المبحث الرابع: مسائل في الانقطاع والإرسال

٩١ فقرة، ج ١ ص ٩٢٨

الصفحة ١ من ٣

  1. المسألة الأولى: تداخلُ استعمال مصطلح (المنقطع) في (المرسل) عند السلف:

    قبل تميز الاصطلاح الفاصل بين (المنقطع) و (المرسل) في زمن المتقدمين غلب عندهم استعمال لفظ (المرسل) في كل منقطع، مما يوجب التيقظ عند النظر في عباراتهم.

    ج ١ ص ٩٢٨
  2. ومثال ذلك: ما أخرجه أبو داود (١) من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة:

    أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: " يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى وجهه وكفيه.

    قال أبو داود بعده: " هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة " .

    قلت: وهذا في الاصطلاح منقطع.

    1. (١)في " سننه " (رقم: ٤١٠٤) .......
  3. ومن هذا قولهم: (فلان يرسل) ، و: (كثير الإرسال) ، يعنون روى عمن لم يسمع منه.

  4. المسألة الثانية: المفاضلة بين المراسيل.

    ج ١ ص ٩٢٩
  5. مراسيل التابعين متفاوتة في القوة بحسب قدم التابعي المرسل وكبره، أو صغره.

  6. وتصور ذلك بتقسيم التابعين إلى طبقات ثلاث بحسب من لقوا وسمعوا منه من الصحابة:

    الطبقة الأولى: كبار التابعين، وهم الذين أدركوا كبار الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود ومعاذ بن جبل، وجُل أو أكثر رواياتهم إذا سموا شيوخهم عن الصحابة.

  7. وهؤلاء مثل: قيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع.

  8. ويندرج في جملتهم من يطلق عليه اسم (المخضرمين) ، وهم التابعون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، لكنهم لم يثبت لهم شرف الصحبة، مثل: سويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي رجاء العطاردي، وغيرهم.

  9. فمراسيل هذه الطبقة تقرب من المتصل.

  10. الطبقة الثانية: أوساط التابعين، وهم الذين أدركوا علي بن أبي طالب، ومن بقي حيا إلى عهده وبعيده من الصحابة، كحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ووقع سماعهم من بعضهم.

  11. ومثال هؤلاء التابعين: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس اليماني، والقاسم بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعامر الشعبي، ومجاهد بن جبر.

  12. فمراسيل هذه الطبقة صالحة تكتب ويعتبر بها.

    ج ١ ص ٩٣٠
  13. الطبقة الثالثة: صغار التابعين، وهم من أدرك وسمع ممن تأخر موته من الصحابة في الأمصار، الواحد والاثنين والعدد اليسير، كمن سمع من أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي أمامة الباهلي.

  14. وهؤلاء مثل: ابن شهاب الزهري، وقتادة بن دعامة السدوسي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحميد الطويل، وشبههم.

  15. فمراسيل هذه الطبقة ألصق بالمعضل منها بالمراسل، من أجل أن أكثر حديثهم حملوه عن التابعين، فإذا أرسل أحدهم فالمظنة الغالبة أن يكون أسقط من الإسناد رجلين فأكثر.

  16. ولنقاد المحدثين نزاع في تقوية بعض المراسيل وتضعيف بعضها، وذلك تارة من جهة التسهيل في الاعتبار بها، لا من جهة كونها صحيحة صحة المتصل، وتارة: من أجل أن الاستقراء لتلك المراسيل دل على أنها محفوظة من وجوه ثابتة.

  17. وفي الحالتين جميعاً ما يدل على أن المرسل ضعيف لذاته لنقص شرط الاتصال في الرواية، وإنما يكتسب القوة بسبب خارجي.

  18. وهذه أمثلة من أقوالهم في طائفة من أئمة التابعين مختلفي الطبقات، تحرر ذلك إن شاء الله:

    [القول في مراسيل سعيد بن المسيب]

    قال أحمد بن حنبل: " مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات " (١) ، وقال: " مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته " (٢) .

    ج ١ ص ٩٣١وقال يحيى بن معين: " مرسلات سعيد بن المسيب أحسن من مرسلات الحسن " (١) ، وقال: " أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب " (٢) .

