المبحث الرابع: السنن الأربعة والمسند أعظم دواوين السنة بعد الصحيحين

٦٣ فقرة، ج ١ ص ٨٥٦

الصفحة ١ من ٢

  1. المعني بـ (السنن الأربعة) : سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.

    ج ١ ص ٨٥٦
  2. وبـ (المسند) مسند أحمد بن حنبل.

  3. وإذا ذكرت (الكتب الستة) فالمراد: (الصحيحان) و (السنن الأربعة) .

  4. وأول من عد ابن ماجة سادساً: الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، ومن متأخري العلماء من رشح (مسند) الدارمي بدله، ومنهم من عد السادس (الموطأ) لمالك بدله، كما صنع ابن الأثير في " جامع الأصول " (١) .

    1. (١)وانظر: " النكت على ابن الصلاح " لابن حجر (١/ ٤٨٦)، والرسالة المستطرفة، للكتاني (ص: ١٣).
  5. والعلة في التردد في كتاب ابن ماجة ما شانه من تخريج الواهي والموضوع في مواضع، وكثرة الضعيف على ما سيأتي نقده فيه.

  6. وهذه الكتب يغلب عليها الحديث المقبول، بنوعيه: الصحيح، والحسن، ويقل فيها الضعيف وما دونه.

  7. وتبين ذلك بتميز شرط كل منها، وهذا بيانه:

    [شرط أبي داود في (سننه) ]

    ج ١ ص ٨٥٧
  8. بين أبو داود في " رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه " منهجه وخطته، والذي يعنينا في هذا المبحث معرفة شرطه، وتوضيحه من عباراته كما يلي:

    ١ _ قال: " ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه " (١) .

    1. (١)نقل هذا النص الحازمي في " شروط الأئمة الخمسة " (ص: ١٦٩) من رواية ابن داسة عن أبي داود، وليس في جملة الرسالة المفردة المطبوعة في وَصف السنن .......
  9. ٢ _ لم يتحاش تخريج المراسيل، لكن باحتراز، حيث قال: " إذا لم يكن مسند متصل ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة " (٢) .

    وقال: " وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح " ، قال: " ما في كتاب السنن من هذا النحو قليل " .

    وقال: " وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من المراسيل، منها ما لا يصح، ومنها ما هو مسند عند غيري وهو متصل صحيح " .

    1. (٢)رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه (ص: ٣٣)، وكذا سائر ما سيأتي ذكْره من النصوص عن أبي داود حتى الفقرة (٨) فهو من هذه الرسالة، من (ص: ٣١) حتى (ص: ٥١) .......
  10. ٣ _ وقال: " ليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء " .

  11. ٤ _ وقال: " وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره " .

  12. ٥ _ وقال: " إذا ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ليس مما خرجته، فاعلم أنه حديث واه، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلم " .

    قلت: يشير إلى أنه اجتهد في استقصاء أبواب السنن، وحكمه بالوهاء على ما لم يخرجه من الحديث مما يثبت سنة لم يذكرها، لا يسلم له بهذا الإطلاق، وإنما العبرة بثبوت الرواية بتلك السنة، وفوق كل ذي علم عليم، والسنن يومئذ لم ينته من استقصائها في كتاب.

    ج ١ ص ٨٥٨
  13. وكان قال قبل ذلك: " لم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته " .

  14. ٦ _ وقال: " وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده " .

  15. ٧ _ وقال: " وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض " .

  16. قول أبي داود في شأن ما سكت عنه فهو صالح، ما معناه؟

  17. الحديث يكون صالحاً للاحتجاج، أو للاعتبار، وكلاهما مراد لأبي داود، فالأحاديث التي سكت عنها في كتابه، هي أكثر ما فيه، وهي منقسمة إلى أقسام:

    أولها: الصحيح المحتج به، وهو الأكثر.

  18. وثانيها: الحسن، وهو من مظانه.

  19. وثالثها: ما يتقوى من الروايات اللينة.

  20. ورابعها: ما هو رواية الضعفاء الذين لم يجتمع على ترك حديثهم.

  21. ٨ _ وقال: " الأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير. . فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم " .

    قلت: هذا الوصف قوة لكتابه، ولكن الغريب الصحيح حجة، وعند أبي داود كثير من أفراد الثقات، بل فيه من أفراد الضعفاء كذلك.

    ج ١ ص ٨٥٩
  22. وقارن ابن رجب بين أبي داود والترمذي في التخريج لبعض الرواة المتكلم فيهم، وقال في أبي داود: " هو أشد انتقاداً للرجال منه " (١) أي من الترمذي.

    1. (١)شرح علل الترمذي (١/ ٣٩٨).
  23. وقال الذهبي بعد ذكره لما بينه أبو داود من شرطه في " سننه " :

    " قد وفى رحمه الله بذلك بحسب اجتهاده، وبين ما ضعفه شديد ووهنه غير محتمل، وكاسر عما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسنا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذباً بين الضعف والحسن.

  24. فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت: ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب.

  25. ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر.

  26. ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيداً سالماً من علة وشذوذ.

  27. ثم يليه ما كان إسناده صالحاً، وقبله العلماء؛ لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً، يعضد كل إسناد منهما الآخر.

    ج ١ ص ٨٦٠
  28. ثم يليه ما ضعف إسناده؛ لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يمشيه أبو داود ويسكت عنه غالباً.

