المبحث الثالث: تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته

١٦٧ فقرة، ج ١ ص ٨٨

الصفحة ١ من ٥

  1. هذا الفصل يمثل (المرحلة الثانية) من البحث عن الراوي وتمييزه.

    ج ١ ص ٨٨
  2. وقد تقدم في (المبحث السابق) توضيح المفاتيح الأولى للوقوف على الراوي في كتب التراجم، وتكون تلك المفاتيح في الغالب قائدة إليه ودالة عليه، وفي أحيان كثيرة لا تسعفك في الوقوف على المراد مع الوضوح في العلامة، بسبب الاشتراك في الأسماء.

  3. وعلى أي الحالين فأنت محتاج إلى مراعاة ما سأبينه لك في هذا الفصل لسببين:

    أولهما: إذا وقفت على الاسم في كتب التراجم، فلا يصح الجزم بأنه هو المراد بمجرد اتباع تلك الخطوة من البحث حتى تنضم إليها قرائن أخرى يتحصل بها اليقين بأنه المقصود.

  4. وثانيهما: إذا وقفت عليه ضمن عدد كلهم يسمون بمثل اسمه ويشاركونه في تلك العلامة الظاهرة، فإنه يتعذر عليك معه أن تقول بمجرد اعتماد الاسم: هو فلان، وإنما تحتاج إلى وسيلة محددة للمقصود.

  5. والإبانة عن ذلك وتوضيحه في فرعين:

    الفرع الأول: تمييز الشيوخ والتلاميذ.

    ج ١ ص ٨٩
  6. الفرع الثاني: تمييز طبقات الرواة.

  7. وفهم هذين الأصلين مقدمة في غاية الأهمية لمرحلة البحث في اتصال الإسناد أو انقطاعه، أو لكشف إمكان سماع الراوي ممن فوقه في الإسناد أو عدمه، فإليك شرح ذلك:

    الفرع الأول تمييز الشيوخ والتلاميذ

    الشيخ: هو الراوي وقع حمل الخبر عنه في الإسناد.

  8. والتلميذ: هو الراوي الآخذ عن ذلك الشيخ في الإسناد.

  9. والأخذ للخبر حاصل بصيغة من صيغ التحمل، مثل: (حدثنا) و (سمعت) و (عن) و (قال) وشبهها.

  10. فقول البخاري مثلاً: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد) ، ابن المثنى شيخ للبخاري، وتلميذ ليحيى بن سعيد.

  11. والعبرة ههنا في ذكر (الشيخ) و (التلميذ) بناء على مجرد وقوع الرواية على تلك الصفة ولو مرة، وليس لها ارتباط بصغر التلميذ وكبر الشيخ، ولا بكثرة ما وقع للتلميذ من الرواية عن الشيخ أو قلة ذلك.

  12. وهذا يقتضي منك أن تنتبه إلى صور واقعة في الأسانيد تأتي على غير المعتاد، مما قد يثير عندك ريبة في صواب الإسناد، أهمها:

    ١ _ رواية الآباء عن الأبناء.

  13. وقوع رواية الأبناء عن الآباء جار على الجادة لا يحتاج إلى تنبيه

    ج ١ ص ٩٠خاص، لكن مجيء الصورة معكوسة مما يجدر أن يلاحظ، نعم؛ ليس له أمثلة كثيرة، إلا أن ملاحظته من دقائق الفن.

  14. مثاله:
  15. قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، وغياث بن جعفر الرحبي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا وائل بن داود، عن ابنه، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر (١) .

    1. (١)سنن ابن ماجة (رقم: ١٩٠٩).
  16. فمثل هذا قد يحسبه المبتدئ تحرف عن (ابنه) من (عن أبيه) ، وإنما هو بكر بن وائل بن داود.

  17. ٢ _ رواية الأكابر عن الأصاغر.

  18. المراد هنا من كان متقدماً في السن أو الشيوخ يروي عمن تأخر في السن أو الشيوخ ممن يكون في طبقة تلاميذه، وهي كسابقتها لا تجد كثرة وقوعها، لكنها ربما أوردت الريبة إذا وقعت.

  19. مثالها:
  20. قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالوا: أنبأنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول أخبرني مالك بن أنس، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي أخبراه، أن أباهما محمد بن علي أخبرهما، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء.

    قال ابن المثنى: يوم حنين، وقال: هكذا حدثنا عبد الوهاب من كتابه (٢) .

    1. (٢)سنن النسائي (رقم: ٣٣٦٧).
  21. فـ (يحيى بن سعيد) في الإسناد أول ما يتبادر إلى الذهن في الرواة عن مالك هو القطان، فإنه كان من تلامذته، ولو قال قائل: هو الأنصاري، فهذا لا يتصور في العادة، فإن الأنصاري تابعي ومن مشاهير شيوخ مالك وأعيانهم، ومالك من أتباع التابعين، كذلك عبد الوهاب الراوي عن يحيى هو ابن عبد المجيد الثقفي من أقران مالك.

    ج ١ ص ٩١
  22. لكن هكذا نزل الأنصاري في هذا الإسناد ليروي عن تلميذه مالك، وجاءت رواية الترمذي لهذا الحديث مصرحة بأنه (الأنصاري) (١) .