    قلت: أحسن المراسيل عندهم مراسيل ابن المسيب، وما ذلك من جهة صحة آحادها لذاتها، وإنما الشأن كما قال الحاكم: " تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله، فوجدوها بإسانيد صحيحة " (٣) .

    1. (١)أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ٢٣٩ _ ٢٤٠) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٧١) وإسناده صحيح.
    2. (٢)أخرجه البيهقي في " الكبرى " (٦/ ٤٢) وإسناده صحيح .......
    3. (١)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٩٥٧).
    4. (٢)أخرجه الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص: ٢٦) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٧١) وإسناده صحيح.
    5. (٣)معرفة علوم الحديث (ص: ٢٦).
  19. وهل اتفقوا على تسليم ما استخلصوه بالاستقراء؟

  20. لا، فهذا علي بن المديني يقول: قلت ليحيى بن سعيد: سعيد بن المسيب عن أبي بكر؟ قال: " ذلك شبه الريح " (٤) .

    1. (٤)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤٣) وإسناده صحيح.
  21. فهذا إمام النقاد يحيى بن سعيد القطان يضعف مرسل سعيد عن أبي بكر، فكيف يكون عنده ما يرسله سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

  22. وطائفة نسبت إلى الشافعي أنه صحح مراسيل سعيد مطلقاً، واحتج بها، بل عدَّى بعضهم قوله إلى سائر الطبقة الأولى.

  23. فما حقيقة قول الشافعي في ذلك؟

    قال رحمه الله: ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب " (٥) .

    1. (٥)أخرجه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي ومناقبه " (ص: ٢٣٢) ومن طريقه: الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (١/ ٥٣٣) وإسناده صحيح.
  24. وقال بعد أن ذكر من رواية ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وأتبعه بأثر عن أبي بكر، ومذهب جماعة من التابعين في النهي عن ذلك: " إرسال ابن المسيب عندنا حسن " (٦) .

    1. (٦)مختصر المُزني (ص: ٧٨)، وأخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٧١).
  25. وأصحاب الشافعي اضطربوا في تفسير مراده في قبول مرسل ابن المسيب، وذكر الخطيب لهم في تفسيره قولين:

    أولهما: مرسل سعيد حجة، فإنه استدل به في النهي عن

    ج ١ ص ٩٣٢بيع اللحم بالحيوان، وجعله أصلاً لذاته.

  26. وثانيهما: ليس بحجة، والشافعي لم يقل: هو حجة، وإنما رجح به، والترجيح بالمرسل صحيح، وإن كان لا يثبت به الحكم لذاته.

    قال الخطيب: " وهذا هو الصحيح من القولين عندنا؛ لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسنداً بحال من وجه يصح، وقد جعل الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على من دونهم، كما استحسن مرسل سعيد بن المسيب على من سواه " (١) .

    وقال الخطيب أيضاً: " أما قول الشافعي: وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، فقد ذكر بعض الفقهاء أن الشافعي جعل مرسل ابن المسيب حجة؛ لأن مراسيله كلها اعتبرت فوجدت متصلات من غير حديثه، وهذا القول ليس بشيء؛ لأن من مراسيل سعيد ما لم يوجد متصلاً من وجه بتة، والذي يقتضي مذهب الشافعي أنه جعل لسعيد مزية في الترجيح بمراسيله خاصة؛ لأن أكثرها وجد متصلاً من غير حديثه، لا أنه جعلها أصلاً يحتج به " (٢) .

    قلت: وهذا الذي رجحه الخطيب ذهب إليه قبيله الحافظ البيهقي ,

    ج ١ ص ٩٣٣وهو من هو في معرفة أدلة الشافعي ومذهبه، فإنه قال: " الشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها،. . وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبله، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره، وقد ذكرنا. . مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قد قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا أنه أصح التابعين إرسالاً فيما زعم الحفاظ " (١) .

    قلت: من ذهب إلى أن الشافعي كان يرى مراسيل ابن المسيب جميعاً حجة، فإنما استفاد ذلك من نص الشافعي حيث قال في جواب من قال له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعاً ولم تقبلوه عن غيره؟ قال: " قلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعاً إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه، ورأينا غيره يسمي المجهول، ويسمي من يرغب عن الرواية عنه، ويرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم، ولم نحاب أحداً، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناه من صحة روايته " (٢) .

