المبحث السادس: الحديث الشاذ

٥١ فقرة، ج ١ ص ١٠١٨

الصفحة ١ من ٢

  1. الشذوذ هو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه، وقعت المخالفة في المتن أو السند.

    ج ١ ص ١٠١٨
  2. والأقوى منه قد يكون ثقة آخر، وقد يكون عدداً حاصلاً بمجموعهم رجحان إتقانهم على إتقانه.

  3. كما أنه إذا وقع فقد يكون في سند أو بعض سند، ومتن أو بعض متن.

  4. وقد عرفه الشافعي بقوله: " ليس الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثاً، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم " (١) .

    1. (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي ومناقبه " (ص: ٢٣٣) بإسناد صحيح , ونحوه (ص: ٢٣٤).
  5. وعرفه الحاكم بقوله: " حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة " (٢) .

    1. (٢)معرفة علوم الحديث (ص: ١١٩)، وفي سؤالات مسعود السجزي له (النص: ١٥٠) قال: " بهْز بن حكيم بن معاوية بن حيْدة القشيري من ثقات البصريين ممن يُجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذةٌ لا مُتابع لها في الصحيح ". قلت: بل لم يُخرجاها لأنها دون شرطهما في القوة، وإلا فهي جيدة قوية .......
  6. ثم استدل بتعريف الشافعي للشاذ، وبين التعريفين مفارقة، وهي أن الشافعي اشترط لصحة الوصف بالشذوذ المخالفة من قبل الثقة، واقتصر الحاكم على مجرد تفرد الثقة بما لم يأت عن غيره.

    ج ١ ص ١٠١٩
  7. والتحقيق أن تعريف الشافعي يبطل تعريف الحاكم الذي استشهد به، فإنه نفى أن يكون الشذوذ تفرد الثقة، والحاكم يجعله تفرد الثقة، وأكده بالمثال الذي مثل به، وهو حديث معاذ بن جبل في جمع الصلاتين في غزوة تبوك، وهو حديث لم تأت في إسناده ولا في متنه مخالفة من ثقة، ولكنه حديث فرد.

  8. والحاكم حكم عليه بالشذوذ، بل زعم أن الحديث موضوع، مع أنه قال: " لا نعرف له علة نعلله بها " (١) .

    1. (١)معرفة علوم الحديث (ص: ١٢٠).
  9. والتحقيق: أن تفرد الثقة بحديث من غير مخالفة لا يعد من الشذوذ، بل وقوع المخالفة شرط في الشذوذ، أو ما ينزل منزلة المخالفة، كزيادة الثقة المتوسط الرفع أو الوصل وليس محله في الإتقان محل من تسلم زيادته على من لم يأت بها، هذه هي القاعدة (٢) .

    1. (٢)انظر الكلام حول التفرد في (النقد الخفي).
  10. مثال الشذوذ في الإسناد:
  11. حديث حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (٣) .

    1. (٣)أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦) وأحمد (٦/ ١٤٤) والدارمي (رقم ٢١٢٧) وأبو داود (رقم: ٢١٣٤) والترمذي في " الجامع " (رقم: ١١٤٠) و " العلل " (١/ ٤٤٨) والنسائي (رقم: ٣٩٤٣) وابن ماجة (رقم: ١٩٧١) وابن أبي حاتم في " العلل " (رقم: ١٢٧٩) والطحاوي في " شرح المشْكل " (رقم: ٢٣٢، ٢٣٣) وابن حبان (رقم: ٤٢٠٥) والحاكم (٢/ ١٨٧ رقم: ٢٧٦١) والبيهقي في " الكبرى " (٧/ ٢٩٨) والخطيب في " الموضع لأوهام الجمع والتفريق " (٢/ ١٠٧) من طرق عن حماد بن سلمة، بإسناده به.
  12. حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث.

    قال أبو زرعة الراوي: " لا أعلم أحداً تابع حماداً على هذا " (١) .

    قلت: خالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث (٢) .

    1. (١)علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٢٧٩).
    2. (٢)أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (٥/ ٣١٥) من طريق حماد بن زيد. وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦) وابنُ سعد في " الطبقات " (٨/ ١٦٨) عن ابنِ عُلية. وابن جرير أيضاً (٥/ ٣١٤) من طريق ابنِ عُلية وعبد الوهاب. وكان قد أخرجه عن عبد الوهاب بواسطة مُحمد بن بشار عنه، بالرواية المرسلة، وأخرجه (٥/ ٣١٥) عن سُفيان بن وكيع، عن عبد الوهاب، بمثل رواية حماد بن سلمة موصولة، لكن هذه رواية ضعيفة، ابنُ وكيع ضعيف، وخالف ابن بشار الثقة الحافظ عن عبد الوهاب .......
    ج ١ ص ١٠٢٠
  13. وهذه رواية مرسلة، وحماد بن زيد وابن علية وعبد الوهاب كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟.

  14. فلذا حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة.

  15. فرجح أبو زرعة الرازي الإرسال.

  16. وقال الترمذي بعد ذكر مخالفة حماد بن زيد وغير واحد لابن سلمة: " وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة " ، وكان في " العلل " سأل البخاري عنه؟ فأشار إلى تعليله بإرسال حماد بن زيد له.

  17. وكذلك أعقبه النسائي بذكر إرسال ابن زيد له، مشيراً إلى علته.

  18. وحاصله: أن رواية الجماعة (محفوظة) ورواية ابن سلمة (شاذة) .

