المبحث الثالث: تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته
١٦٧ فقرة، ج ١ ص ٨٨
الصفحة ٢ من ٥
- ج ١ ص ٩٤
الطريق للوقوف على ذكر أسماء شيوخ الراوي أو تلاميذه هو الرجوع إلى الكتب الجوامع في تراجم الرجال كمراجعك للمرحلة الأولى من البحث.
-
ومن أكثرها عناية بذلك " تهذيب الكمال " للمزي، فإنه يجتهد أن يستوعب شيوخ الراوي وتلاميذه، ممن وقعت له رواية من أولئك الشيوخ والتلاميذ عند الأئمة الستة أو غيرهم، إلا أن يكون الراوي روى عن الكثير جداً من الشيوخ مثل: (أحمد بن حنبل) ، أو روى عنه الكثير من التلاميذ كـ (أبي هريرة) فلا يأتي على استيعابهم.
-
فهو في التحقيق أنفعُ مرجع وأوثقه للتحقق من وقوع رواية المترجم عن شيخ ما، أو رواية عنه من تلميذ ما.
-
ومثل هذا البحث لا يفيدك فيه مجرد الرجوع إلى المختصرات في رواة الحديث، مثل كتاب " تقريب التهذيب " لابن حجر.
-
إذا كان إسنادك الذي تبحث عن رواته مخرجاً في الكتب الستة أو بعض مصنفات الأئمة الستة الأخرى التي جعلها المزي من شرطه في كتابه، كـ " السنن الكبرى " للنسائي، و " الأدب المفرد " للبخاري، و " الشمائل " للترمذي، وغيرها مما ذكره في مقدمة " التهذيب " ، فهذا الإسناد ستجد في ترجمة كل راوٍ من رواته ذكر جميع شيوخه في نفس تلك الكتب، وجميع
ج ١ ص ٩٥تلاميذه فيها كذلك، فيفسر لك المزي اسم الشيخ أو التلميذ بما يزيل الشبهة عنه.
-
وقد رتب ذلك ترتيباً علمياً، فبدأ في كل ترجمة بذكر الشيوخ، فإذا ذكر التلاميذ، مرتبين على حروف المعجم: الأسماء، فالكنى، فالنساء.
-
ويرمز بعد اسم الشيخ أو التلميذ برمز من روى له من الأئمة الستة.
-
نعم؛ أنبهك إلى انضباط تلك الرموز غالباً لا دائماً.
-
ويزيد في أسماء الشيوخ والتلاميذ ما وقف عليه خارج الكتب التي على شرطه كذلك.
-
وهذا مثال بترجمة منه:
(محمد بن أبي حفصة، واسمه ميسرة، أبو سلمة البصري.
-
روى عن: علي بن زيد بن جُدعان، وعمرو بن دينار، وقتادة بن دعامة، ومحمد بن زياد الجمحي ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (خ م مد س)، وأبي جمرة الضبعيِّ.
-
روى عنه: إبراهيم بن طهمان (س) ، وإسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، وحمَّاد بن زيد (مد) ، ورَوْحُ بن عبادة (م) ، وسعدان بن يحيى اللَّخمي (خ) ، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك (خ م) ، ومعاذُ بن معاذٍ، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو إسماعيل المؤدبُ، وأبو معاوية الضرير) ... (١) .
- (١)تهذيب الكمال (٢٥/ ٨٥ _ ٨٦).
-
تلاحظ كيف جاءت الأسماء مرتبة، ولا يكاد منها اسم إلا ويقع مثله في الأسانيد بعلامة لا تنبىء عن أمره بوضوح، فيأتيك في الأسانيد: ابن جدعان، وعمرو، وقتادة، وابن شهاب، أو الزهري، وأبو جمرة، وهكذا
ج ١ ص ٩٦في التلاميذ، فلو أنك نظرت في الإسناد فلم تجد فيه اسماً أيسر للوقوف عليه من (محمد بن أبي حفصة) وعدت إلى ترجمته هذه لكفتك كثيراً من الجهد للتعرف على شيخه وتلميذه.