    قلت: والتحقيق أن الشافعي يبين في هذا قوة مراسيل سعيد، من جهة أنها جاءت من وجوه صحيحة، فهو لم يقل: مرسل سعيد حجة لذاته، أو صحيح لذاته، إنما هو صحيح من جهة مجيئه من غير ذلك الوجه المرسل متصلاً محفوظاً، فصحته عنده حاصلة بأمر خارج عن نفس روايته المرسلة.

    1. (١)الكفاية (ص: ٥٧٢) .......
    2. (٢)الفقيه والمتفقه (١/ ٥٤٦).
    3. (١)مناقب الشافعي، للبيهقي (٢/ ٣٢).
    4. (٢)الأم (٧/ ١٥٩) .......
  27. يؤيد ذلك أن هذا النص منه إنما جاء عقب استدلاله بمرسل لسعيد في (الرهن) ، ساقه من بعد من طريق موصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي

    ج ١ ص ٩٣٤عنى بقوله آخر النص المتقدم: " ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناك من صحة روايته " (١) .

    1. (١)انظر: تعليقي على كتاب " المقنع في علوم الحديث " لابن الملقَّن (١/ ١٣٧).
  28. وتقوية المرسل بالقرائن، كان الشافعي قد أصل له تأصيلاً دقيقاً في " الرسالة " ، سيأتي في (الفصل الثالث) .

  29. ومما يلحق بهذه المسألة المختصة بأن المسيب، أن أهل العلم قبلوا ما رواه ابن المسيب عن عمر بن الخطاب، وأجروه مجرى المسند، وهو لم يسمع منه أكثر ما حدث به عنه، فقد كان صغيراً يوم قتل عمر، رضي الله عنه.

  30. لكن كما قال مالك بن أنس: " ولد في زمان عمر، فلما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه " (٢) يريد حتى كأنه كان أخذ ذلك عنه؛ لأن رؤيته له صحيحة.

    1. (٢)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (١/ ٤٦٨) بإسناد حسن.
  31. وذكر مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.

  32. بل قال فيه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو تلميذه: " يسمى رواية عمر بن الخطاب؛ لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته " (٣) .

    1. (٣)أخرجه يعقوب بن سفيان (١/ ٤٧٠ _ ٤٧١) بإسناد صحيح.
  33. ومن أجل الإدراك في الجملة، وصحة النقل لمادة ما نقله عن عمر، قال أحمد بن حنبل: " هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ " (٤) .

    1. (٤)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ١ / ٦١) .......
  34. والقاعدة أن يكون هذا ضعيفاً لذاته لانقطاعه، لكن قبول السلف له، مع ما ينضم إليه من كونه مذاهب عمر في القضاء وشبهه، ومثله ليس من

    ج ١ ص ٩٣٥شأنه أن يكون سرًّا، فنقل سعيد للشيء منه دون إنكار أحد لشيء مما نقله، دليل على صحته عن عمر، زد عليه أن سعيداً كان يتتبع أقضية عمر ويعتني بها، وهذا يوجب التحري، كذلك فإن كونه من مذاهب الصحابة مما يجعل مندوحة للتسهل فيه، بخلاف ما يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  35. [قولهم في مراسيل عروة بن الزبير]

  36. ومما قواه طائفة من الأئمة من المراسيل: مراسيل عروة بن الزبير، وذلك من أجل أنه قال: " إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به " (١) .

    قال ابن عبد البر: " كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير، وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ " (٢) .

    قلت: لا ريب أن هذا النص عن عروة يفيد شدة تحريه واحتياطه، لكن العلم بتحري التابعي وحده لا يكفي للاحتجاج بمرسله دون عاضد؛ لجواز أن يكون حمله عن غير ثقة عند غيره، وحسن الظن بالمتروك ذكره من الإسناد لا يكفي لصحة النقل ما لم يشهد له شاهد.

    1. (١)أخرجه الشافعي في " الأم " (١٢/ ٣٦٨) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٧٣، ٢١٠) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٨، ٣٩) وإسناده صحيح.
    2. (٢)التمهيد (١/ ٣٩).
  37. [قولهم في مراسيل الحسن البصري]

    قال يحيى بن سعيد القطان: " ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا وجدنا له أصلاً، إلا حديثاً أو حديثين " (٣) .