    ج ١ ص ١٠٢١
  19. وهذا مثال للشذوذ مع أن وجه المخالفة فيه ليس على معنى المعارضة للرواية الأخرى، وإنما جاء من جهة أن حماد بن سلمة ليس في الإتقان في درجة من يستقل عن الجماعة بزيادة، لما له من الأوهام مع ثقته.

  20. مثال الشذوذ في المتن:
  21. ما رواه همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه " .

    قال فيه أبو داود: " هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ورق، ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام " (١) .

    قلت: أراد أبو داود بالمنكر الشاذ؛ لأن مخالفة الثقة شذوذ لا نكارة، وهمام ثقة، لكن هذا معنى اصطلاحي واسع، وإنما ذكرت هذا الحديث مثالاً للتنبيه أيضاً على إطلاقهم النكارة على الشذوذ، بجامع الوهم والخطأ في كلٍّ.

    1. (١)سنن أبي داود (رقم: ١٩).
  22. وما ذكره من تفرد همام به بهذا اللفظ صحيح بالنظر إلى وروده من طريق ثقة، وإلا فقد جاء من وجه آخر ضعيف لا يعتبر به.

  23. وقد قال النسائي: " هذا الحديث غير محفوظ " (٢) ، وهذه العبارة ألصق بالاصطلاح من عبارة أبي داود.

    1. (٢)السنن الكبرى (رقم: ٩٥٤٢).
  24. والحديث شاذ لمخالفة سياق متنه لما هو المحفوظ من رواية أصحاب الزهري كيونس بن يزيد الأيلي وشعيب بن أبي حمزة وإبراهيم بن سعد

    ج ١ ص ١٠٢٢وزياد بن سعد وغيرهم، والحكم بالوهم فيه من قبل همام مظنة لا قطع، إذ يحتمل أن يكون ابن جريج دلس فيه (١) .

    1. (١)وانظر الحديث بتخريجه والكلام في علته في تعليقي على كتاب " المقنع في علوم الحديث " لابن الملقن (١/ ١٨٢ _ ١٨٤) .......
  25. والحكم بشذوذ هذا اللفظ إدراك من الناقد لما وراء ظاهر الإسناد، وإبانة لوهم الثقة بالبرهان، إذ أتى بما هو على خلاف المحفوظ عن الزهري من رواية متقني أصحابه.

  26. وتلاحظ من هذا أن اعتبار درجات الثقات هو المقياس لتمييز الحفظ من الشذوذ.

  27. ويتفرع عن الكلام في (الشذوذ) مسألتان:

    المسألة الأولى: زيادات الثقات.

  28. الثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره، أو يشارك غيره في رواية حديث، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه.

  29. فهذان نوعان، فأما الأول فليس مراداً هنا، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره، خصوصاً أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به.

  30. كما قال علي بن المديني: " نظرنا فإذا يحيى بن سعيد يروي عن سعيد بن المسيب ما ليس يروي أحد مثلها، ونظرنا فإذا الزهري يروي عن سعيد بن المسيب شيئاً لم يروه أحد، ونظرنا فإذا قتادة يروي عن سعيد بن المسيب شيئاً لم يروه أحد " (٢) .

    1. (٢)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٧٦).
  31. وأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة.

  32. وجملة ما يحتاج إليه في هذا المقام هو أن الزيادة كانت في الإسناد أو المتن، لا تخلو من أن تكون مخالفة لرواية من لم يأت بها أو غير مخالفة:

    فإن كانت مخالفة لرواية الأقوى ضبطاً، حكمنا بكونها (شاذة) .

    ج ١ ص ١٠٢٣
  33. وإن كانت غير مخالفة نظرنا اعتبار أمرين لقبولها: أن تكون من ثقة متقن، وأن لا يقوم دليل على خطئه فيها، فإن كانت بهذه كانت المثابة حكمنا بكونها (محفوظة) .

  34. وإن لم يكن من أتى بها في إتقانه في المنزلة التي ترجح معها زيادته، للين في حفظه، كحماد بن سلمة في المثال المتقدم، حكمنا بكونها (شاذة) (١) .

    1. (١)وراجع القول في (زيادات الثقات) فيما تقدَّم في (النقد الخفي) .......
  35. وما حكمنا بشذوذه فهو (ضعيف) .

  36. المسألة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد.

  37. هذا مبحث يراد به الإسناد الذي يأتي صريحاً بذكر السماع بين ثقتين، فيقول الراوي الثقة المسمى (خالد) مثلاً: (حدثني زيد) ثم يوجد عن خالد هذا قوله: (حدثني بكر عن زيد) ، ويبحث في كل من الإسنادين إلى (خالد) فلا يوجد فيهما علة تدل على وهم أو خطأ، وخالد نفسه لا يعاب في حفظه وصدقه، بل هو ثقة، فيقال: (هذا من المزيد في متصل الأسانيد) حملاً على كون (خالد) سمع الحديث أولا بواسطة، ثم لقي (زيداً) فحدثه به، وهذا واقع في الأسانيد غير مستنكر.

  38. فالقول: هو من المزيد في متصل الأسانيد أولى من تخطئة الثقة بغير حجة بينة، إلا أن يوجد أن خالداً لم يدرك زيداً، فيكون بعض الرواة أخطأ فيه، أو وقع في الإسناد سقط من نسخة أو كتاب.

  39. مثاله: ما رواه حجاج بن أبي عثمان الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى " .

    قال (أي عكرمة) : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة، فقالا: صدق.

    ج ١ ص ١٠٢٤
  40. فهذا إسناد صحيح متصل، جاء بيان سماع رواته بعضهم من بعض من وجوه عن حجاج الصواف، وهو ثقة.