المبحث الخامس: الحديث المدلس

٢١٨ فقرة، ج ١ ص ٩٥٢

الصفحة ٢ من ٦

  1. ٤ _ كثرة ما عند ذلك الراوي عن الشيخ، فيغير في اسمه دفعاً للتكرار (٣) .

    1. (٣)ذكر هذه الأسباب الأربعة الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٢٠).
    ج ١ ص ٩٦٠
  2. ومن أمثلة هذا النوع من التدليس:

    عطية بن سعد العوفي، كان روى عن أبي سعيد الخدري، روى التفسير عن محمد بن السائب الكلبي، فكنى هذا الأخبار (أبا سعيد) (٤) ،

    ج ١ ص ٩٦١والكلبي متهم بالكذب، فما يرويه في التفسير عن أبي سعيد فالمظنة أن يكون الكلبي، ما لم يقل: (الخدري) .

    1. (٤)العلل، للإمام أحمد (النص: ١٣٠٦، ١٣٠٧)، المجروحين، لابن حبان (٢/ ٢٥٣)، الكفاية، للخطيب (ص: ٥١٢).
  3. ومنهم زهير بن معاوية، فقد روى عن أبي يحيى القتات، أحد الضعفاء، وكان يقول: (أبو يحيى الكناسي) ينسبه إلى كناسة الكوفة (١) ، وهو غير مشهور بذلك.

    1. (١)العلل ومعرفة الرجال، لأحمد (النص: ١٥٢٣).
  4. ومنهم: الوليد بن مسلم الدمشقي، ومن أمثلة فعله ذلك، أنه كان يروي عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم) فيقول: " قال أبو عمرو " ، و " حدثنا أبو عمرو عن الزهري " يوهم أنه الأوزاعي، وإنما ابن تميم، وكلاهما رويا عن الزهري (٢) ، وابن تميم هذا منكر الحديث ليس بثقة.

    1. (٢)المجروحين (١/ ٩١، و ٢/ ٥٥).
  5. ومنهم: بقية بن الوليد الشامي، ومن أمثلة صنيعه: أنه كان يقول: " حدثنا الزبيدي " ، فيذهب الظن إلى أنه عنى (محمد بن الوليد الزبيدي) ، الثقة، وإنما هو (زرعة بن عبد الله، أو عمرو الزبيدي) (٣) أحد المجهولين الضعفاء.

    1. (٣)المجروحين (١/ ٩١) .......
  6. بل ذكر بهذا التدليس سفيان الثوري على جلالته، فقد كان يروي عن الكلبي، فيقول: " حدثنا أبو النضر " فيظن أنه أراد به (سعيد بن أبي عروبة) أو (جرير بن حازم) (٤) ، فالجميع يكنون بهذه الكنية، وكلهم يروي عنهم الثوري، والكلبي متهم بالكذب، والآخران ثقتان.

    1. (٤)المجروحين (١/ ٩١).
  7. وكان يحدث عن عبيدة بن معتب الضبي، قال يعقوب بن سفيان: " حديثه لا يسوى شيئاً، وكان الثوري إذا حدث عنه كناه، قال: أبو عبد الكريم، ولا يكاد سفيان يكني رجلاً إلا وفيه ضعف، يكره أن يظهر اسمه فينفر منه الناس " (٥) .

    1. (٥)المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سُفيان الفسوي (٣/ ١٤٥ _ ١٤٦).
  8. وذكر ابن حبان في ترجمة (محمد بن سالم الكوفي) أن الثوري كان يحدث عنه ويكنيه، يقول: (حدثني أبو سهل) ، قال ابن حبان: " كان هذا مذهباً للثوري: إذا حدث عن الضعفاء كناهم حتى لا يعرفوا، كان إذا حدث عن عبيدة بن معتب قال: حدثنا أبو عبد الكريم، وإذا حدث عن سليمان بن أرقم قال: حدثنا أبو معاذ، وإذا حدث عن بحر السقاء قال: حدثنا أبو الفضل، وإذا حدث عن الكلبي قال: حدثنا أبو النظر، وإذا حدث عن الصلت بن دينار قال: حدثنا أبو شعيب، ومن يشبه هؤلاء من الضعفاء ممن يكثر عددهم " (١) .