-
ومن فائدة معرفة الشيوخ والتلاميذ كشف ما يقع من الغلط والتصحيف في أسماء الرواة، فعندك ههنا في شيوخ (ابن أبي حفصة) : (أبو جمرة الضبعيُّ) ، ويأتي في بعض الأسانيد غير منسوب، ويتصحف إلى (أبي حمزة) بالحاء المهملة أوله والزاي، فيشتبه مع بعض من هو في طبقته ممن يكنى بهذا ويأتي مهملاً من النسبة، فحين ترى في شيوخ الراوي: (روى عن أبي جمرة الضبعي) فإنه لا يبقى مجال للشك مع هذا التمييز.
-
ورأيت في الترجمة الرمز واقعاً بعد أسماء بعض الشيوخ والتلاميذ، لا بعد جميعها، فأما الشيوخ فلم يقع في الكتب الستة وما يتبعها على شرط " تهذيب الكمال " لابن أبي حفصة عنهم رواية إلا عن الزهري فقط، فله سبعة مواضع في الكتب المشار إليها، موضعان عند البخاري في " صحيحه " (خ) أحدهما من رواية عبد الله بن المبارك، والثاني من رواية سعدان بن يحيى عن ابن أبي حفصة، وعند مسلم في " صحيحه " (م) ثلاثة مواضع أحدهما من رواية ابن المبارك واثنان من رواية رَوْح بن عبادة عن ابن أبي حفصة، ومواضع عند أبي داود السجستاني في كتاب " المراسيل " (مد) من رواية حماد بن زيد عن ابن أبي حفصة (١) ، ومواضع عند النسائي في " السنن الكبرى " (س)
- (١)المراسيل (رقم: ١٢٣).
-
من رواية إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي حفصة (٢) ، وهو كل ماله عندهم من الأسانيد.
- (٢)السنن الكبرى (رقم: ٥٧٨٧) ووقع فيه نسبة (ابن أبي حفصة) إلى اسم أبيه (محمد بن ميسرة).
-
وجميع من بقي من شيوخه وتلاميذه تجد الرواية عنهم في غير الكتب
ج ١ ص ٩٧الستة وتوابعها من كتب الأئمة الستة، لكن استحضر أن الأمر في مثلهم أن المزي لم يقصد استيعابهم كما قصد إلى استيعاب رواة ما كان من الكتب على شرطه.
-
ولا تجد كـ " تهذيب الكمال " كتاباً ينفعك في هذا، إلا ما صار إليه الناس اليوم من جمع المعلومات في أجهزة الحاسب الآلي، وعمل الدراسات في تمييز الرواة، فإنهم إذا أتقنوها وأحسنوها فقد كفوا هما عظيماً.
-
ويبقى تمييز الشيوخ والتلاميذ للراوي الذي لم يترجم في " تهذيب الكمال " عن طريق الجوامع التي ألفت في تراجم الرواة، والتي أهمها كما تقدم في (مرحلة البحث الأولى) : " تاريخ " البخاري و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، ومن جرى على الترجمة على طريقتهما من الكتب اللاحقة، ككتب الثقات والضعفاء، أو كتب تراجم لمؤلفات مخصوصة كـ " تعجيل المنفعة " لابن حجر، أو غير ذلك مما قدمت لك ذكره أو وصفه في (المبحث السابق) .
-
[الفرع الثاني تميز طبقات الرواة]
-
مصطلح (الطبقة) كثيراً ما يتردد في استعمال أهل الحديث، وربما رأيته في لسان أهل التاريخ، لكنه بالفريق الأول ألصق.
-
ومعنى الطبقة: الرواة المطابقون لبعضهم في الزمن حياتاً وموتاً، والمعتبر في المطابقة التقارب في أعمارهم ووفياتهم.
-
فيقال: " (أيوب السختياني) و (هشام بن عروة) طبقة واحدة، ذلك أن زمانهما واحد، ومن أدركاه من الشيوخ قد تقاربا فيه، ووفاتهما متقاربة كذلك.