  29. ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالباً وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته " (١) .

    وقال الذهبي: " من أجمع على اطراحه وتركه لعدم فهمه وضبطه، أو لكونه متهماً، فيندر أن يخرج لهم أحمد والنسائي، ويورد لهم أبو عيسى فيبينه بحسب اجتهاده، لكنه قليل ويورد لهم ابن ماجة أحاديث قليلة، ولا يبين، والله أعلم، وقل ما يورد منها أبو داود فإن أورد بينه في غالب الأوقات " (٢) .

    قلت: وبهذا التفصيل الدقيق الحسن من الناقد الذهبي يتبين خطأ من رأى فيما يسكت عنه أبو داود أو يدخله في " سننه " مطلقاً الصحة.

    1. (١)سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢١٤ _ ٢١٥) .......
    2. (٢)سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٦).
  30. كما قال الساجي في (الوضين بن عطاء) : عنده حديث واحد منكر غير محفوظ، عن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي، حديث: العينان وكاء السه (٣) . قال الساجي: " رأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب السنن، ولا أراه ذكره فيه إلا وهو عنده صحيح " (٤) .

    1. (٣)السه، قال ابن الأثير: " حلْقة الدبر .. ومعنى الحديث: أن الإنسان مَهْما كان مستيقظاً كان استه كالمشدودة المَوْكيِّ عليها، فإذا نام انْحلَّ وكاؤُها، كنى بهذا اللفظ عن الحديث وخروج الريح " (النهاية: ٢/ ٤٢٩ _ ٤٣٠).
    2. (٤)نقله ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (٤/ ٣١٠).
  31. وأطلق بعض العلماء على كتاب أبي داود اسم (الصحيح) ، كالحاكم النيسابوري (١) ، وما تقدم بيانه يرد هذا الإطلاق.

    1. (١)النُّكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨١).
    ج ١ ص ٨٦١
  32. [شرط الترمذي في " سننه " ]

  33. خرج الترمذي في " سننه " التي سماها " الجامع " الحديث بمختلف درجاته، لكنه كان في غاية الاعتناء بتميز درجات الحديث، ونقده.

  34. وفي كتابه: الصحيح، والحسن، والضعيف بأنواع الضعف المختلفة، والمنكر والواهي والموضوع، وإن كان هذا النوع الأخير قليلاً، ويبينه.

    قال ابن رجب: " الغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه، ولا أعلمه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه حديثاً بإسنادٍ منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثاً مروياً من طرق، أو مختلفاً في إسناده وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي، نعم قد يخرج عن سيء الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه " (٢) .

    1. (٢)شرح علل الترمذي (١/ ٣٩٥ _ ٣٩٧) .......
  35. أي: أنه لم يخرج حديث من هو كهذين المتروكين الهالكين يريد اعتماده، وإنما يخرجه فيبينه، ويبين ما الأصح أو المحفوظ من طريق سواهم (٣) .

    1. (٣)لم يُخرج للمصلوب إلا حديثاً واحداً في كتاب (الدعوات) (رقم: ٣٥٤٩) وبين وهاءَه، كما خرَّج بعده ما هو أصح من حديثه. وكذلك الكلبي، إنما خرَّج له حديثاً واحداً في كتاب (التفسير) (رقم: ٣٠٥٩) وقال: " حديث غريب، وليس إسناده بصحيح "، وذكر وهاء الكلبي.
  36. وأكثر ما في (جامع) الترمذي فهو من الصحيح والحسن، وأكثر رواته

    ج ١ ص ٨٦٢الثقات الضابطون، وفيهم من يهم قليلاً، ومن يهم كثيراً، ومن يغلب على حديثه الوهم، لكنه لا يكاد يخرج حديث هذا الصنف على قلته إلا ويبين ذلك.

  37. والترمذي غير متساهل في التحقيق، خلافاً لما أطلقه بعض متأخري العلماء، وجرى عليه بعض المنتسبين إلى هذا العلم من أهل زماننا.

  38. والعلة عند هؤلاء ما لخصه ابن القيم بقوله: " الترمذي يصحح أحاديث لم يتابعه غيره على تصحيحها، بل يصحح ما يضعفه غيره أو ينكره، فإنه صحح حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف " وبين كلام الأئمة في شدة ضعفه، وقال: " ويصحح أيضاً حديث محمد بن إسحاق، وهو أعذر من تصحيحه حديث كثير هذا، ويصحح أيضاً للحجاج بن أرطأة مع اشتهار ضعفه، ويصحح حديث عمرو بن شعيب، وأحسن كل الإحسان في ذلك، والمقصود أنه يصحح ما لا يصححه غيره وما يخالف في تصحيحه " (١) .

    قلت: وهذا يقابله أنه يعلل أحاديث يصححها غيره.

    1. (١)الفروسية (ص: ٦٣) .......
  39. والوجه في ذلك كله أنه إمام مجتهد في هذه الصنعة كغيره من أئمة هذا الشأن، واختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف لحديث هو من نفس باب اختلافهم في التعديل والتخريج لراو، فاحتمال هذا احتمال لذاك.

  40. والترمذي جرى في هذا العلم على خطى شيخه البخاري في منهاجه، كما أظهر ذلك جلياً في كتابه، نعم، كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.