    1. (١)الجامع، للترمذي (رقم: ١٧٩٥).
  23. ومن ذلك: رواية صالح بن كيسان عن الزهري. صالحٌ أكبر من الزهري، وقد رأى صالح ابن عمر " (٢) .

    1. (٢)العلل، لأحمد بن حنبل (النص: ٣٦٠).
  24. ورواية إسماعيل بن أبي خالد عن فراس بن يحيى.

    قال أحمد بن حنبل: " فراس ثقة، روى عنه إسماعيل، وإسماعيل أكبر منه سناً " (٣) .

    1. (٣)سؤالات أبي داود للإمام أحمد (النص: ٣٦٠).
  25. [٣ _ رواية الأقران]

  26. القرين من الرواة: من يجتمع مع الراوي الآخر في الطبقة أو الشيوخ والتلاميذ.

  27. وهذه حاصلة بكثرة في الرواة، كرواية سفيان الثوري عن شعبة بن الحجاج، ورواية شعبة عن الثوري.

    قال النسائي: أخبرنا أحمد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد،

    ج ١ ص ٩٢قال: حدثنا سفيان، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قطع أبو بكر رضي الله عنه في مجن قيمته خمسة دراهم (١) .

    1. (١)السنن، للنسائي (رقم: ٤٩١٢). والمِجَنُّ: الترس وشبهه.
  28. فسفيان هذا هو الثوري، روى عن قرينه شعبة، ولو سألت: كيف تميز لك سفيان هنا بكونه الثوري؟ قلت: عن طريق تلميذه عبد الله بن الوليد، فهو معروف به، وحديثه , وأخذه عنه مشهور، بل هو راوي " الجامع " للثوري.

    قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا شعبة، أخبرني سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا آكل متكئاً " (٢) .

    1. (٢)المعجم الكبير، للطبراني (٢٢/ ١٣١ رقم: ٣٤٤). وأخرجه الطحاوي في " شرح مُشكل الآثار " (٥/ ٣٣٥ _ ٣٣٦ رقم: ٢٠٨٧) من طريق أخرى عن يعقوب الحضرمي، وفيه زيادة لطيفة: فقال رجل لشُعبة: من حدثك؟ فقال: " أمير المؤمنين في الحديث سُفيان بن سعيد بن مسروق " , وإسناده صحيح.
  29. وهذه رواية شعبة عن قرينه سفيان.

  30. هذه الصورة من رواية الأقران إذا روى القرينان أحدهما عن الآخر يسمونها (المدبج) ، وتجد كذلك رواية القرين عن قرينه دون رواية الآخر عنه، ووقوعه أولى، لكن (المدبج) ألطف الصورتين.

  31. [٤ _ رواية السابق واللاحق]

  32. الراوي يحدث عنه رجل من القدماء، ثم يعيش ذلك الراوي بعد ذلك الرجل زماناً إلى أن يدركه بعض أصاغر الرواة فيحدثون عنه.

  33. وفائدة معرفة هذه الصورة دفع ظن الغلط في تلاميذ الراوي، فإنك

    ج ١ ص ٩٣ربما تسأل: كيف اتفق فلان وفلان في الرواية عن ذلك الشيخ، وبين وفاتيهما زمان بعيد؟

  34. مثاله:
  35. قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد يعني الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم (١) .

    قال ابن حبان: " ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وخالد تلميذه " (٢) .

    1. (١)السنن، لأبي داود (رقم: ١٠٣٩). وأشعث هو ابن عبد الملك الحمراني، ثقة، والإسناد صحيح، وفي قوله " ثم تشهَّد " كلام ليسَ هذا محله.
    2. (٢)الإحسان في تقريب صحيح ابن حِبان (٦/ ٣٩٣) عقب الحديث المذكور (رقم: ٢٦٧٠).
  36. ومحمد بن سيرين مات سنة (١١٠) ، وبقي بعده شيخه في هذا الحديث خالد الحذاء إلى أن مات سنة (١٤١) ، فكان ممن أدركه وحدث عنه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ومات سنة (٢٠٤) .

    قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن المسلم إذا عاد أخاه لم في خرفة الجنة حتى يرجع " (٣) .

    1. (٣)المسند (٥/ ٢٨٣). والخُرفة في الأصل: حيث يُجتنى الثمر، كبستان النخيل.
  37. فهذان روايان اتفقا في التحديث عن خالد الحذاء، وبين وفاتيهما (٩٤) سنة.

  38. وهذا باب صنف فيه الحافظ الخطيب كتاباً سماه " السابق واللاحق " في

    ج ١ ص ٩٤كثير منه نظر من جهة ذكر بعض الكذابين الذين ادعوا السماع ممن لم يدركوهم من الشيوخ.

  39. والمقصود هنا أن تتفطن لورود مثل هذه الصورة ولا تستبعد وقوع مثل هذا الفارق في الزمن بين تلميذين لراو معين، أحدهما في واقع الأمر أعلى من طبقة الآخر بطبقتين، والجميع من الثقات والأسانيد إليهم صحيحة.

  40. ما هو المرجع لمعرفة شيوخ الراوي وتلاميذه؟