المبحث الخامس: الحديث المدرج

٣٥ فقرة، ج ١ ص ١٠١١

  1. المدرج قسمان (١) ، ببيانهما يتضح معناه الاصطلاحي:

    [القسم الأول: مدرج الإسناد]

    1. (١)تقدم ذكْر ما يقع الإدراج فيه من روايات الثقات في مباحث (النقد الخفي).
    ج ١ ص ١٠١١
  2. وهو أربع صور:
  3. الصورة الأولى: أن يقع الحديث للراوي عن جماعة يحمله عنهم فيجمع الكل بإسناد واحد، ولا يبين الاختلاف.

  4. وصورته: أن يروي الثقة الحديث عن رجلين، يجمع بينهما، رواية أحدهما مرسلة، ورواية الآخر متصلة، فيسوقه متصلاً، ومثل هذا الصنيع قيل: فعله سفيان بن عيينة مع حفظه، كما ذكره بعض الحفاظ (٢) ، ولم أقف له على مثال صالح من فعل سفيان، أو من فعل غيره من الثقات المتقنين.

    1. (٢)نقله ابن رجب في " شرح العلل " (٢/ ٧٦٥) عن يعقوب بن شيبة.
  5. وكذلك سأل أيوب بن إسحاق بن سافري أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق) ، قال: يا أبا عبد الله، ابن إسحاق إذا تفرد بحديث

    ج ١ ص ١٠١٢تقبله؟ قال: " لا، والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا " (١) .

    قلت: فأحمد لينه لهذا الصنيع.

    1. (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١/ ٢٣٠) بإسناد لا بأس به، وابن سافري صدوق.
  6. وكذلك كان من أسباب الطعن على (محمد بن عمر الواقدي) ، حيث قال أحمد بن حنبل: " كنا نرى أن عنده كتباً من كتب الزهري أو كتب ابن أخي الزهري، فكان يحيل، وربما يجمع، يقول: فلان وفلان عن الزهري إخال حديث نبهان عن معمر. والحديث لم يروه معمر أيضاً، هو حديث يونس، حدثناه عبد الرزاق عن ابن المبارك عن يونس، كان يحيل الحديث ليس هذا من حديث معمر " (٢) .

    1. (٢)العلل (النص: ٥١٣٩) .......
  7. الصورة الثانية: أن يكون المتن عند راو بإسناد، إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو عنه تاما بالإسناد الأول.

  8. ومن هذا ما رأيته وقع من بعض أهل الحديث، يجد خبراً ساقه محمد بن إسحاق في السير والمغازي، ذكر طرفاً منه مسنداً، ثم أدرج فيه شيئاً في ذلك الخبر ليس مما وقع له بنفس ذلك الإسناد، فيخرجه الراوي من طريق ابن إسحاق بالإدراج كالجزء من ذلك الحديث المسند، بل ربما فصل المدرج عن سياق الخبر المسند مركباً له على إسناده (٣) .

    1. (٣)كما يصلح له مثالاً الحديث الذي تعلق به طائفة من الفقهاء في مسألة مترتبةٍ على إسلام المرأة قبل زوجها، وهو ما جاء في قصة زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها مع زوجها أبي العاص بن الربيع فقال: " أي بُنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنَّ إليك، فإنك لا تحلين له "، وسياقه وعلته في كتابي " إسلام أحد الزوجين ومدى تأثيره على عقد النكاح ". ومن مثاله أيضاً ما وقعَ لسعيد بن أبي مرْيم في روايته لحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تَباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تَدابروا .. " الحديث، فأدرج فيه: " ولا تنافسوا "، وكان قد رواه كذلك بالإدراج عن مالك، وأخطأ فيه، دخلت عليه هذه اللفظة من حديث أبي هريرة، انظر بيانه في تعليقي على كتاب " المقنع في علوم الحديث " لابن الملقن (١/ ٢٣٠ _ ٢٣١).
  9. الصورة الثالثة: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان كل منهما بإسناد يخصه، فيرويهما راو عنه بأحد الإسنادين، أي يدخل متن أحدهما على إسناد الآخر.

    ج ١ ص ١٠١٣
  10. وهذه من صور دخول حديث في حديث، وشرحت مثالها في (النقد الخفي) ، وهي غير الصور المتقدمة في (القلب) .

  11. الصورة الرابعة: أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلاماً من قبل نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن الحديث فيرويه بذلك الإسناد.

  12. ومثال هذا ما وقع لثابت بن موسى الزاهد، قال ابن حبان: " روى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "، وهذا قول شريك، قاله في عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد) ، فأدرج ثابت بن موسى في الخبر، وجعل قول شريك كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سرق هذا من ثابت بن موسى جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك " (١) .

    قلت: وهذا ضعف بين وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث.

    1. (١)المجروحين (١/ ٢٠٧)، وانظر: الإرشاد، للخليلي (١/ ١٧١)، انظر كذلك قصة ثابت هذا في " المدخل إلى الإكليل " للحاكم (ص: ٦٣) .......
  13. قال أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن بن كامل (وكان ثقة) : قلت لمحمد بن عبد الله بن نمير: ما تقول في ثابت بن موسى؟ قال: " شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة " ، قلت: ما تقول في حديث جابر: " من كثر صلاته بالليل؟ " فقال: " غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه " (٢) .