    1. (١)المجروحين (٢/ ٢٦٢ _ ٢٦٣)، وقال نحوه الحاكم النيسابوري في " سؤالات مَسعود السجزي له " (النص: ٥١).
    ج ١ ص ٩٦٢
  9. ومنهم: قيس بن الربيع، فقد روى عن عمرو بن خالد الواسطي أحد المتروكين، فسماه مرة: (عمرو بن عبد الله مولى عنبسة) ، ومرة: (عميراً مولى عنبسة) (٢) .

    1. (٢)انظر: الموضع لأوهام الجمع والتفريق، للخطيب (٢/ ٢٨٩).
  10. ومنهم: مروان بن معاوية الفزاري، قال يحيى بن معين: " كان مروان بن معاوية يغير الأسماء؛ يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وهو الحكم بن ظهير، ويروي عن علي بن أبي الوليد، وهو علي بن غراب " (٣) .

    وقال يحيى بن معين وسئل عن مروان الفزاري: " كان ثقة فيما يروي عمن يعرف، وذاك أنه كان يروي عن أقوام لا يدري من هم، ويغير أسماهم، وكان يحدث عن محمد بن سعيد المصلوب، وكان يغير اسمه يقول: حدثنا محمد بن أبي قيس؛ لئلا يعرف " (٤) .

    ج ١ ص ٩٦٣قلت: والمصلوب هذا كان يدلس اسمه على نحو من مئة اسم (١) .

    1. (٣)المجروحين (١/ ٩١ _ ٩٢) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٢١ _ ٥٢٢) وابنُ عساكر في " تاريخه " (٥٧/ ٣٥٥) من رواية ابن أبي خيثمة، عنه، وروى نحو ذلك غيره عن يحيى بن معين، منهم: الدوري في " تاريخ يحيى " (النص: ٢٦١١ _ ٢٦١٢).
    2. (٤)الضعفاء، للعقيلي (٤/ ٢٠٣)، ومن طريقه: ابنُ عساكر في " تاريخه " (٥٧/ ٣٥٤)، وضبطُ السياق منه، وهو من رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن ابن معين .......
    3. (١)الضعفاء، للعقيلي (٤/ ٧٢)، والكفاية، للخطيب (ص: ٥٢٢).
  11. ومنهم: هشيم بن بشير الواسطي، فقد كان يروي عن (عبد الله بن ميسرة السجستاني) أحد الضعفاء، ويكنيه بكنى مختلفة، قال يحيى بن معين: " كان يكنيه بثلاث كنى: أبو إسحاق الكوفي، وأبو ليلى، وأبو جرير " (٢) , وزاد ابن عدي كنية رابعاً (أبا عبد الجليل) (٣) .

    1. (٢)أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (٥/ ٢٨٢) وإسناده صحيح.
    2. (٣)الكامل (٥/ ٢٨١).
  12. ومن غريب ما وقفت عليه من أمثلة تدليس هذا النوع ما حكاه الدارقطني عن (سليمان بن الربيع النهدي) ، قال: " يقال: كادح بن رحمة له اسم كان يعرف به، فغيره سليمان بن الربيع فسماه كادحاً، ذهب إلى قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} [الانشقاق: ٦] " ، قال " وقد روى سليمان بن الربيع هذا أحاديث مناكير عن شيخ آخر، فغير اسمه سماه همام بن مسلم، وأظنه ذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: كل بني آدم همام " (٤) ، قال الدارقطني: " أراد: منهم من يهم بالخير، ومنهم من يهم بالشر، وذهب إلى أن أباه كان مسلماً، فقال: همام بن مسلم " (٥) .

