المبحث الثامن: مسائل في الحديث الصحيح والحسن

٦٦ فقرة، ج ١ ص ٨٩٣

الصفحة ١ من ٢

  1. المسألة الأولى: الحديث الصحيح والحسن كلاهما حجة في الدين.

    قال الإمام الشافعي: " وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه " (١) .

    قلت: أما الحديث الصحيح فهذا المعنى ظاهر فيه.

    1. (١)الرسالة (ص: ٣٣٠) .............
    ج ١ ص ٨٩٣
  2. وأما الحديث إذا دل التحقيق والنظر على حسنه، فذلك يلحقه بالصحيح في الاحتجاج، من جهة أن حسنه لم يثبت إلا عندما تحققت فيه شروط القبول وانتفت عنه موانعه، وتلك هي صفة الحديث الصحيح، وان افترقا في نوع بعض تلك الشروط وكيفية تحققها، على ما تقدم بنانه.

  3. وكما أن (الحديث الصحيح) تثبت به الأحكام، فذلك الحسن، لكن يجب أن يعلم أن (الصحيح) يستقل بإثبات حكم لا ضد له أقوى منه، أما (الحسن) فإننا اشترطنا أن لا يتفرد راويه بأصله، وهذا يعني أنه لا يثبت حكما لا يعرف إلا من تلك الجهة، ولكنه يستدل به على الإبانة والتفصيل لحكم أصله في الجملة ثابت من وجه آخر.

  4. والعلة في هذا الفارق: أن راوي الحديث الحسن إنما قصر عن درجة من يحتج به ابتداء حتى ينظر في روايته، من أجل ما نخشى من خطئه ووهمه، وذلك لما أوردته شبهة خطئه في بعض ما روى، أو قصور درجته في الحفظ عن درجة المتقنين لعدم الشهرة بالعلم والاعتناء به.

    ج ١ ص ٨٩٤
  5. وإذا كان هذا ظاهراً في الأحكام، فمن الخطأ البين القول بصحة بناه اعتقاد على (حديث حسن) جرى الحكم بحسنه على ظواهر قواعد المتأخرين في تعريفهم للحسن، دون استقصاء قدر الموافقة للمحفوظ المعروف، أو المخالفة، أو التفرد.

  6. وإذا تحققت هذه المسألة لم تجد لأهل الإسلام عقيدة لم يأت فيها إلا حديث حسن، بل إنك لا تجد عقيدة يقصر العلم بها على حديث صحيح فرد، فإن العقائد أبلغ من الأحكام وآكد، والديانة بها أخطر، فمن أجل ذلك لا يصح تصور أن يكون الشيء منها لم يرد فيه إلا خبر واحد فرد، لا يعلم له أصل من وجه آخر.

  7. نعم، قد تجد في تفاريع بعض ما يتصل بالاعتقاد ما لم يرد فيه إلا الحديث الواحد الصحيح أو الحسن، لكن أصله محفوظ معروف، كتفاصيل سؤال القبر والشفاعة وصفة الميزان يوم القيامة، فإنك لا تجدها إلا مؤيدة لأصل معلوم من دين الإسلام: جاء به الكتاب، أو الصحيح المقطوع به من السنة، والجهل بتلك التفاريع أو عدم اعتقاد ثبوتها لا يقدح في دين الإنسان، ولعذر صاحبها بالتأويل مساغ، بخلاف الإيمان بأصولها في الجملة.

  8. وتقدم أن بعض الحفاظ أدرجوا (الحسن) تحت مسمى (الصحيح) تغليباً، كما وقع الشيء منه في " الصحيحين " ، وكما هو صنيع ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " .

  9. والتمييز بينهما في الإطلاق أدق، إذ فيه إبقاء للإشعار بطريق الوصول

    ج ١ ص ٨٩٥به إلى هذه المرتبة، كذلك فيه فائدة تمييز درجات الحفظ للنقلة، فلو أطلقنا عليه وصف (الصحة) فربما أوهم ذلك أن رواته رواة (الحديث الصحيح) .

  10. المسألة الثانية: درجات الصحة تتفاوت في القوة بحسب القرائن.

  11. المقصود بهذا ملاحظة أن بعض الصحيح أصح من بعض، فرواية من وصف بأن (ثقة حافظ) فوق رواية من وصف بكونه (ثقة) فقط، والحديث يأتي من طريقين صحيحين أقوى من الحديث لا يأتي إلا من طريق واحدة صحيحة.

  12. كما أن الحديث في الفقه يرويه الثقة الفقيه أعلى من الحديث يرويه ثقة غير فقيه.

  13. وكذلك (الصحيح) فوق (الحسن) .

  14. و (الحسن) يرد من وجهين أو أكثر، كل وجه منهما قد اتفقت فيه شروط الحسن، يكون (صحيحاً لغيره) ، فهذا فوق (الحسن لذاته) .

  15. [المسألة الثالثة: هل صحة الإسناد توجب صحة الحديث؟]

    قلت: إذا قيل: (إسناد صحيح) وقصد القائل أنه استوفى جميع الشروط الأربعة المتقدمة فلا فرق بين ذلك وبين قوله: (حديث صحيح) .

  16. وكذلك إذا قيل: (إسناده حسن) بشروطه، فهو كالقول: (حديث حسن) .............

  17. والواجب أن لا يقال لحديث: (إسناده صحيح) أو (حسن) إلا ويراد بذلك استيفاؤه جميع الشروط الموجبة لصحة الحديث، أو حسنه؛ لأن هذا اللفظ ينبغي أن لا يفهم إلا الثبوت.

    قال الإمام شعبة بن الحجاج: " إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد " (١) .

    1. (١)أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٥٧) وإسناده جيد .......
  18. لكن في المتأخرين من لا يراعي ذلك، وكأنه كان يكتفي بتحقق الشروط الثلاثة الأولى فيحكم بصحة الإسناد وحسنه، فترى بعض ما يحكمون عليه بذلك لا يسلم من علة قادحة، كما وقع ذلك في صنيع الحاكم النيسابوري، وكثر مثله بعد الذهبي فالعراقي فابن حجر، وفي زماننا صار هذا النمط لا يحصى كثرة، فيحتاج قبول كثير من تلك الأحكام إلى احتياط شديد.

    ج ١ ص ٨٩٦
  19. [المسألة الرابعة: قولهم في الحديث: (رجاله ثقات) هل يعني الصحة؟]

  20. الجواب: ليست هذه العبارة حكماً من قائلها بصحة الحديث ولا حسنه.

  21. وبين ابن القيم خطأ الحكم بصحة الحديث بناء على مجرد ثقة رواته، وذلك من وجهين، قال:

    " أحدهما: أن ثقة الراوي شرط من شروط الصحة، وجزء من المقتضي لها، فلا يلزم من مجرد توثيقه الحكم بصحة الحديث.

  22. يوضحه أن ثقة الراوي هي كونه صادقاً لا يتعمد الكذب، ولا يستحل تدليس ما يعلم أنه كذب باطل.

  23. وهذا أحد الأوصاف المعتبرة في قبول قول الراوي.

  24. لكن بقي وصف الضبط والتحفظ، بحيث لا يعرف بالتغفيل وكثرة الغلط.

  25. ثانيهما: أن لا يشذ عن الناس، فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه وليس ممن يحتمل ذلك منه، كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، ونحوهم، فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه؛ للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.

  26. فأما مثل سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر، ونحوهم، فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه، فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأساً.

    ج ١ ص ٨٩٧
  27. وأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهناً على وهن.

  28. فكيف تقدم رواية أمثال هؤلاء على رواية مثل مالك، والليث، ويونس، وعقيل، وشعيب، ومعمر، والأوزاعي، وسفيان، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأضرابهم، هذا مما يستريب من له معرفة بالحديث وعلله في بطلانه " (١) .

    1. (١)الفروسية (ص: ٧٣ _ ٧٤).
  29. المسألة الخامسة: عدد الحديث الصحيح.