    1. (٢)أخرجه الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٦٣) بإسناد صحيح.
  14. [القسم الثاني: مدرج المتن]

    قال الذهبي: " هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنه من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة لا تفصل هذا من هذا " (١) .

    1. (١)الموقظة (ص: ٥٣ _ ٥٤).
    ج ١ ص ١٠١٤
  15. [طريق معرفة الإدراج]

  16. يعرف الإدراج في المتن بأمور:
  17. أولها: وجود قرينة في السياق تدل على أن الجملة مدرجة، كاستحالة إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  18. مثل ما وقع في رواية البخاري (٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للعبد المملوك الصالح أجران. والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك " .

    1. (٢)في " صحيحه " (رقم: ٢٤١٠).
  19. فقوله: " والذي نفسي بيده " إلى آخره، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بقرينة قوله: " وبر أمي " ، فإن أمَّه صلى الله عليه وسلم ماتت عنه وهو صغير.

  20. وهذه الصورة من الإدراج متميزة دون حاجة إلى دليل خارجي، مع أن مسلماً حين أخرج الحديث (٣) قال في روايته: " والذي نفس أبي هريرة بيده. . " فذكره.

    1. (٣)في " صحيحه " (رقم: ١٦٦٥).
  21. وثانيها: تصريح الصحابي راوي الحديث بأن تلك الجملة من كلامه.

  22. وذلك كحديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار " ، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة (٤) .

    ج ١ ص ١٠١٥قلت: وهذا الإدراج لا يخفى.

    1. (٤)أخرجه البخاري (رقم: ١١٨١، ٤٢٢٧، ٦٣٠٥) .......
  23. وثالثها: تصريح بعض رواة الحديث بفصلها عن أصل الحديث.

  24. ومثاله ما وقع من بعض الرواة لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة " .

  25. فأدرج فيه بعضهم سياق الأسماء، كما أخرجه الترمذي (١) وغيره، من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعاً، زاد بعد قوله صلى الله عليه وسلم: " دخل الجنة " : " هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك. . " إلى آخرها، لم تفصل فيه هذه الزيادة عن الحديث، مما ظنه بعض الناس في جملة الحديث.

    1. (١)في " جامعه " (رقم: ٣٥٠٧)، وقال: " غريب "، وقال: " لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذِكر الأسماء إلا في هذا الحديث ".
  26. وهو عند البخاري (٢) وغيره، عن أبي اليمان عن شعيب، دون ذكرها، وكذلك رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، دونها (٣) ، ومن غير وجه عن أبي هريرة بدونها أيضاً.

    1. (٢)في " الصحيح " (رقم: ٢٥٨٥، ٦٩٥٧).
    2. (٣)مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٦٠٤٧) ومسلم (رقم: ٢٦٧٧).
  27. ولك أن تقول: زادها ثقة، والزيادة وغير المخالفة من الثقة مقبولة.

  28. ونقول: نعم، على التحقيق، هي كذلك، لو كان بعض الرواة لم يذكرها وبعضهم ذكرها، وليس في مجرد ذلك دليل على الإدراج، ولكنا وجدنا ما بين أنها مدرجة:

    فأخرج الحديث عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد آخر للوليد بن مسلم،

    ج ١ ص ١٠١٦قال عثمان: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لله تسعة وتسعين (١) اسماً، من أحصاها كلها دخل الجنة ".

    1. (١)كذا، والجادة: (وتسمعون).
  29. زاد بعده: قال هشام (يعني ابن عمار) : وحدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو، فساق الأسماء (٢) .

    1. (٢)انظر: النقض على المريسي، لعُثمان الدارمي (١/ ١٨٠ _ ١٨٣) .......
  30. فدل هذا على أن الوليد كان يحدث بالحديث المرفوع بإسنادين، وكان يدرج فيه الأسماء مما أخذه عن سعيد بن عبد العزيز قوله.

  31. لكن يجب أن تعلم أن كشف مثل هذه العلة ليس مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث.

    قال الذهبي: " هذا طريق ظني، فإن ضعف توقفنا، أو رجحنا أنها من المتن " (٣) .

    1. (٣)الموقظة (ص: ٥٤).
  32. واعلم أن الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري كان ممن عرف بالإدراج في المتون، يدرج اللفظ يفسر فيه اللفظ، ونحو ذلك، وليس بالكثير في حديثه.

  33. والتأصيل في الجملة: أنه لا يصح ادعاء الإدراج في إسناد أو متن إلا إذا قام برهان بين على وجوده، وإذا ثبت فإن كان من مدرج المتن حكم لذلك القدر المدرج بكونه ليس من الخبر، ولا يقدح هذا في سائر الخبر ويكون ذلك القدر من الجملة الحديث الضعيف رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  34. وإن كان من مدرج الإسناد فإنه قد يستدل به على لين الرواي أو ضعفه، وإن كان من الثقات المتقنين فبيان إدراجه فيها مزيل لأثر محذورها، ولا يقدح صنيع ذلك فيه، إنما يقدح فيما نتج عن إدراجه من أثر، وحديثه دون الإدراج صحيح.

    ج ١ ص ١٠١٧
  35. وللحافظ أبي بكر الخطيب كتاب " الفصل للوصل المدرج في النقل " ، وهو كتاب ثري نافع في بابه.