    ج ١ ص ٩٣٦قلت: هذه تقوية في الجملة لمراسيل الحسن، وليست تصحيحاً لمفردات رواياتها، ولم تسلم هذه ليحيى القطان:

    فعن عبد الله بن عون، وهو من تلامذة الحسن، قال: " كان الحسن يحدثنا بأحاديث، لو كان يسندها كان أحب إلينا " (١) .

    وقال أحمد بن حنبل: " ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد " (٢) .

    قلت: ومن هذا جاءت شبهة رد المرسل، وأراد أحمد أن هذه أضعف المرسلات بالنظر إلى أهل هذه الطبقة، وهي الوسطى من التابعين، فما بالك بمن بعدها؟

    1. (٣)أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٧ _ ٢٤٨) بإسناد صحيح. ورُوي نحوه عن أبي زُرعة الرازي من قوله، لكن قال: " ما خلا أربعة أحاديث ". أخرجه ابنُ عدي (١/ ٢٢٨) عن شيخه الحسن بن عثمان التستري، وهو واهٍ.
    2. (١)أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٥٧) وإسناده صالح، وقع في اسم راويه عن ابن عون تحريف، وهو على الصواب: (الحسن بن عبد الرحمن)، وهو ابنُ العريان، بصْري لا بأس به.
    3. (٢)أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ٢٣٩ _ ٢٤٠) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٤٩، ٥٧١) وإسناده صحيح، وأخرجه نَحوه البيهقي في " الكبرى " (٦/ ٤٢) بإسناد صحيح .......
  38. [قولهم في مراسيل جماعة آخرين]

  39. وقوى العجلي مراسيل عامر الشعبي، وهو من أوساط التابعين، فقال: " مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً " (٣) .

    قلت: وهذا مفيد في قوة الاعتبار بها لذاتها، ولا يصح أن يكون حكماً بصحة أفراد رواياته المرسلة دون شاهد، وظاهر العبارة أن العجلي تتبع مراسيل الشعبي فوجد أكثرها صحيحاً من وجوه أخرى، فعُلمت صحتها بأمر خارج عن نفس المرسل، ولذا قال: (لا يكاد) ، ففيه أن ما لم تشهد له الشواهد أنه صحيح، فهو باق على الضعف.

    1. (٣)معرفة الثقات، للعجلي بترتيب الهيثمي والسبكي (٢/ ١٢).
  40. وممن ذهب بعض العلماء إلى تقوية مراسيله ممن جعلنا مراسيلهم في التحقيق معضلة لا مرسلة: إبراهيم بن يزيد النخعي.

    قال يحيى بن معين: " مرسلات إبراهيم صحيحة، إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة " (١) .

    قلت: يعني لقيام الحجة على ضعف هذين الحديثين.

    وقال أحمد بن حنبل: " مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها " (٢) .

    قلت: هذا دال على شدة تحري إبراهيم، حيث وجدوا أكثر مراسيله مروية من وجوه صحاح، وليس فيه تصحيح مرسله لذاته، ولذلك استثنوا بعض ما روى، فالصحة لها مكتسبة بأمر خارجي.

    1. (١)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٩٥٨). قلت: أماَّ حديث تاجر البحرين، فهو رواه الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجلٌ تاجرٌ أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (٢/ ٤٤٨) وأبو داود في " المراسيل " (رقم: ٧٢) من طريق وَكيع بن الجراح، وعباس الدوري في " تاريخ يحيى بن معين " (النص: ٩٦٠) من طريق أبي يحيى الحِماني، كلاهما عن الأعمش، به. وأما حديث الضحك في الصلاة، فرواه الأعمش أيْضاً عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ ضرير البَصر، والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فعثرَ، فتردَّى في بئرٍ، فضحكوا، فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم من ضحك أنْ يعيد الوضوء والصلاة. أخرجه الدارقطني في " سننه " (١/ ١٧١) ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى " (١/ ١٤٦) من طريق أبي معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، به.
    2. (٢)أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ٢٣٩ _ ٢٤٠) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٤٩، ٥٧١) وإسناده صحيح، وأخرجه نَحوه البيهقي في " الكبرى " (٦/ ٤٢) بإسناد صحيح أيضاً.
    ج ١ ص ٩٣٧