  30. باعتبار عد الروايات الحديثية في الكتب، فإن هذا ليس مما يمكن المصير إليه؛ وذلك من أجل انتشار طرق الحديث، فالكتب التي تجمع الأسانيد كثيرة جداً.

  31. كذلك لتعذر ضبط قاعدة تنزل عليها جميع روايات الحديث، فيقال: هذا من الأسانيد مقبول فيعد، وهذا ليس بمقبول فلا يعد.

  32. نعم، جاء عن متقدمي الأئمة أنهم كانوا يسمعون الأسانيد المتعددة للمتن الواحد أحاديث، فيما يحفظه أحدهم.

  33. مثل قول البخاري: " أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح " (٢) .

    وقال ابن حجر العسقلاني: " إذا كان الشيخان مع ضيق شرطهما بلغ

    ج ١ ص ٨٩٨جملة ما في كتابيهما بالمكرر هذا القدر (١) ، فما لم يخرجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعله يبلغ هذا القدر أيضاً أو يزيد، وما لم يخرجاه من المتون من الصحيح الذي لم يبلغ شرطهما لعله يبلغ هذا القدر أيضاً أو يقرب منه، فإذا انصاف إلى ذلك ما جاء من الصحابة والتابعين تمت العدة التي ذكر البخاري أنه يحفظها، بل ربما زادت على ذلك، فصحت دعوى ابن الأخرم: إن الذي يفوتهما من الحديث الصحيح قليل، يعني مما يبلغ شرطهما، بالنسبة إلى ما خرجاه " (٢) .

    قلت: وهذا الذي جاء عن حفظ البخاري، ذكر عن غيره ما يشبهه أو يزيد عليه، كالذي قيل في مقدار حفظ أحمد بن حنبل، وأبي زرعة الرازي، لكنه جميعاً إخبار عن حفظ الواحد من هؤلاء الأئمة، لا عن مجموع أسانيد الحديث.

    1. (٢)أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٢٦) _ ومن طريقه: الخليلي في " الإرشاد " (٣/ ٩٦٢) والخطيب في " تاريخه " (٢/ ٢٥) _ وإسناده مُحتمل .......
    2. (١)يعني على ما ذكره قبل هذا النص: أن عدة ما في البخاري بالمكرر (٧٢٧٥) حديثاً، وعدة ما في مسلم بالمكرر أيضاً (١٢٠٠٠) حديثاً.
    3. (٢)النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٢٩٧ _ ٢٩٨).
  34. والشأن في كثرة الأحاديث المروية كما قال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: " ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مئة ألف وأربعة عشرة ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه " (٣) .

    قلت: أما إذا قال القائل: يمكن ضبط السنن الصحيحة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالعدد، فهذا صحيح، فإن ذلك يقل خروجه عن الكتب الستة الأمهات، فإذا ضممت إليها " المسند " لأحمد بن حنبل، ندر من السنن ما يخرج عنها، وذلك النادر يمكن تتبعه من سائر كتب الحديث.

    1. (٣)أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٨٩٤) وتكلمت عن إسناده في (القسم الأول) عند الكلام عن الصحابة .......
  35. وما أمكن حصره أمكن عده، وإن لم يقم علماء الشأن بحده بعدد إلى اليوم.

    ج ١ ص ٨٩٩
  36. المسألة السادسة: قولهم: (أصح شيء في الباب) .

  37. قولهم: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب) لا يعني صحة الحديث في نفسه، فيجوز أن يكون ضعيفاً، إنما قالوا: (أصح) مقارنة بغيره مما روى في نفس الباب.

  38. ووقوع هذه العبارة أو معناها كثير في كلام المتقدمين (١) .

    1. (١)وانظر ما تقدم في (النقد الخفي _ الفصل الثالث _ المبحث الثالث _ المقدمة التاسعة).
  39. المسألة السابعة: أصح الأسانيد.

  40. اشتهرت عن بعض أئمة الحديث عبارة: (أصح الأسانيد فلان عن فلان) .