- والتقارب اصطلاحي لا يعود إلى ضابط:
-
فعند بعض العلماء: جميع الصحابة طبقة، وجميع التابعين طبقة، وجميع أتباع التابعين طبقة، وهذا روعي فيه الفضل والمنزلة.
-
وعند بعضهم: الصحابة طبقات، والتابعون فمن بعدهم طبقات، وهذا روعي فيه القدم والسابقة والإدراك.
-
وبعضهم: كل عشر سنين طبقة، وهذا أشبه بأن يكون لتيسير الحفظ والمعرفة، وهكذا.
-
والذي تتصل به فائدة في هذا العلم من هذا المبحث هو ما ينبني عليه تمييز المشترك من أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم وألقابهم، ومعرفة إدراكهم بمن رووا عنه من عدمه.
-
وهذا يتحقق بتمييز الطرفين:
[الطرف الأول: تمييز مواليد الرواة]
-
اتصال الإسناد شرط لقبول الحديث، وتواريخ مواليد الرواة مقاييس لتصور إمكان اللقاء بين راويين وسماع أحدهما من الآخر، وبها يتم ابتداء حساب طبقته.
- وخذ له مثلاً:
-
هذا فقيه التابعين سعيد بن المسيب، قال عن نفسه بأصح إسناد: " ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر " (١) .
- (١)أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (٥/ ١١٩ _ ١٢٠) بإسناد صحيح. ورُوي غيرُ ذلك، ولا يصح منه شيء.
-
فهذا النص يعني أنه أدرك من حياة عمر رضي الله عنه ثمان سنين،
ج ١ ص ٩٩وكان بالمدينة، ومن كان بهذا السن جاز جداً أن يسمع من عمر ومن قاربه في موته ومن تلاه، لكن حديثه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه منقطع جزماً، فقد مات قبل أن يولد.
-
ولكن لصغر سعيد يوم استشهد عمر، مع كثرة ما حدث عنه مما لا يحتمل سنه أن يكون سمعه من عمر؛ اختلف نقاد المحدثين في سماعه منه:
فكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: " هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل،؟ " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٦١).
-
وخالفه غيره.
فقال عباس الدوري: سمعت يحيى _ يعني ابن معين _ يقول: " سَعيد بن المسيب قد رأى عمرَ وكان صغيراً " قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر؟ فقال يحيى: " ابن ثمان سنين يحفظ شيئاً؟ " (٢) .
- (٢)التاريخ، ليحيى بن معين، رواية الدوري (النص: ٨٥٨).
-
وعبد الله بن وهب المصري الحافظ قبله قال: سمعت مالكاً - يعني ابن أنس - وسئل عن سعيد بن المسيب: هل أدرك عمر؟ قال: " لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكبَّ على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه " (٣) .
- (٣)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (١/ ٤٦٨) بإسناد صحيح.
-
فنفى مالك الإدراك مع إثباته ولادته في زمان عمر، وإنما يراد اصطلاحاً بالإدراك إدراك الزمان، لكن يشبه أن يكون مراد مالك إدراك السماع لصغر سنه.
- ج ١ ص ١٠٠
فلاحظ! كم تقرر هذه القضية من أمر يعتمد عليه ثبوت الإسناد أو عدمه، كما تلاحظ من خلالها تحديد طبقة سعيد بن المسيب، فهو تابعي كبير، أما تابعيته فلإدراكه الصحابة، وأما كبره فلقدمه في الإدراك، فإن مولده كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو خمس سنين.
-
واعلم أن تحديد مواليد الرواة لم يعتن به الناس كما اعتنوا بحفظ وفيات الشيوخ، خصوصاً في الطبقات الأولى، ولذلك يقل في الرواة من تذكر سنة ولادته، وربما كان السبيل إلى تحديد مولده البحث في طريق أخرى تفيده ولو على وجه التقريب، ومما يستعمل في ذلك طرق، منها:
١ - أن يحفظ تحديد عمر الراوي مع سنة وفاته، فيطرح عمره من تاريخ وفاته، فيخلص إلى مولده.
- مثاله: