المبحث الخامس: المستخرجات على " الصحيحين "
٣٥ فقرة، ج ١ ص ٨٧٠
- ج ١ ص ٨٧٠
المستخرج، هو: أن يعمد المحدث إلى كتاب من كتب الحديث المسندة كـ " صحيح البخاري " ، فيروي أحاديث ذلك الكتاب بأسانيده الخاصة بحيث يلتقي مع البخاري في كل حديث في شيخه، أو من فوقه، ولا يتجاوز الشيخ الأقرب إلى البخاري حتى لا يجد في مسموعاته ذلك الحديث عن ذلك الشيخ، ويجب أن يستخرج الحديث من طريق نفس الصحابي الذي أخرج البخاري عنه الحديث.
-
هذه صفة ما يسمى بـ " المستخرج " .
-
مثاله: قال الإمام مسلم في " صحيحه " (١) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن نمير، قالوا: حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة، سمع جرير بن عبد الله يقول:
بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.
- (١)كتاب الإيمان (رقم: ٩٨) .......
-
هكذا جاء سياق الحديث برواية مسلم، فاستخرجه الحافظ أبو عوانة الإسفراييني في " المستخرج على صحيح مسلم " (٢) فقال: حدثنا إسحاق بن
ج ١ ص ٨٧١سيار، قال: حدثنا عبيد الله (١) ، قال: أخبرنا سفيان، عن زياد بن علاقة، قال: سمعت جريراً يحدث حين مات المغيرة بن شعبة، خطب الناس فقال:
أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، والسكينة والوقار، فإني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هذه على الإسلام، واشترط علي النصح لكل مسلم، فورب الكعبة؛ إني لكم ناصح أجمعين، واستغفر ونزل.
- (٢)مُستخرج أبي عوانة المسمى " مسند أبي عوانة " (١/ ٣٨).
- (١)هو ابنُ موسى العبسيُّ، وشيخه فيه هو الثوري بناءً على ما يُراد عند الإطلاق في شيوخ عبيد الله، والحديث مَحفوظ من رواية السفيانين.
-
فأنت رأيت مسلماً لم يرو هذا الحديث بهذا التمام، وفي استخراجه عليه فوائد عديدة في الإسناد والمتن، فأبرزها في الإسناد أن مسلماً روى هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة، فجاء في " الاستخراج " من رواية سفيان الثوري متابعة لابن عيينة، كلاهما عن زياد، وفيه أن التخريج للرواية لم يلتق فيه أبو عوانة بمسلم في شيخه، ولا في شيخ شيخه ابن عيينة، إنما في شيخ ابن عيينة، وفي المتن زيادة لا تخفى فائدتها.
-
واستخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في " المستخرج على صحيح مسلم " (٢) من طريق الحافظ الحميدي قال: حدثنا سفيان، حدثنا زياد بن علاقة، سمعت جرير بن عبد الله.
- (٢)المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم (رقم: ١٩٥) .......
-
ثم رواه من طريق الحافظ الحسن بن سفيان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا زياد بن علاقة، سمعت جرير بن عبد الله قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم " .
-
فاستخراج أبي نعيم لم ترد فيه فائدة في المتن، لكنه جاء على الموافقة لمسلم في رواية هذا الحديث في شيخه ابن أبي شيبة في رواية الحسن بن سفيان عنه، وشيخ شيخه ابن عيينة في رواية الحميدي عنه،
ج ١ ص ٨٧٢ولك أن تقول: فيه من الفائدة كذلك أنه ميز (سفيان) في رواية مسلم بأنه ابن عيينة، وإن كان مثله لا يخفى في هذا الإسناد على مشتغل بالحديث.
-
[فوائد المستخرجات]
-
وللمستخرجات فوائد كثيرة، نبه عليها كثير من المتأخرين، أوصلها ابن ناصر الدين الدمشقي إلى عشرة، هي:
أولاً: زيادة ألفاظ، كتتمة محذوف، أو زيادة شرح في حديث، ونحو ذلك، وربما دلت على زيادة حكم.
-
ثانياً: علو الإسناد.
قلت: وذلك أن المستخرج مع تأخر وفاته أو زمانه عن وفاة البخاري مثلاً، إلا أنه يروي الحديث الذي رواه البخاري بعدد من الرجال يتساوى مع عدد رجال إسناد البخاري، فيكون المستخرج كأنه عاش مع البخاري في زمن واحد (١) .
- (١)وتقدم في (المدخل) لهذا الكتاب، بيان معنى العلو وفائدته.
-
ثالثاً: قوة الحديث بكثرة الطرق؛ للترجيح عند المعارضة.
قلت: ولدفع الغرابة عنه كذلك.
-
رابعاً: وصل تعليقٍ علقه الشيخان أو أحدهما.
-
خامساً: بيان من تابع من الرواة الراوي من رجال " الصحيحين " على حديثه.
-
سادساً: معرفة اتفاقهما أو اختلافهما في الحرف أو الحرفين فصاعداً.
-
سابعاً: بيان الزيادة التي على لفظ " الصحيحين " أو أحدهما من حديث من وقعت، وهل انفرد بها أم لا؟
- ج ١ ص ٨٧٣
ثامناً: ذكر قصة في الحديث لم تقع للبخاري في " صحيحه " مثلاً، ووقعت في المستخرج.
-
تاسعاً: رفع إشكال وقع في لفظ من " الصحيحين " أو أحدهما.
-
عاشراً: من فاته سماع " الصحيحين " أو أحدهما قد يصل إلى ذلك بأحاديثه وتراجمه بسماع أحد الكتب المستخرجة على الكتاب الذي فاته سماعه (١) .
قلت: وهذه الفائدة الأخيرة حين كان التلقي للكتب بالسماع، لا يحتاج إليها اليوم في تلقي " الصحيحين " ، خصوصاً أن انتشارهما في الناس أكثر من انتشار المتسخرجات عليهما.
- (١)ساق هذه الفوائد للمستخرجات: الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في " افتتاح القاري لصحيح البخاري " .......
-
[من أمثلة المستخرجات على " الصحيحين " ]
-
وأكثر ما صنف من المستخرجات، كان على أحد " الصحيحين " .
-
فمن المستخرجات على " صحيح البخاري " :
١ _ مستخرج أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي (المتوفى سنة: ٣٧١) .
-
٢_ مستخرج أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني (المتوفى سنة: ٤٢٥) .
-
٣_ مستخرج أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (المتوفى سنة: ٤٣٠) .
- وعلى " صحيح مسلم " :
-
١ _ المتسخرج، لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (المتوفى سنة: ٣١٦) .
- ج ١ ص ٨٧٤
٢ _ المتسخرج، لأبي نعيم الأصبهاني.
-
٣_ المستخرج، لأبي سعيد أحمد بن أبي بكر محمد بن أبي عثمان الحيري النيسابوري (المتوفى سنة: ٣٥٣) .
-
كما صنفت مستخرجات على بعض كتب الأصول غير " الصحيحين " ، على نفس المنحى فيهما.
-
[تنبيهان:]
-
التنبيه الأول: قال السخاوي: " وتقع في (صحيح أبي عوانة) الذي عمله مستخرجاً على مسلم أحاديث كثيرة زائدة على أصله، وفيها الصحيح والحسن، بل والضعيف أيضاً، فينبغي التحرز في الحكم عليها " (١) .
وقال: " المستخرجون ليس جل قصدهم إلا العلو، يجتهدون أن يكونوا هم والمخرج عليه سواء، فإن فاتهم فأعلى ما يقدرون عليه كما صرح به بعض الحفاظ مما يساعده الوجدان، وقد لا يتهيأ لهم علو فيوردونه نازلاً، وإذا كان القصد إنما هو العلو ووجدوه، فإن اتفق فيه شرط الصحيح فذلك الغاية، وإلا فقد حصلوا على قصدهم، فرب حديث أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلاً، فأورده المخرج من طريق آخر ممن تكلم فيه عن الزهري بزيادة، فلا يحكم حينئذ فيه بالصحة " (٢) .
قلت: وهذا تنبيه جدير بالملاحظة في جميع المستخرجات على " الصحيحين " ؛ إذ الحاجة إلى تخريج الحديث من غير طريق صاحب الصحيح قد تلجئ إلى تخريجه من طريق مجروح.
- (١)فتح المغيث (١/ ٣٨).
- (٢)فتح المغيث (١/ ٤٠) .......
- ج ١ ص ٨٧٥
ويؤكد ذلك أنه لم يعرف عن أحمد ممن خرج على الصحيحين أنه اشترط أن لا يخرج إلا عمن يحتج به.
-
والمطلوب اعتباره من النظر في إسناد المستخرج: البحث في درجة الإسناد من جهة المستخرج حتى يلتقي في إسناده مع صاحب " الصحيح " ، لا ما بعده إلى منتهى الإسناد؛ فذلك إسناد " الصحيح " فلا يحتاج إلى النظر.
-
التنبيه الثاني: وقع الاستخراج على " الصحيحين " للحديث بعد الحديث في بعض مصنفات من جاء بعد الشيخين، وليس على سبيل الاستقلال بالتصنيف في هذا الموضوع، وذلك مثل ما يقع في كتب البيهقي وأبي محمد البغوي وغيرهما، يخرجون الحديث بإسناد ينطبق عليه نعت الاستخراج، ثم يتبع مثلاً بالقول: (متفق عليه) أو (أخرجه البخاري عن فلان) أو (من طريق فلان) وهكذا، فاعلم أن هذا العزو إلى " الصحيحين " أو أحدهما إنما يعني الاتفاق على الإسناد من موضع الالتقاء بين البغوي مثلاً وصاحب الصحيح، والاتفاق على أصل المتن، وقد يتطابق إلى المتن أو يتغاير زيادة واختصاراً، فاحذر أن تأخذ من هذه الكتب ما عزي إلى " الصحيحين " وتقول: (متفق عليه) أو (أخرجه البخاري) أو (مسلم) دون الرجوع إلى " الصحيحين " ذاتهما.
-
كما عليك أن تحذر من الحكم على لفظ البغوي مثلاً بالصحة، بمجرد عزوه الحديث إلى " الصحيح" وهو قد استخرجه عليه.