المبحث السابع: تصحيح الحديث على شرط الصحيح

٦٢ فقرة، ج ١ ص ٨٨٠

الصفحة ١ من ٢

  1. المراد به: (على شرط البخاري ومسلم) أو (أحدهما) .

    ج ١ ص ٨٨٠
  2. وتوضيح هذا يوجب تحرير شرط كل من الشيخين فيما خرجاه في (كتابيهما) .

  3. [شرط البخاري]

  4. شرط البخاري في " صحيحه " : أنه جرد الصحيح المستوفي لشروط الصحة: من اتصال الإسناد، وثقة الرواة، والسلامة من العلل.

  5. وذلك مستفاد من تتبع كتابه.

  6. كذلك يتبين من عنوانه، فإنه سماه: " الجامع المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه " .......

    وقال البخاري: " ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول " (١) .

    ج ١ ص ٨٨١قلت: وهذا صريح منه أنه لم يقصد إلى مجرد الجمع، بل جرد الصحيح في كتابه لم يَشُبه بغيره، كذلك يدل هذا على ضعف الاستدراك عليه لما لم يخرجه من الحديث، فإنه قصد إلى الاختصار.

    1. (١)أخرجه ابن عَدي في " الكامل " (١/ ٢٢٦) و " أسامي من روى عنهم البخاري ومسلم " (ص: ٦٢) ومن طريقه: الخليلي في " الإرشاد " (٣/ ٩٦٢) والخطيب في " تاريخه " (٢/ ٨ _ ٩) وابن عساكر في تاريخه " (٥٢/ ٧٣) من طريق إبراهيم بن مَعْقل النسفي عن البخاري، به. وعند ابنِ عساكر من وجهين عنه، هو صحيحٌ بهما.
  7. فأما شرطه في الاتصال فشديد، فإنه لم يكتف بمعاصرة الراوي لشيخه، بل اشترط لقاءه له ولو مرة، وقد حررته في الكلام على (الاتصال) في (القسم الأول) .

  8. وأما في الرجال، فإنه عمد إلى أحاديث الثقات الذين هم في أعلى درجات الثقة، واحترز من أحاديث من قامت الشبهة أو قويت مظنتها في روايته.

    قال الدارقطني: " أخرج البخاري عن بقية بن الوليد وعن بهز بن حكيم اعتباراً؛ لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهزاً متوسط " (١) .

    1. (١)سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٧٥).
  9. وبين الحاكم شرط البخاري في صفة الثقة الذي خرج له، فقال: " من شرط البخاري في (الصحيح) أن الحديث لا يشتهر عنده إلا بثقتين يتفقان على روايته " (٢) .

    1. (٢)سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: ٢٦٧).
  10. وزاد ذلك بياناً في موضع آخر، وضم إلى البخاري مسلماً، فقال: " الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً مشهوراً بالعدالة في روايته " (٣) .

    1. (٣)المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: ٣٣) .......
  11. ومراد الحاكم بهذا أن أحاديث الصحيحين ليس فيها راو خرجا له أو خرج له أحدهما، إلا وهو معروف برواية اثنين فصاعداً عنه، وليس مراده أن ذلك الحديث رواه اثنان، وعن كل واحد منهما اثنان.

    ج ١ ص ٨٨٢
  12. والذي يرفع الإشكال عن كلام الحاكم في تفسيره لشرط الشيخين في الرجال، ما بينه بنفسه في كتاب " المدخل إلى كتاب الإكليل " حين قسم الحديث الصحيح المتفق على الاحتجاج به عند فقهاء الحجاز وفقهاء الكوفة، لا المختلف فيه، إلى خمسة أقسام، فذكر أول الأقسام ما اتفق عليه الشيخان، وأتبعه ببيان الشرط المذكور، ثم قال: " القسم الثاني من الصحيح المتفق عليه: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل، رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي، وليس لهذا الصحابي إلا راو واحد " .

  13. ثم مثل له بحديث عروة بن مضرس الطائي في الحج، ثم قال: " هذا حديث من أصول الشريعة، مقبول متداول بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيحين، إذ ليس له راو عن عروة بن مضرس غير الشعبي. وشواهد هذا كثيرة في الصحابة " فذكر جماعة من الصحابة لم يعرفوا إلا برواية واحد عن كل منهم (١) .

    1. (١)المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: ٣٦ _ ٣٧).
  14. ونفى الحاكم أن يكون الشيخان أو أحدهما قد خرجا لراو لم يعرف إلا بروية واحد عنه.

  15. لكن هذا الذي قاله الحاكم لم يقبله النقاد.

    قال الحافظ ابن طاهر المقدسي: " إن البخاري ومسلم لم يشترطا هذا الشرط، ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن، ولعمري إنه شرط حسن لو كان

    ج ١ ص ٨٨٣موجداً في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعاً " (١) .

    1. (١)شروط الأئمة الستة (ص: ٩٦) .......
  16. فذكر أمثلة لذلك، فمما أخرجه البخاري: مرداس الأسلمي، تفرد عنه قيس بن أبي حازم. وعمرو بن تغلب، تفرد عنه الحسن البصري.

  17. واتفق هو ومسلم على تخريج حديث المسيب بن حزن، وتفرد عنه ابنه سعيد.

  18. ومما أخرجه مسلم: الأغر المزني، تفرد عنه أبو بردة بن أبي موسى. وأبو رفاعة العدوي، تفرد عنه حميد بن هلال. إلى غير ذلك.

  19. ومن الغريب في هذا أن الحاكم قد درس " الصحيحين " دراسة العارف، فعجباً له كيف أطلق تلك المقالة، بل إنه كان يعلم أن الشيخين احتجا بمن لم يرو عنه إلا واحد، فقد قال في " المستدرك ": " وقد أخرجا جميعاً عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد " (٢) .

    1. (٢)المستدرك (١/ ٨ بعد الحديث رقم: ١٦).
  20. ووجدت البيهقي كذلك جرى على مذهب شيخه الحاكم في تلك الدعوى، فإنه ذكر (عمرو بن بجدان) فقال: " وليس له راو غير أبي قلابة، وهو مقبول عند أكثرهم؛ لأن أبا قلابة ثقة، وإن كان بخلاف شرط الشيخين في خروجه عن حد الجهالة بأن يروي عنه اثنان " (٣) .

    1. (٣)الخِلافيات (٢/ ٤٥٧).
  21. والرد المتقدم لكلام الحاكم رد على البيهقي كذلك.

  22. وأما تحري البخاري في سلامة الحديث من العلل المؤثرة، فغاية في الظهور لمن درس كتابه، ولذا ندر التعقب عليه في ذلك، وكان لفطنته لما قد يتعقب به مما يقع من اختلاف الرواة في حديث، فإنك تراه يسوق

    ج ١ ص ٨٨٤الحديث بأحسن إسناد عنده محتجا به، ثم يذكر بعده ما وقع من الاختلاف، كأنه يقول بذلك: قد اطلعت على الاختلاف في الرواية وعلمته، ولكن لا أثر له.

  23. شرط مسلم في كتابه:
  24. أما مسلم فقد اجتهد في استيفاء شروط الصحة فيما خرجه في " صحيحه " كما وقع من شيخه البخاري، وإن كان خالف في شيء غير مؤثر في تقدم كتابه.

  25. وكتابه مختصر أيضاً في الحديث الصحيح، فإنه قال: " صنفت هذا المسند " يعني صحيحه " من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة " (١) .

    1. (١)أخرجه الحاكم في " تاريخه " (كما في " السير " ١٦/ ٢٨٨ _ ٢٨٩) والخطيب في " تاريخه " (١٣/ ١٠١) وإسناده صحيح.
  26. وسئل عن حديث أبي هريرة في القراءة وراء الإمام، فقال: " هو عندي صحيح " فقال السائل: لم لم تضعْه هنا (٢) ؟ فقال: " ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه " (٣) .

    1. (٢)يعني داخِلَ صحيح.
    2. (٣)صحيح مسلم (١/ ٣٠٤) .......
  27. وفسر ابن الصلاح قوله: (ما أجمعوا عليه) من وجهين، فقال: " الأول: أنه أراد أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط المجتمع عليه، وأنه لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. والثاني: أنه أراد أنه ما وضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متناً أو إسناداً، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته , وهذا هو الظاهر من كلامه " (٤) .

    1. (٤)صيانة صحيح مسلم (ص: ٧٥).
  28. وبين مسلم شرطه في " مقدمة صحيحه " فقال: " نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس " (١) .

    قال: " فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم.

    1. (١)مُقدمة صحيح مُسلم (ص: ٤) .......
    ج ١ ص ٨٨٥
  29. فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم، من حمال الآثار ونقال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية، ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء ويزيد وليثاً، بمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، في إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهم مباينين لهم لا يدانونهم، لا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك؛ للذي استفاض عندهم من صحة حفظ منصور والأعمش وإسماعيل وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء ويزيد وليث.

  30. وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني، مع عوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني، وهما صاحبا الحسن

    ج ١ ص ٨٨٦وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم " (١) .

    قلت: لم ينص مسلم على سوى القسم الأول من الثلاثة، لكنه في التحقيق ضمن القسمين الثاني والثالث بيانه الذي ذكر لمراتب الرواة، فإن مقتضى بيانه للنقلة الذين خرج لهم في كتابه أنهم على ثلاثة أقسام:

    الأول: الحفاظ المتقنون، مثل: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عون، وأيوب السختياني.

    1. (١)مقدمة صحيح مسلم (ص: ٥ _ ٦) .......
  31. وهذا القسم هو الأصل في التقديم عنده، وهو الذي يقوم عليه بناء (صحيحه) .

  32. والثاني: ثقات دونهم، مثل: عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وأشعث بن عبد الملك الحمراني.

  33. وهذا القسم يخرج حديثهم في كتابه كما يخرج الأول، ويحتج بهم، وإن كانوا دونهم.

  34. والثالث: صدوقون في الأثل، ليسوا بالمتقنين، من جهة ما عرفوا به من سوء الحفظ، مثل: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم.

  35. فهذا القسم قد يخرج لهم في المتابعات، حيث وافقوا فيما رووا أهل القسمين السابقين، وإن كان قد أقل من هذا جداً (٢) .

    1. (٢)فهو هنا قد مثل بثلاثة: عطاء بن السائب، ولم يُخرج له شيئا أصلاً، ويزيد بن أبي زياد، وليس له عنده سوى موضع واحد مُتابعةً (٣/ ١٦٣٧) من رواية ابن عيينة عنه، وليثٌ كذلك له في موضع واحد مقروناً بأبي إسحاق الشيباني (٣/ ١٦٣٦).
  36. وللحاكم في هذه الأقسام قول لم أجد له فيه مستنداً، قال: " لما فرغ من هذا القسم الأول أدركته المنية رحمه الله وهو في حد الكهولة " (١) .

    1. (١)المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: ٣٤)، وممن ردَّ مقالة الحاكم: القاضي عياض في " إكمال المُعلم " (١/ ٨٦) والذهبي في " السير " (١٢/ ٥٧٥).
    ج ١ ص ٨٨٧
  37. كما نص مسلم أنه لا يخرج في كتابه لصنفين من الرواة:

    الأول: المتهمون عند عامة أهل الحديث، أو عند أكثرهم، مثل: عمرو بن خالد، ومحمد بن سعيد المصلوب، وأبي داود النخعي.

  38. والثاني: من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط.، مثل: يحيى بن أبي أنيسة، وعباد بن كثير، وعمر بن صهبان.

  39. قال الحازمي فيما يكون بياناً لشرط الشيخين جميعاً في انتقاء أحاديث الثقات: " مذهب من خرج الصحيح: أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضاً، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه، إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم " (٢) .

    قلت: ثم مثل بمثال حاصله: تخريج حديث الزهري، فهو على مراتب بحسب طبقات أصحاب الذين حملوا عنه (٣) :

    فالأولى: الثقة المتقن المقدم كمالك وابن عيينة ومعمر، فحديث هذه الطبقة أعلى حديث الزهري وأصحه.

    1. (٢)شروط الأئمة الخمسة (ص: ١٥٠).
    2. (٣)تقدم أن ذكرتُ هذه الطبقات لأصحاب الزهري بأبْسط مما هنا في (المبحث الثالث) من (الفصل الثالث) من (النقد الخفي) .......
  40. والثانية: طبقة مثل الليث بن سعد والأوزاعي، وحديثهم عنه ليس

    ج ١ ص ٨٨٨بالمردود، ولكنه ليس الأمثل؛ لأنهم لم تكن لهم من الملازمة للزهري ما مكنهم من إتقان حديثه، فيخرج في أدنى درجات الصحيح.