    1. (٤)لم أقف عليه بهذا اللفظ من وَجهٍ يثبت، ورُوي من حديث أنس، وذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (رقم: ٢٤١٣) من حديث جابر بن عبد الله، لكن بيَّن أبو حاتم أنها لفظة أدرجت في الحديث. ويُروى من غير وجْه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أحب الأسماء إلى الله: عبْد الله وعبْد الرحمن، وأصْدقها حارثٌ وهمام، وأقبحها حرْبٌ ومُرة "، فقد جاء من وُجوه مُرْسَلة ثلاثة عن أهل الشام، لتفصيلها مَقام آخر.
    2. (٥)تاريخ بغداد (٩/ ٥٥).
  13. ومن كان يفعله لا لجرح في الراوي، وإنما للسبب الرابع المتقدم، وهو دفع الملالة بالتكرار، جماعة من المتأخرين، منهم الخطيب البغدادي، كقوله: (أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي) ، ويقول أحياناً: (أخبرنا أحمد بن

    ج ١ ص ٩٦٤محمد بن أحمد الروياني)، وهو شيخه الثقة الحافظ أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي، نسبه إلى (القطيعة) محلة ببغداد نزلها لا يعرف بالنسبة إليها، ونسبته (الروياني) صحيحة لكنه غير مشهور بها كذلك (١) .

    1. (١)وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٦٠٣) .......
  14. ومن مظان كشف هذا النوع من التدليس، كتاب " الموضح لأوهام الجمع والتفريق " للحافظ الناقد أبي بكر الخطيب البغدادي.

  15. واعلم أن تدليس الأسماء يصير إلى الجهالة بها، والجهالة سبب لرد الحديث أصلاً، فإذا لم تتبين حقيقة ذلك الراوي فهو مجهول، لكن تكمن الخطورة في إيهام هذا التدليس أن الراوي ثقة إذا التبس باسم أو كنية شيخ له من الثقات، لذا يوجب تيقظاً زائداً.

  16. وكذلك ينبغي الاعتناء بمعرفة أسماء من كان يفعل هذا من الشيوخ، فإنه يورد ريبة في كل شيخ لأحدهم غير معروف.

  17. [تحرير الفرق بين (التدليس) و (الإرسال الخفي) ]

  18. تقدم تعريف (تدليس الإسناد) عن أبي بكر الخطيب، وأنه شامل لما يرويه الراوي عمن لم يلقه ولم يسمع منه، وقد أدرك زمانه.

  19. وأشرت إلى أن هذه صورة (الإرسال الخفي) لا التدليس.

  20. وذكر ابن عبد البر عن طائفة تسميتها لرواية الرجل عمن لم يدركه تدليساً أيضاً، لكن تعقبه بقوله: " إن كان هذا تدليساً، فما أعلم أحداً من العلماء سلم منه، في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان " (٢) .

    قلت: وهذه الصورة إنما هي انقطاع ظاهر، وليست تدليساً، ولا إرسالاً خفيا.

    1. (٢)التمهيد (١/ ١٥).
  21. وتحرير القول في الإرسال الخفي، أنه: رواية الراوي عمن أدركه بصيغة العنعنة، وثبت أنه لم يسمع منه البتة، أو سمع منه شيئاً معيناً ولم يسمع منه غيره.

    ج ١ ص ٩٦٥
  22. وهذا يعود إلى أسباب:

    أولها: صغر الراوي، فلم يتهيأ له السماع من الشيخ البتة، أو سمع منه أو رأى شيئاً معيناً فبقي يذكره، فرواه.

  23. مثل جماعة من التابعين رأوا بعض الصحابة ولم يسمعوا منهم، كالأعمش، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، رأوا أنس بن مالك ولم يسمعوا منه.

  24. وممن سمع لهذه العلة حرفاً أو شيئاً يسيراً ولم يسمع غيره، ما رواه الحسن البصري عن عثمان أنه رآه يصنع أشياء، أو يأمر بأشياء فمن ذلك: قوله: رأيت عثمان يخطب وأنا ابن خمس عشرة سنة قائماً وقاعداً (١) .

    1. (١)أخرجه ابنُ سعد في " الطبقات " (٧/ ١٥٧) وإسناده حسن.
  25. وعنه: أنه رأى عثمان بن عفان يصب عليه من إبريق (٢) .

    1. (٢)أخرجه ابن سعد (٧/ ١٥٧) وإسناده صحيح .......
  26. وعنه قال: شهدت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام (٣) .

