعضهم من بعض.

  4. وأما القاسم فهو ابن عبد الرحمن تابعي، ويعرف ب " صاحب أبي أمامة " معروف السماع منه، وهو عدل، لكنهم تكلموا في ضبطه وإتقانه، ولينوا روايته، ومنهم من أطلق ضعفه، كما أن منهم من وثقه، وحين تبحث عن

    ج ١ ص ٨٢٨سبب التضعيف المطلق تجده أن بعض الرواة الضعفاء رووا عنه أحاديث منكرة، ليس البلاء فيها من جهته، إنما من جهتهم، وأمره في التحقيق كما وصفه البخاري أن أحاديث الثقات عنه كيحيى بن الحارث مقاربة، وهذا وصف يعني القبول بحيطة، إذ هذه درجة من في حديثه لين مع الصدق، وهي درجة من يقال في حديثه: (حسن) .

  5. ولنأتِ إلى النظر في الشرطين المذكورين آنفاً لقبول حديث الصدوق، فتأملنا فوجدنا الإسناد سالماً إلى القاسم، وأما هو فوجدناه صاحباً لأبي أمامة لا ينكر أن يسمع من أبي أمامة ما لم يسمعه غيره منه، لكنا نخشى من التفرد بما روى من العلم، فمثله لو استقل بحفظ حكم لا يعرف في كتاب ولا سنة ثابتة من غير طريقة فإنه لا يقبل منه؛ إذ يقال: أين كان حفاظ الأمة لم يعرفوه وعرفه القاسم وحده؟ فبحثنا في متن هذه الرواية فلم نجده روى ما يسنتكر معناه، وهذا مقدار كاف للحكم بحسن حديثه.

  6. لكن البحث أوجدنا غير أبي أمامة روى نحو ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتيقنا حسن حديثه، بل زاده ذلك قوة حتى ارتقى به إلى درجة (الحديث الصحيح لغيره) .

  7. وذلك ما أخرجه أحمد وغيره (١) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه " .

    1. (١)هو في " مسند أحمد " (٣/ ٤٤٠)، كما أخرجه الترمذي في " جامعه " (رقم: ٢٥٢١) وأبو يعلى في " مسنده " (رقم: ١٤٨٥) والحاكم في " مستدركه " (رقم: ٢٦٩٤) .......
  8. المقرئ وشيخه سعيد من ثقات المصريين ومتقنيهم، وقد بينا السماع، على أنهما لم يعرفا بتدليس، وأبو مرحوم هذا مصري لا بأس به، أطلق ابن معين تضعيفه بعبارة مجملة فسرتها عبارة النسائي فيه، قال: " أرجو أنه لا بأس به " ، وهذا هو الصدوق الذي في حفظه لين، والذي يحسن حديثه بعد النظر والتحري، وشيخه سهل هذا لا بأس به إذا روى عنه من يعتد به، وأبوه معاذ الجهني صحابي، فحيث أثبت التحري أن هذين الصدوقين أبا مرحوم وسهلاً رويا ما له أصل من حديث غيرهما، فحديثهما حسن.

    ج ١ ص ٨٢٩
  9. [تطبيق للحديث الحسن لغيره]

  10. أخرج ابن حبان وغيره (١) ، من حديث الصلت بن مسعود، قال: حدثنا مسلم بن خالد، قال: حدثنا شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس للنساء وسط الطريق " .

    1. (١)صحيح ابن حبان (١٢/ ٤١٥ _ ٤١٦ رقم: ٥٦٠١). وأخرجه ابن أبي عاصم في " كتاب الديات " (ص: ١٩٠) وابنُ عدي في " الكامل " (٥/ ٩) ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (٦/ ١٧٤ رقم: ٧٨٢٣) من طريق الصلْت، به.
  11. فهذا الحديث بهذا الإسناد ليس بالقوي، اختل فيه من شروط القبول شرط الضبط في أحد رواته، وهو مسلم بن خالد، وهو المعروف بالزنجي، كان سيء الحفظ، ضعيفاً فيما يتفرد به.

  12. لم نجد بعد النظر في الإسناد علة سوى ذلك، فقلنا: ما نخشاه من سوء حفظ مسلم فجائز أن يندفع بالوقوف على الحديث لفظاً أو معنى من غير طريقه.

  13. فوجدنا الحديث أخرجه الدولابي وغيره (٢) من طريق محمد بن يوسف

    ج ١ ص ٨٣٠الفريابي، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن الحكم، عن أبي عمرو بن حماس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس للنساء سراة الطريق " .

    1. (٢)أخرجه الدولابي في " الكنى والأسماء " (رقم: ٢٧٣) والبيهقي في " الشعب " (رقم: ٧٨٢١) وله عنده متابعة هاشم بن القاسم لسُفيان عن ابن أبي ذئب .......
  14. والسراة فسرها بعض الرواة: وسط الطريق.

  15. وهذه طريق ثابته إلى ابن أبي ذئب.

  16. لكن أدخل مرة بينه وبين الحارث: ابن شهاب الزهري، كما أخرجه الطبراني بإسناد فيه لين (١) ، ولو صحت الزيادة فالزهري هو الحافظ الإمام، والحارث بن الحكم هو الضمري يعتبر بحديثه، صالح للاعتبار، لم يجرح، ووثقه ابن حبان (٢) ، وإن كان المحفوظ رواية ابن أبي ذئب عنه لا الزهري، فابن أبي ذئب لم يكن يروي إلا عن ثقة سوى رجل واحد، ليس الحارث بن الحكم به، وابن حماس غير مشهور، ففيه لين بهذا الاعتبار، ثم إن شرط الاتصال إلى منتهى الإسناد قد تخلف، فهذا مرسل، ولم يصب من جعل لابن حماس صحبة.

    1. (١)في " المعجم الأوسط " (٤/ ٣٤ رقم: ٣٠٤٢).
    2. (٢)الثقات (٦/ ١٧٢).
  17. وقد روي من طريق ابن حماس متصلاً بإسناد دون هذا.

  18. أخرجه أبو داود وغيره (٣) من طريق عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن أبي اليمان الرحال، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو

    ج ١ ص ٨٣١خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: " استأخرن، فإنه ليس لكن أن تَحْقُقْنَ (١) الطريق، عليكن بحافات الطريق " ، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.

    قلت: وهذه مخالفة في الإسناد ضعيفة، وسياقٌ مفصل لا يشهد له اللفظ المتقدم لاختصاره، وإن كان معناه متضمن فيه بصيغة أدنى في شدة الحكم.

    1. (٣)هو في " سنن أبي داود " (رقم: ٥٢٧٢)، وأخرجه كذلك: البيهقي في " الآداب " (رقم: ٩٧١) و " الشعب " (رقم: ٧٨٢٢) والمزي في " التهذيب " (١٢/ ٤٠١ _ ٤٠٢) جميعاً من طريق الدراوَرْدي به. وللمزي أيْضاً من طريق الدراوردي عن أبي اليمان عن شداد عن أبي أسيد، باللفظ المختصر، أسْقط من إسناده السابق رجلين، وهو راجعٌ إلى نفس العلة.
    2. (١)قال ابن الأثير: " هو أن يركبن حُقها، وهو وسَطها " (النهاية ١/ ٤١٥) .......
  19. أما ضعفها فمن جهة أن أبا اليمان هذا غير مشهور، وشداداً شيخه مجهول.

  20. فالعبرة برواية ابن حماس المرسلة، فهي العاضد الذي يدفع عن رواية مسلم بن خالد أثر سوء حفظه، وبها يكون حديث أبي هريرة حسناً.