المبحث الثالث: الحديث المرسل
٢٣ فقرة، ج ١ ص ٩٢٣
- ج ١ ص ٩٢٣
تعريف الحديث المرسل:
لغة: من (أرسلت الشيء) إذا أطلقته.
قال العلائي: " فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف " (١) .
- (١)جامع التحصيل (ص: ١٤)، وقد ذكروا في المناسبة بين اللغة والاصْطلاح غير هذا الوجْه، لكن هذا أحسنها.
-
واصطلاحاً: هو الحديث الذي يرفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا يذكر له إسناداً بذلك.
-
هذا هو المحرر في معناه الاصطلاحي بعد استقراره، ويسمى بـ (الإرسال الظاهر) لظهوره، ويقابله (الخفي) وسيأتي.
-
والمعتبر في (المرسل) روية التابعي الذي له سماع من صحابي فأكثر، يقول: (قال _ أو: فعل _ النبي صلى الله عليه وسلم) .
- ويجب التنبه هنا لثلاث صور يقع فيها الالتباس:
-
الصورة الأولى: تدخل في (المرسل) ، وظاهرها الاتصال، وهي رواية من رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئاً.
- ج ١ ص ٩٢٤
فهذا له شرف الصحبة لا حكمها في الرواية، فحديثه من قبيل المرسل، ولا يعد متصلاً، لكنه بمنزلة روايات كبار التابعين.
-
مثل: جعدة بن هبيرة المخزومي، أمه أم هانئ بنت أبي طالب، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وله رؤية، ثبت له بها شرف الصحبة؛ ولذا حكم بصحبته بعض أهل العلم، وراعى آخرون عدم سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فحكموا بتابعيته، وهذا ينبئك عن سبب اختلافهم.
-
فالتحقيق أنه صحابي، لكن لحديثه حكم روايات التابعين؛ لأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً.
قال يحيى بن معين: " لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم " (١) ، وقال أبو عبيد الآجري لأبي داود: جعدة بن هبيرة رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم " (٢) .
- (١)تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ١٨٦).
- (٢)سؤالات الآجري (النص: ١٧٤٦) .......
-
والصورة الثانية: ظاهرها الإرسال، وهي معضلة، وهي رواية من له رؤية لبعض الصحابة ولم يسمع من أحد منهم، فهذا يثبت له شرف التابعية لا أحكامها.
-
وعليه، فروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم معضلة، وروايته عن الصحابة منقطعة.
-
وذلك كروايات إبراهيم النخغي أو الأعمش عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو حاتم الرازي: " لم يلق إبراهيم النخعي أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، فإنه دخل عليها وهو صغير، وأدرك أنساً ولم يسمع منه " (٣) .
وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود (يعني السجستاني) يقول:
ج ١ ص ٩٢٥" لم يسمع الأعمش من واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: أنس؟
قال: " ولا كلمة، إنما رأى أنساً، ولم ير ابن أبي أوفى، ولا سمع منه " (١) .
- (٣)المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩).
- (١)سؤالات الآجري (النص: ٣٦٩).
-
والصورة الثالثة: من يروي من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، على ما بلغه عنه في حياته، ولم تثبت له صحبة.
-
فهذا وإن أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم فهو تابعي، وحديثه مرسل؛ لتعين بلوغ الحديث له بالواسطة، وهي مجهولة.
-
وليس لدينا مثال في الواقع يصلح للاستدلال به لهذا يسلم من علة، وإنما ذكرته لجوازه على من يقبل بعض ما روي بهذا الطريق.
-
[نقد تعريفات المرسل]
قال الحاكم: " هو قول الإمام التابعي أو تابع التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن أو قرنان، ولا يذكر سماعه فيه من الذي سمعه " (٢) .
قلت: هذا التعريف ليس اختيار الحاكم، وإنما بين أنه اختيار الفقهاء من أهل الكوفة، أما عنده فالمرسل هو: " الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " (٣) .
وقال الخطيب: " المرسل: ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم " (٤) .
قلت: وعلى هذا يندرج في (المرسل) كذلك (المنقطع) بتعريفه
ج ١ ص ٩٢٦الاصطلاحي، ولذلك قال الخطيب: " والمنقطع مثل المرسل " (١) ، بينما يتميزان باختيار ما جرى عليه الاستعمال في معنى المرسل.
- (٢)المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣).
- (٣)معرفة علوم الحديث (ص: ٢٥، ٢٦).
- (٤)الكفاية (ص: ٥٨) .......
- (١)الكفاية (ص: ٥٨).
-
أما التعريف الأول الذي ذكره الحاكم عن فقهاء الكوفة، فإنه دخل فيه ما اصطلح عليه بالإسناد (المعضل) ، فليس بحاصر للمعنى الخاص للإرسال.
قال الخطيب: " أما ما رواه تابع التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيسمونه: المعضل، وهو أخفض رتبة من المرسل " (٢) .
- (٢)الكفاية (ص: ٥٨).
-
وعلى حصر (المرسل) فيما يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء تعريف ابن عبد البر عن أهل العلم، وهو الأدق والموافق لما اخترناه، قال: " هذا الاسم أوقعوه لإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم " ، ومثَّل بجماعة، ثم قال: " وكذلك من دون هؤلاء " ومثَّل بآخرين، ثم قال: " ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم، فهذا المرسل عند أهل العلم " (٣) .
- (٣)التمهيد (١/ ١٩، ٢٠).
-
أما ما يرسله صغار التابعين، كمن لم يلق من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر رواياتهم عن التابعين، فذكر عن طائفة أنه (منقطع) (٤) .
- (٤)التمهيد (١/ ٢١).
-
[مثال المرسل]
قال أبو داود (٥) : حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا كثير بن هشام، عن عمر بن سليم الباهلي، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ج ١ ص ٩٢٧" حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع " .
- (٥)في كتاب " المراسيل " (رقم: ١٠٥) .......
-
إسناد هذا الحديث حسن إلى الحسن، وهو البصري الإمام من سادة التابعين، لكنه أرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر عمن حمله، فهو ضعيف من جهة إرساله.
-
[طريق تمييز المرسل]
-
يثبت كون الحديث مرسلاً بمجرد أن يعلم أن الذي حدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم تابعي، وتمييز التابعين من غيرهم يعرف من كتب رجال الحديث.