    1. (٣)أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم: ١٣٠١) وابنُ أبي الدنيا في " ذمِّ الملاهي " (رقم: ١٣٨) _ ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (٥/ ٢٤٥ رقم: ٦٥٣٦) _ وعبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (رقم: ٥٢١) والذهبي في " السير " (١٠/ ٣١٧) من طرق عن المبارك بن فَضالة، عن الحسن، به، وبيَّن مُبارك سماعه من الحسن، وإسناده صحيح. وتابعه عليه: يونس بن عبيدٍ عن الحسن أن عثمان، ولم يقل: شَهدت، أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣ رقم: ١٩٧٣٤) وإسناده صحيح. كما تابعه: يوسف بن عبدة قال: حدثنا الحسن، قال: كان عثمان لا يخطب جُمعة إلا أمرَ .. الأثر. أخرجه البخاري في " الأدب " (رقم: ١٣٠١) وإسناده حسن، يوسف صالح الحديث. كما ذكره الذهبي في " السير " (٤/ ٥٦٨) من طريق قتادة وشعيب بن الحبحاب عن الحسن، قال في رواية قتادة: سمعت عثمان، وفي رواية شُعيب: شَهدت عُثمان. فالخبر بهذه الطرق صحيح بلا ريبة عن الحسن عن عثمان. تنبيه: من غريب ما وقفت عليه من التحريف: أن البيهقي أخرج هذه الرواية في " السنن " (٢/ ٤١٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يونس، عن الحسن، أن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، كان يأمر بغسل الكلاب في الحمام. كذا وقعَ في المطبوعة، وفي هامشها تنبيه على الرواية الصحيحة عن أكثر من نسخة: (يأمر بقتل الكلاب والحمام)، لكن يبدو أن الناشر أبقى على هذه الرواية في أصل الكتاب من أجل الباب الذي أوردها البيهقي تحته، حيث قال: " باب نجاسة الأبوال والأرواث وما خرج من مخرج حي " مع ما ذكره تحته من الرواية فإنه لا يُناسبه إلا هذه الرواية المحرَّفة.
  27. وثانيها: أن يكونا تعاصرا لكن لا يثبت اللقاء من أجل اختلاف البلد، وعدم قيام الدليل على اجتماعهما في محل.

    ج ١ ص ٩٦٦
  28. ومن أمثلته:

    قال علي بن المديني: " الحسن لم يسمع من الضحاك (يعني ابن سفيان) ؛ فكان الضحاك يكون بالبوادي ولم يسمع منه " (١) .

    وقال الدارقطني: " لا يثبت سماع سعيد (يعني ابن المسيب) من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا " (٢) .

    قلت: فكأنه يقول: لأن أبا الدرداء سكن الشام وأقام بها، وسعيداً كان بالمدينة.

    1. (١)العلل، لابن المديني (ص: ٥٥)، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٤٢).
    2. (٢)العلل، للدارقطني (٦/ ٢٠٤).
  29. وفي معناه، ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: سئل أبي عن ابن سيرين: سمع من أبي الدرداء؟ قال: " قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة " (٣) .

    1. (٣)المراسيل (ص: ١٨٧).
  30. وعن أحمد بن حنبل، قال: " لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام، وزرارة بصريٌّ " (١) .

    قلت: وهذا من هذا القبيل، لكن صح عن زرارة قال: " حدثني تميم الداري " (٢) ، وهذا نص لا يقبل التأويل في عدم ثبوت السماع، بل فيه دليل على أن عدم اللقاء في رأي أحمد كان مبنيا على مجرد المظنة، فحيث ثبت سماعه منه فقد اندفعت بذلك تلك المظنة.

    1. (١)نقله ابن رجب في " شرح العلل " (١/ ٣٦٨).
    2. (٢)أخرج ذلك البُخاري في " التاريخ الكبير " (٢/ ١ / ٤٣٩) بإسناد صحيح إلى زُرارة .......
    ج ١ ص ٩٦٧
  31. ثالثها: أن يكون اللقاء ممكناً، ولكن الراوي عن ذلك الشيخ لا يذكر في شيء من حديثه عنه ما يدل على السماع، وثبت أنه أحياناً يروي عنه بعض حديثه بالوسائط.

  32. وهذا مثل سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حدث عنه بأحاديث، وعامة النقاد كأحمد بن حنبل والبخاري على أنه لم يسمع منه، وأن روايته عنه في مواضع جاءت بواسطة معدان بن أبي طلحة.

  33. نعم، قال أبو حاتم الرازي مرة: " لم يسمع من ثوبان شيئاً، يدخل بينهما معدان " ، وهو كقول أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وقال مرة: " لم يدرك ثوبان " (٣) ، واللفظ الأول في نفي السماع أولى، من أجل قوة مظنة الإدراك في الجملة، ولذا قال يعقوب بن سفيان: " لم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس " (٤) .

    1. (٣)المراسيل (ص: ٨٠).
    2. (٤)المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٣٦).
  34. واستُعمل هذا الطريق في التعليل نقاد الحديث، وهو من خفيه ومشكله، ويحتاج إلى فطنة وبحث، وتقدم في (النقد الخفي) .

  35. وأعل الدارقطني بمثله ما يرويه الحسن البصري عن أبي بكرة، من

    ج ١ ص ٩٦٨أجل أنه وجد أحاديث الحسن عن أبي بكرة تأتي تارة بواسطة الأحنف بن قيس، وبه أعل أربعة أحاديث في " صحيح البخاري " (١) .

    1. (١)قال في " التتبع " (ص: ٣٢٣): " أخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة، منها: الكسوف، ومنها: زادك الله حرْصاً ولا تَعد، ومنها: لا يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة، ومنها: ابني هذا سيد. والحسن لا يَروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة ". قلت: وهو مُتعقب بما وَقع عند البخاري في رواية حديث: " ابني هذا سيد "، فإن الحسن قال فيه: " ولقد سمعْت أبا بكرة "، كما أخرجه البخاري في (كتاب الصلح) (رقم: ٢٥٥٧) و (كتاب الفتن) (رقم: ٦٦٩٢)، ومُختصراً في (كتاب فضائل الصحابة) (رقم: ٣٥٣٦)، قال البخاري في الموضع الأول: قال لي عليُّ بن عبْد الله (يعني ابن المديني): " إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث "، ومعنى ذلك في " التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٥٦). وفسَّر أبو الوليد الباجي في " التعديل والتجريح " (٢/ ٤٨٦) (الحسن) قائل تلك العبارة: " سمعت أبا بكْرة " بأنه (الحسن بن علي) من أجل سياق القصة بذكْره، فجعل هذا الحديث من رواية الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبي بكرة، وهو قولٌ ظاهر الضعف، ومُخالفٌ للظاهر، ولم يروَ الحسن بن علي عن أبي بكرة. وأثبت سماع الحسن البصري من أبي بكرة بهْز بن أسد، فقال: " سمع من أبي بكْرة شيئا " (المراسيل، لابن أبي حاتم، ص: ٤٥).
  36. غير أن قوله مرجوح، لثبوت الرواية عن الحسن صريحة بسماعه من أبي بكرة، وثبوت السماع مرة يخرج روايته عن شمولها بمبحث (الإرسال الخفي) .

  37. والعلم بوقوع الإرسال الخفي حاصل إما بتنصيص النقاد كالذي ذكرت بعض مثاله عنهم، أو أن يتبين باستقراء وسبر طرق الحديث، وهي الطريق لتمييز علل الحديث.

  38. [تاريخ التدليس]

  39. وقوع التدليس قديم في الأسانيد، بدأ في عصر التابعين (٢) .

    ج ١ ص ٩٦٩قال يعقوب بن سفيان: " أبو إسحاق رجل من التابعين، وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث، هو والأعمش، إلا أنهما وسفيان يدلسون، والتدليس من قديم " (١) .

    1. (٢)أما ما حُكي عن شُعبة، أنه قال: " أبو هريرة كان يدلس ". فهذا بينت وهاءه سنداً، وقُبحه إطلاقاً في (المبحث السابق).
    2. (١)المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣٣).
  40. وهؤلاء الثلاثة من أئمة الأمة: أبو إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وسفيان بن سعيد الثوري، ومع ذلك كانوا يفعلونه، بل ربما سوغ صنيعهم ذلك أن يترخص فيه بعض من بعدهم.